روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

كان واضح إنه بدأ يفقد ثقته في كل اللي حواليه.

أما إبراهيم، فوقف بهدوء وقال:

«خلّوها تتكلم. محدش هيجبرها على حاجة.»

سالي فتحت موبايلها، ودخلت على تسجيل صوتي محفوظ عندها.

قالت بصوت متقطع:

«أنا ما كنتش بدور على حاجة تخص ماما. كنت بدور على صورة قديمة، ولقيت تسجيل متسجل من حوالي شهرين. في الأول افتكرته مكالمة عادية، لكن لما سمعت الكلام، خفت.»

ضغطت على زر التشغيل.

وبدأ صوت نادية يخرج من السماعة.

«أنا مش هقدر أستنى أكتر من كده. فؤاد لازم يوافق على بيع حصته قبل ما الصفقة الجديدة تتم.»

وبعدها ظهر صوت رجل.

كان صوت كمال.

«المشكلة إن إبراهيم ممكن يتدخل لو عرف إن فيه حاجة مش سليمة.»

نادية ردت بثقة:

«إبراهيم مش هيعرف حاجة. أنا هخلي تيسا مشغولة بمشاكلها، ولو احتجنا نضغط على فؤاد أكتر، هنخليه يفتكر إن بنته هي اللي هتدفع الثمن.»

اتسمرت مكاني.

بصيت لنادية، اللي كان وشها اتغير تمامًا.

التسجيل استمر.

كمال سألها:

«وإيه خطتك بخصوص الجواز؟»

نادية ردت:

«أنا هختار لها راجل من غير نفوذ، ولا عيلة كبيرة تحميها. عايزاها تحس إنها خسرت كل حاجة، علشان لما نطلب منها ترجع، توافق على أي شروط نحطها قدامها.»

صوت سالي بدأ يرتعش وهي بتسمع التسجيل معانا.

لكن الجملة اللي بعدها كانت الأخطر.

نادية قالت:

«المهم إن فؤاد ما يعرفش إن الجواز ده جزء من الخطة. هو يفتكر إننا بنحاول نحل مشكلة بنته، لكن الحقيقة إننا محتاجين نبعدها عن الشركة لحد ما نخلص الإجراءات.»

انتهى التسجيل.

وساد صمت ثقيل في الصالة.

كنت حاسة إن الدنيا بتلف بيا.

كل الإهانات اللي تعرضت لها، وكل الكلمات اللي اتقالت لي، وكل الضحكات اللي سمعتها يوم جوازي، ما كانتش مجرد تصرفات عشوائية.

كان فيه خطة.

خطة اتعملت علشان يبعدوني عن الشركة، ويخلوني أصدق إني خسرت قيمتي، وأبقى مستعدة أوافق على أي حاجة يطلبوها مني.

بصيت لنادية، وقلت بصوت هادي بشكل غريب:

«يعني كل ده كان متخطط له؟»

نادية حاولت تستعيد سيطرتها.

«التسجيل ده مش كامل! إنتوا مش فاهمين الكلام في سياقه الصحيح.»

سالي ردت بسرعة:

«طيب، إيه السياق اللي يخليكي تتكلمي عن أختي بالشكل ده؟»

نادية بصت لها بغضب.

«أختك؟ دي أختك من أبوكي، مش أختك من دمي!»

سالي رجعت خطوة لورا، وكأنها سمعت الجملة دي للمرة الأولى.

لكنها رفعت رأسها وقالت:

«حتى لو مش من دمي، هي ما تستحقش اللي عملتيه فيها.»

للحظة، حسيت إن سالي نفسها بدأت تشوف الحقيقة اللي كانت بتتهرب منها سنين.

لكن إبراهيم ما اكتفاش بالتسجيل.

طلب من سالي تبعت نسخة منه لمحاميه، وبعدها التفت إلى نادية وقال:

«التسجيل ده لازم يتراجع بشكل قانوني، وهنعرف إذا كان فيه مستندات أو معاملات مرتبطة بالكلام اللي سمعناه. لكن من اللحظة دي، محدش هيضغط على تيسا أو على والدها.»

نادية ضحكت ضحكة عصبية.

«إنت فاكر نفسك مين؟ جوزها من يومين، والجاي تتحكم في عيلتنا؟»

إبراهيم رد بهدوء:

«أنا مش بتحكم في عيلتكم. أنا بحط حدودًا لأي محاولة لإيذاء زوجتي.»

وبعدين بص لأبويا وسأله:

«أستاذ فؤاد، هل عندك أي مستندات تخص عرض شراء الشركة أو الرسالة اللي وصلتك؟»

أبويا أومأ ببطء.

«فيه ملف في المكتب. كنت محتفظ بيه لأنني كنت شاكك إن فيه حاجة غلط، لكن ما كنتش عارف أبدأ منين.»

دخلنا مكتبه، وفتح الخزنة الصغيرة الموجودة خلف مكتبه.

طلع ملفًا أزرق، وحطه قدام إبراهيم.

كان الملف مليان عقود ومراسلات وعروض مالية.

إبراهيم بدأ يقلب الأوراق واحدة وراء التانية، وعادل كان بيتابع معاه على مكالمة فيديو.

بعد حوالي عشر دقائق، وقف إبراهيم عند مستند معين.

قرأه مرتين، ثم رفع عينيه لأبويا.

«مين اللي وافق على التقييم ده؟»

أبويا قرب من الورقة.

«أنا ما وافقتش على التقييم النهائي. ده كان عرضًا مبدئيًا، وكنت مستني تقرير المراجعة.»

إبراهيم أشار إلى توقيع في أسفل الصفحة.

«لكن فيه توقيع باسمك على موافقة نهائية.»

أبويا شحب وجهه.

«ده مش توقيعي.»

كمال ما كانش موجودًا وقتها، لكن اسمه كان ظاهرًا في إحدى المراسلات المرفقة بالملف.

إبراهيم طلب من عادل الاحتفاظ بنسخة من المستند، والتأكد من مصدره، ومقارنته بالأوراق الأصلية.

ثم قال:

«لو التوقيع غير صحيح، لازم نعرف مين استخدمه، ومين استفاد من الصفقة.»

فجأة، سالي قالت:

«فيه حاجة تانية.»

كلنا بصينا لها.

فتحت موبايلها مرة تانية، وطلعت صورة لمحادثة قديمة.

«بعد التسجيل بيومين، ماما بعتت رسالة لشخص اسمه كمال. كانت بتقول له إن كل حاجة هتكون جاهزة قبل اجتماع مجلس الإدارة، وإن فؤاد مش هيقدر يعترض بعد ما يتم نقل الحصص.»

أبويا مسك الموبايل، وقرأ الرسالة بنفسه.

وبعدها قعد على الكرسي، وحط إيده على رأسه.

«أنا كنت فاكر إن نادية بتحاول تساعدني أحل أزمة الشركة. ما كنتش أعرف إنها ممكن تكون بتنسق مع كمال من ورايا.»

نادية انفجرت في الكلام.

«كفاية! كلكم قررتوا تصدقوا أي حاجة ضدي! محدش سأل نفسه إذا كان إبراهيم نفسه بيحاول يستغل الموقف علشان يستولي على الشركة!»

إبراهيم بص لها بثبات.

«لو كنت عايز أستولي على شركة فؤاد، ما كنتش طلبت مراجعة مستقلة لكل المستندات. كنت هكتفي بعرض شراء، وأسيب القانون يحسم الأمر.»

ثم أضاف:

«أنا مش مهتم أمتلك شركة والد تيسا. أنا مهتم إن محدش يستخدم اسمها أو اسم والدها علشان يمرر صفقة مش واضحة.»

كنت بسمع الكلام، وفجأة فهمت إن المعركة الحقيقية ما كانتش بين الغني والفقير، ولا بين بنت وزوجة أبيها.

كانت معركة بين ناس شايفة إن النفوذ والمال يسمحوا لهم يتحكموا في حياة الآخرين، وناس بتحاول تمنعهم من ده.

لكن لسه كان فيه سؤال واحد مش قادر يسيب دماغي.

مين الشخص اللي وقّع على الاتفاق القديم، وكان إبراهيم بيقول إنه قريب مني جدًا؟

افتكرت رسالة عادل اللي وصلته قبل شوية.

التفت لإبراهيم وسألته:

«إنت عرفت مين صاحب التوقيع التاني؟»

بص لي لحظات، وبعدها قال:

«أيوه. عادل راجع المستندات القديمة، واكتشف إن فيه اتفاقًا تم توقيعه من شخص كان بيمثل الطرف التاني في الصفقة.»

قلت بسرعة:

«مين؟»

إبراهيم أخذ نفسًا عميقًا.

«والدك كان مسؤولًا عن الإدارة المالية، لكن التوقيع التاني مش توقيعه. التوقيع ده باسم شخص كان شريكًا قديمًا ليا، وكان مسؤولًا عن مراجعة الحسابات وقتها.»

سألته بقلق:

«يعني إيه؟»

رد:

«يعني إن الشخص ده ممكن يكون هو اللي عنده الإجابة عن التحويلات اللي كمال بيتكلم عنها. لكن فيه مشكلة…»

«إيه هي؟»

«الشخص ده اختفى من عالم الأعمال من حوالي عشر سنين، ومحدش يعرف مكانه لحد دلوقتي.»

وقبل ما نكمل كلامنا، موبايل إبراهيم رن.

كان عادل بيتصل.

إبراهيم رد، وفضل يسمع من غير ما يقاطع.

وبعد ثوانٍ، اتغيرت ملامحه.

قال بصوت منخفض:

«إنت متأكد من الاسم؟»

سكت، وبعدها قال:

«ابعت لي كل التفاصيل فورًا.»

أنهى المكالمة، وبص لي.

«لقينا عنوانًا قديمًا للشريك اللي كان مسؤولًا عن مراجعة الحسابات. وعادل قدر يوصل لمعلومة جديدة عنه.»

سألته:

«إيه المعلومة؟»

قال:

«الرجل ده ما اختفاش بإرادته، زي ما الناس كانت فاكرة. هو ساب البلد بعد ما قدم بلاغًا عن مخالفات مالية، والبلاغ اتقفل من غير ما يوصل لتحقيق كامل.»

حسيت بقشعريرة في جسمي.

«وكان البلاغ ضد مين؟»

إبراهيم بص لي بجدية.

«ضد الشركة اللي كان كمال شريكًا فيها، وفيه اسم تاني ظهر في الأوراق القديمة.»

«مين؟»

فتح إبراهيم رسالة وصلته للتو، وقرأ الاسم المكتوب فيها.

ثم رفع عينيه ليا وقال:

«تيسا… الاسم اللي ظهر في البلاغ هو اسم عمك، شقيق والدك، اللي العيلة كلها قالت إنه سافر من سنين وقطع علاقته بالجميع.»

في اللحظة دي، أبويا وقف من مكانه كأنه اتلقى صدمة.

وقال بصوت مبحوح:

«مستحيل… عمي محمود مات من عشر سنين!»

إبراهيم رد بهدوء:

«مفيش أي سجل رسمي يثبت وفاته. كل اللي عندنا إنه اختفى بعد تقديم البلاغ.»

نادية كانت واقفة ساكتة، لكن نظراتها فضحت خوفها.

ولما لاحظت إننا بنبص لها، حاولت تخرج من المكتب بسرعة.

سالي وقفت قدامها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى