روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

«كنت برجع من السفر وأدور عليكي بعيني قبل ما أسأل عن أي حاجة. كنت بحفظ مواعيدك، وبفتكر الحاجات الصغيرة اللي بتحبيها، وكنت بخاف عليكي لما تتعبي. لكن بدل ما أقولك إنك مهمة عندي، كنت بخبي كل ده ورا الصمت».

مريم فضلت ساكتة.

وبعد لحظات، سألتني السؤال اللي كنت خايف منه:

«طب ليه قررت تطلقني من غير ما تتكلم معايا؟»

ماحاولتش أبرر.

قلت لها الحقيقة:

«لأني كنت جبان يا مريم. كنت خايف أسألك إذا كنتِ بتحبيني، وأسمع منك إجابة توجعني. فقررت أنهي كل حاجة قبل ما أديكي فرصة ترفضي قلبي».

نزلت دمعة على خدها، وقالت:

«وأنا كنت خايفة أسألك نفس السؤال للسبب نفسه».

الجملة دي اختصرت تلات سنين كاملة.

اتنين بيحبوا بعض، لكن كل واحد فيهم كان مستني التاني يبدأ.

بعد شوية، دخل المحامي وسألنا إذا كنا مستعدين نبدأ إجراءات الطلاق.

بصيت لمريم، لكني ما اتكلمتش بدلًا منها.

كان لازم القرار يكون قرارها هي كمان.

مريم بصت للمحامي وقالت:

«ممكن تدينا فرصة نتكلم لوحدنا شوية قبل ما نبدأ؟»

وافق المحامي وخرج.

فضلنا قاعدين قدام بعض، وبيننا أوراق الطلاق اللي كانت المفروض تنهي جوازنا في اليوم ده.

مريم قالت:

«أنا مصدقاك إنك بتقول الحقيقة دلوقتي، لكني خايفة نرجع البيت، ونعيش نفس الحياة من جديد. مش عايزة أفضل كل يوم أحاول أفهم إذا كنت بتحبني ولا لأ».

قلت لها:

«ومش عايزك تعيشي بالشكل ده تاني. أنا مش هطلب منك تثقي في كلامي بس. اديني فرصة أثبتلك بالأفعال إني مستعد أكون زوجك بجد، مش مجرد شخص مرتبط بيكي باتفاق».

سكتت قليلًا، ثم سألتني:

«ولو اكتشفنا إننا مش قادرين نكمل؟»

رديت:

«ساعتها هنكون حاولنا بصدق، وهنقدر ناخد قرارنا وإحنا عارفين الحقيقة. مش بسبب خوف، ولا بسبب سوء فهم».

مريم بصت لأوراق الطلاق، ثم جمعتها بهدوء وأبعدتها عن منتصف المكتب.

وقالت:

«أنا مش هقدر أنسى تلات سنين في يوم واحد يا آدم. لكن أقدر أدي علاقتنا فرصة أخيرة، بشرط إننا مانخبيش عن بعض حاجة تاني».

مديت إيدي ناحية إيدها، لكني توقفت قبل ما ألمسها.

سألتها:

«ينفع أمسك إيدك؟»

ابتسمت وسط دموعها، ومدت إيدها ناحيتي.

«ينفع».

مسكت إيدها، ولأول مرة من يوم جوازنا، ماحسيتش إن فيه اتفاق بيننا.

حسيت إن فيه اختيارًا حقيقيًا.

اختيار إننا نبدأ من جديد، من غير وعود كبيرة، ومن غير ما نحاول نثبت لبعض إننا مش محتاجين بعض.

مرت ستة شهور.

ماحصلش تغيير سحري في يوم وليلة، وما اختفتش كل المشاكل بمجرد إننا اتكلمنا بصراحة.

لكننا بدأنا نتعلم إزاي نعيش كزوجين حقيقيين.

بقينا نتكلم عن مخاوفنا بدل ما نخبيها، وعن احتياجاتنا بدل ما نتوقع إن الطرف التاني يفهمها لوحده.

خصصنا وقتًا نقضيه مع بعض بعيدًا عن الشغل، وبدأنا نخرج ونتكلم عن أحلامنا وخططنا للمستقبل.

ومريم رجعت تشتغل في مشروع كانت بتحلم تبدأه من زمان، مشروع بيساعد الشباب على تعلم مهارات مهنية تفتح لهم فرص عمل جديدة.

دعمتها، لكن المرة دي ماحاولتش أتحكم في كل التفاصيل أو أقرر بدلًا منها.

كنت عايزها تنجح لأنها تستحق النجاح، مش لأنها مراتي.

أما أوراق الطلاق، فاحتفظت بيها في درج مكتبي فترة، وبعدها سلمتها للمحامي لإغلاق الملف.

والتسوية المالية اللي كانت مكتوبة فيها ما بقتش وسيلة أعبّر بيها عن خوفي من الانفصال. أي ترتيبات مالية تخصنا بقت موضوعًا نتناقش فيه بصراحة، وبما يحفظ حقوق كل واحد فينا.

وفي يوم، كنا قاعدين في الشرفة بعد العشاء، ومريم كانت بتقلب في ألبوم صور قديم.

طلعت الصورة اللي لقيتها في خزنة والدها، وضحكت لما شافت شكلي فيها.

قالت:

«تفتكر لو كنا اتكلمنا بصراحة من البداية، كنا وفرنا على نفسنا كل الوجع ده؟»

فكرت شوية، وقلت:

«يمكن. لكن المهم إننا اتعلمنا إن الحب مش مجرد إحساس بنخبيه جوانا، ونستنى الطرف التاني يكتشفه لوحده».

مريم ابتسمت، وحطت راسها على كتفي.

وبعد لحظات، قالت:

«أنا كنت فاكرة إن أصعب حاجة في الدنيا إني أحب حد مش بيحبني».

بصيتلها وسألتها:

«ودلوقتي رأيك إيه؟»

قالت:

«اكتشفت إن الأصعب إنك تحب حد، وتفضل ساكت لحد ما تقنع نفسك إنه مش بيحبك».

ضمّيتها ليا، وقلت:

«وإحنا مش هنكرر الغلطة دي تاني».

في الليلة دي، فهمت إن العشرين مليون دولار اللي كنت مستعد أدفعها علشان أنهي جوازي بأقل قدر من الألم، ماكانوش يقدروا يعوضوا كلمة واحدة كان لازم أقولها من البداية.

أنا بحبك.

ثلاث كلمات بسيطة، لكنها كانت الحقيقة اللي اتأخرنا تلات سنين علشان نعترف بيها.

والأهم من كده، إننا فهمنا إن الجواز مش مجرد عقد، وإن الحب مش مجرد شعور جميل.

الحب اختيار يومي، وصراحة، واحترام، واستعداد إنك تسمع الشخص اللي قدامك حتى لو كنت خايف من إجابته.

أما الثقة، فهي مش إنك تضمن إنك عمرك ما هتتوجع.

الثقة إنك تقدر تتكلم عن وجعك، وتدي الطرف التاني فرصة يفهمك، بدل ما تحكم عليه من غير ما تسمعه.

وفي النهاية، أنا ومريم ما أنقذناش جوازنا لأننا اكتشفنا إننا بنحب بعض وبس، لكن لأننا قررنا أخيرًا نتوقف عن التخمين، ونبدأ نتكلم بصدق.

العبرة من القصة: مش كل صمت معناه عدم اهتمام، ومش كل تصرف بارد معناه غياب الحب. أحيانًا بنخسر أقرب الناس لينا لأننا بنخاف نسألهم عن الحقيقة، وبنفضل نعيش مع افتراضات من صنع خيالنا. كلمة صادقة في وقتها ممكن توفر سنين من الندم. ❤️

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى