روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

«رايحة فين يا ماما؟»

نادية ردت بعصبية:

«ابعدي عن طريقي.»

سالي هزت رأسها، وقالت:

«مش هقدر أعمل كده المرة دي. مش قبل ما نعرف الحقيقة.»

نادية بصت لها بنظرة مليانة غضب، وبعدها قالت جملة خلت أبويا يرجع يقعد مكانه من الصدمة:

«إنتوا مش فاهمين حاجة! لو عمك محمود لسه عايش، يبقى هو بنفسه اللي هيقدر يدمّر العيلة كلها… لأنه هو اللي بدأ كل حاجة من البداية!»

وبعدها، من غير ما تضيف كلمة واحدة، خرجت من المكتب وأغلقت الباب خلفها بقوة.

أما أنا، ففضلت واقفة مكاني، بحاول أفهم إزاي كل الأسرار دي كانت مستخبية جوه عيلتي طول السنين اللي فاتت.

إبراهيم قرب مني وقال:

«هنعرف الحقيقة يا تيسا، مهما كانت.»

لكن قبل ما نتحرك، وصلته رسالة جديدة من رقم مجهول.

فتحها، فظهرت صورة قديمة لرجل واقف أمام مبنى شركة، وبجواره شاب أصغر سنًا.

إبراهيم حدق في الصورة، واتغير لون وجهه.

سألته بقلق:

«مين دول؟»

رد بصوت منخفض:

«الراجل اللي واقف على اليمين هو عمي محمود… أما الشاب اللي واقف جنبه، فهو أنا.»

اتسعت عيناي.

إبراهيم كان يعرف الرجل المختفي شخصيًا!

لكن الصدمة الأكبر كانت في الجملة المكتوبة أسفل الصورة:

«لو عايز تعرف مين سرق ثروتك، قابلني الليلة وحدك… لأن أقرب شخص ليك هو اللي بيخفي الحقيقة.»

إبراهيم رفع رأسه، وبص ناحية الباب اللي خرجت منه نادية.

ولأول مرة من ساعة ما عرفته، شفت في عينيه خوفًا حقيقيًا.

مش خوفًا على ثروته.

لكن خوفًا من إن الشخص اللي كان بيثق فيه طول عمره، يكون هو نفسه السبب في كل اللي حصل.

يتبع في الجزء الخامس…

الجزء الخامس والأخير: الحقيقة ظهرت… واللي كانوا بيضحكوا عليّا وقفوا قدامي يطلبوا السماح!
فضل إبراهيم باصص للصورة القديمة اللي وصلته، وكأنه بيحاول يرجع بذاكرته لسنين طويلة.

أما أنا، فكنت واقفة جنبه، مش عارفة أصدق إن الراجل اللي عيلتي اختارته علشان يذلني، ممكن يكون هو نفسه الشخص اللي يقدر يكشف أكبر سر في تاريخ عيلتي.

سألته بهدوء:

«إبراهيم، إنت تعرف عمّي محمود من زمان؟»

هز رأسه وقال:

«محمود كان أقرب شخص ليا في بداية حياتي العملية. هو اللي علّمني إن النجاح الحقيقي مش إنك تجمع فلوس كتير، لكن إنك تعرف تحافظ على حقك وحق الناس اللي وثقوا فيك.»

سكت لحظة، وبعدها أضاف:

«لكن من حوالي عشر سنين، اختفى فجأة. حاولت أوصل له بكل الطرق، وما قدرتش. وفي الوقت نفسه، ظهرت مشاكل في إحدى الشركات القديمة، واضطريت أبدأ مراجعة الحسابات من جديد.»

بصيت للصورة مرة تانية.

«يعني هو ممكن يكون عارف مين المسؤول عن كل اللي حصل؟»

رد إبراهيم:

«ممكن. وعشان كده لازم نسمع منه قبل ما نحكم على أي حد.»

لكن الرسالة كانت واضحة: الشخص المجهول طلب منه يروح لوحده.

وأنا كنت عارفة إن إبراهيم مش هيوافق يعرّض نفسه للخطر، وفي الوقت نفسه مش هيسمح لحد يفرض عليه شروطه.

قال لي:

«هنروح للعنوان اللي بعتوه، لكن بعد ما نتأكد من المكان، وهنخلي المحامي عارف إحنا رايحين فين.»

وافقت، وفضلنا طول اليوم نراجع المعلومات اللي وصلت من عادل.

وبعد ساعات، ظهر عنوان مخزن قديم في منطقة صناعية على أطراف الإسكندرية.

وصلنا قبل الغروب بقليل.

كان المكان هادئًا، والباب الحديدي مفتوحًا جزئيًا. دخل إبراهيم بحذر، وأنا كنت معاه.

وفي آخر المخزن، ظهر رجل مسن، شعره أبيض وملامحه متعبة، لكنه كان واقفًا بثبات.

أول ما شاف إبراهيم، قال صوت مبحوح:

«كبرت يا إبراهيم.»

إبراهيم وقف مكانه، وعينيه اتسعتا.

«عمي محمود!»

اقترب منه بسرعة، وصافحه بقوة، وبعدها ابتعد خطوة وبص له بعتاب.

«إنت كنت فين كل السنين دي؟ وليه اختفيت من غير ما تقول لي أي حاجة؟»

محمود نزل عينيه، وقال:

«لأنني اكتشفت إن فيه ناس كنت فاكرهم شركاء، لكنهم كانوا بيستخدموا ثقتنا علشان يحققوا مصالحهم. ولما حاولت أبلغ عن المخالفات، بدأت توصلني رسائل تهديد، فقررت أبعد لحد ما أقدر أجمع الأدلة.»

ثم بص لي وقال:

«وإنتِ أكيد تيسا، بنت فؤاد.»

أومأت برأسي.

قال بحزن:

«أنا آسف إنك اتعرضتي لكل اللي حصل. ما كنتش أتخيل إن الخلافات القديمة هتوصل لحد إن حد يستخدم جوازك علشان يضغط على عيلتك.»

إبراهيم سأله مباشرة:

«مين المسؤول عن تحويل الأموال؟ ومين اللي كان بيحاول يستغل أزمة شركة فؤاد؟»

محمود فتح حقيبته، وطلع منها ملفًا قديمًا.

«الحقيقة إن فيه شخصين استغلوا بعض. كمال كان مسؤولًا عن جزء من المعاملات، لكنه ما كانش بيشتغل لوحده. كان فيه شخص بيساعده من داخل شركة منصور.»

سألته:

«مين الشخص ده؟»

محمود بص لي بحزن، ثم قال:

«نادية.»

حسيت بصدمة، رغم إننا كنا بدأنا نشك فيها.

لكنه كمل:

«نادية ما كانتش صاحبة الخطة كلها، لكنها كانت بتساعد كمال في الوصول للمعلومات، وبتحاول تدفع فؤاد لبيع حصته بسعر أقل من قيمتها الحقيقية. وكانت بتستغل الخلافات العائلية علشان تبعدك عن أي قرار يخص الشركة.»

إبراهيم فتح الملف وبدأ يراجع المستندات.

كان فيه نسخ من التحويلات المالية، ومراسلات، وعقود قديمة، وتقارير مراجعة حسابات.

محمود أشار إلى إحدى الأوراق وقال:

«أما موضوع المليارين وأربعمائة مليون، فده مش مبلغ مسروق زي ما الرسالة حاولت توحي. دي القيمة الإجمالية التقديرية لأصول واستثمارات مجموعة إبراهيم. كمال كان بيحاول يستخدم الخلاف القديم علشان يشكك في بعض الصفقات، ويضغط على الشركاء.»

إبراهيم قلب الأوراق بعناية، ثم رفع رأسه.

«ليه ما قدمتش المستندات دي من زمان؟»

محمود تنهد.

«لأن بعض المستندات كانت ناقصة، وكنت محتاج أتأكد من الحسابات قبل ما أتهم أي حد. لكن دلوقتي، بعد ما عرفت إن الموضوع وصل لبنت فؤاد، قررت إن الوقت جه علشان الحقيقة تظهر.»

سكت إبراهيم قليلًا، ثم قال:

«هنسلم كل الأوراق للمحامين والجهات المختصة. مش هنتصرف بناءً على اتهامات من غير مراجعة.»

محمود أومأ موافقًا.

«وده القرار الصح.»

في طريق العودة، كنت بفكر في كل اللي حصل.

كنت داخلة الجواز وأنا فاكرة إن حياتي انتهت، وإن عيلتي نجحت في كسري.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

الراجل اللي وصفوه بالفقر كان عنده ثروة كبيرة، لكنه ما استخدمهاش علشان يشتري احترام الناس.

والأشخاص اللي كانوا بيتباهوا بمكانتهم، ظهر إن بعضهم كان بيخفي أسرارًا خطيرة.

ومع ذلك، كان فيه سؤال لسه بيوجعني.

ليه أبويا سمح لهم يهينوني؟

لما وصلنا الكوخ، بصيت لإبراهيم وقلت:

«أنا عرفت الحقيقة عن نادية وكمال، لكن لسه مش قادرة أفهم أبويا. هو كان عارف إنهم بيضغطوا عليه، ومع ذلك سابني أتعرض للإهانة.»

إبراهيم سكت شوية، وبعدها قال:

«الخوف ممكن يخلي الإنسان يسكت في الوقت اللي المفروض يتكلم فيه. لكن ده ما يمسحش مسؤوليته عن اللي حصل.»

ثم أمسك إيدي وأضاف:

«إنتِ مش مطالبة تسامحيه قبل ما تكوني مستعدة. والأهم إنك ما تلوميش نفسك على قرارات غيرك.»

الكلام ده ريّحني، لكنني كنت محتاجة أسمع الحقيقة من أبويا نفسه.

وفي صباح اليوم التالي، اتصلت به وطلبت منه ييجي يقابلني.

وصل بعد ساعة، وكان شكله مختلفًا عن الرجل اللي كنت أعرفه. بدا أكبر سنًا، وعينيه مليانة ندم.

قعد قدامي، وقال:

«أنا مش جاي أطلب منك تنسي اللي حصل. أنا جاي أعتذر.»

فضلت ساكتة.

كمل كلامه:

«أنا كنت عارف إن نادية بتضغط عليكِ، وكنت شايف إنها بتتعامل معاكي بطريقة قاسية. لكن بدل ما أوقفها، فضلت أهرب من المواجهة. كنت خايف على الشركة، وخايف من المشاكل، وفي الآخر خسرت ثقتك إنتِ.»

نزلت عيني، وحسيت بوجع السنين كلها بيرجع مرة واحدة.

قلت له:

«يا بابا، أنا ما كنتش محتاج منك فلوس ولا نفوذ. كنت محتاجة تحسّسني إني بنتك، وإن محدش يقدر يهينني وإنت واقف تتفرج.»

دموعه نزلت.

«عارف. وأنا مش هطلب منك تسامحيني النهارده. كل اللي أقدر أعمله إني أحاول أصلح اللي أقدر عليه.»

لأول مرة، ما حاولش يبرر تصرفاته.

ما قالش إن الظروف أجبرته، ولا إنني لازم أقدّر موقفه.

اعترف إنه أخطأ.

وده ما مسحش الوجع، لكنه كان بداية مختلفة.

بعد أيام، بدأت المراجعة القانونية والمالية لكل المستندات.

وكشفت التحقيقات وجود مخالفات في بعض المعاملات ومحاولات تمرير عرض شراء بناءً على تقييم غير مكتمل للشركة. واتخذت الجهات المختصة الإجراءات اللازمة لمراجعة الوقائع وتحديد مسؤولية كل طرف.

كمال اضطر يقدم مستنداته، وبعد مراجعتها اتضح إن بعض الادعاءات اللي قدمها ضد إبراهيم ما كانتش مدعومة بالأدلة اللي زعم امتلاكها.

أما نادية، فتم استدعاؤها لسماع أقوالها بشأن المراسلات والتصرفات المالية المرتبطة بالصفقة، ولم يعد بإمكانها التحكم في الأمور كما كانت تفعل من قبل.

سالي اختارت تبتعد عن الخلافات، واعتذرت لي عن تصويري والسخرية مني يوم الجواز.

قالت لي وهي بتبكي:

«أنا كنت فاكرة إن إهانتك هتخليني أحس إني أحسن منك. لكن لما شفت التسجيل، فهمت إنني كنت بساعد ماما في حاجة غلط.»

بصيت لها وقلت:

«أنا مش هقدر أتصرف كأن حاجة ما حصلتش، لكن أقدر أديكي فرصة تثبتي إنك اتغيرتي.»

ما رجعناش زي زمان في يوم وليلة، لكن العلاقة بيننا بدأت تتغير خطوة بخطوة.

أما إبراهيم، ففضل على طبيعته.

ما نقلنيش لقصر ضخم، وما حاولش يبهرني بسياراته أو حساباته البنكية.

فضلنا عايشين في الكوخ اللي بدأت فيه حكايتنا، لحد ما قررنا سوا نختار بيتًا يناسب حياتنا الجديدة.

وفي يوم، بعد مرور عدة أشهر، دعاني إبراهيم لحفل كبير نظمته مجموعته الاستثمارية بمناسبة افتتاح مشروع جديد.

دخلت القاعة وأنا لابسة فستانًا أنيقًا، وإبراهيم واقف جنبي.

كان فيه رجال أعمال وشخصيات مهمة، وكل واحد فيهم كان بيحييه باحترام.

وفجأة، شفت نادية وسالي وأبويا واقفين عند مدخل القاعة.

نادية كانت جاية ضمن مجموعة من المدعوين، لكنها لما شافت إبراهيم، اتغيرت ملامحها.

أما سالي، فابتسمت لي ابتسامة صغيرة.

وأبويا اقترب مني وقال:

«إنتِ شكلك مبسوطة يا تيسا.»

ابتسمت وقلت:

«أنا مرتاحة يا بابا. وده أهم عندي من أي حاجة تانية.»

في اللحظة دي، اقتربت نادية.

كانت بتحاول تحافظ على هدوئها، لكنها قالت بصوت منخفض:

«واضح إنك أخيرًا عرفتي تختاري لنفسك حياة أحسن.»

بصيت لها مباشرة وقلت:

«أنا ما اخترتش إبراهيم علشان فلوسه، ولا علشان أغيظك. أنا اخترته لأنه احترمني في الوقت اللي إنتوا قررتوا فيه إن كرامتي مش مهمة.»

نادية ما لقتش ردًا.

ثم التفتُّ ناحية إبراهيم، فابتسم لي ومد إيده.

مسكت إيده، ومشينا وسط القاعة.

ولأول مرة، ما كنتش مهتمة مين بيبص لي، ولا مين بيحكم عليّ.

كنت عارفة قيمتي، ومش محتاجة أثبتها لأي حد.

وقبل ما نغادر الحفل، إبراهيم وقف جنبي وقال:

«فاكرة اليوم اللي اتجوزنا فيه؟»

ضحكت وقلت:

«إزاي أنساه؟ ده اليوم اللي عيلتي كلها كانت بتضحك عليّا فيه.»

هز رأسه وقال:

«هم كانوا فاكرين إنهم بيحددوا قيمتك لما اختاروا لك راجل افتكروه فقيرًا. لكنهم ما فهموش إن قيمة الإنسان نش في اللي يملكه، ولا في اسمه، ولا في شكل بيته.»

ثم نظر في عيني وأضاف:

«أنا ما أنقذتكش يا تيسا. إنتِ اللي قررتي ما تسمحيش لحد يكسرك. وأنا كنت محظوظًا إني بقيت شريكك في الرحلة دي.»

ابتسمت، وحسيت إن كل اللي مرينا بيه علّمني درسًا مش هنساه أبدًا.

وفي النهاية، اكتشفت إن أكبر انتصار مش إنك تخلي الناس اللي أهانتك يندموا… أكبر انتصار إنك تبني حياة سعيدة من غير ما تحتاج تثبت لهم أي حاجة.

أما السيارات السوداء التي وصلت للكوخ في صباح اليوم التالي للجوازي، فكانت مجرد بداية لكشف الحقيقة.

والرجل الذي وصفوه بأنه أفقر رجل في المدينة، أثبت للجميع أن الثروة الحقيقية ليست في رصيد البنك، ولكنها في الأخلاق، والكرامة، والقدرة على الوقوف بجانب شخص وقت ما العالم كله يتخلى عنه.

تمت القصة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى