
«لأن المستثمرين اللي اتواصلوا معايا طلبوا مني أراجع بعض المستندات القديمة قبل ما يكملوا الصفقة.»
نادية حاولت تتكلم، لكن الكلام خرج منها متقطعًا:
«ده… ده كلام غير صحيح. الشركة بتقدم عروض استثمارية عادية، ومفيش أي حاجة مخالفة.»
إبراهيم أخيرًا التفت لها.
«لو كل حاجة سليمة، يبقى مفيش سبب يمنع مراجعة المستندات.»
نادية سكتت.
ولأول مرة، ما لقيتش ردًا جاهزًا.
لكن كمال ما كانش انتهى.
رفع ورقة أخيرة، وبص لإبراهيم بنظرة انتصار.
«لسه فيه حاجة أهم. الأصول اللي بتقول إن قيمتها وصلت لمليارين وأربعمائة مليون دولار، جزء منها مبني على اتفاق استثماري قديم. ولو ثبت إن الاتفاق ده اتعمل بناءً على بيانات مالية غير صحيحة، ممكن تتفتح مراجعة قانونية لكل الصفقة.»
سالي شهقت بصوت مسموع.
أما نادية، فبدأت تستعيد ثقتها تدريجيًا، وكأنها اعتقدت إن إبراهيم أخيرًا وقع في الفخ اللي كانت مستنياه.
قالت بسخرية:
«أهو! مش قلت لكم إن المظاهر مش كل حاجة؟ يمكن الراجل اللي بنتي كانت بتضحك عليه طلع عنده مشاكل أكبر من اللي توقعناها.»
بصيت لها بغضب، لكن إبراهيم سبقني.
قال بهدوء شديد:
«نادية، إنتِ عندك فرصة أخيرة إنك تسكتي، وتسيبي القانون ياخد مجراه.»
ضحكت باستهزاء.
«وإنت هتعمل إيه يعني؟ هتشتري سكوتي بفلوسك؟»
إبراهيم قرب من الطاولة، وأخذ إحدى الأوراق، وقرأها بعناية.
ثم رفع عينيه إلى كمال وسأله:
«المستند ده وصل لك إمتى؟»
كمال رد:
«من أسبوعين.»
«ومين اللي سلّمهولك؟»
كمال تردد للحظة.
كانت لحظة قصيرة، لكنها كانت كفاية علشان إبراهيم يلاحظها.
كرر السؤال:
«مين اللي سلّمهولك يا كمال؟»
كمال بص ناحية نادية، وبعدها رجع نظره لإبراهيم.
«شخص من داخل شركة منصور.»
أبويا وقف فجأة.
«يعني فيه حد من شركتي بيسرب المستندات؟»
كمال أغلق الملف وقال:
«أنا ما أقدرش أقول لك أكتر من كده دلوقتى.»
إبراهيم ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال:
«مش محتاج تقول. إحنا هنكتشف بنفسنا.»
وبعدين طلع موبايله واتصل بشخص، وقال جملة واحدة:
«عايز مراجعة مستقلة لكل التحويلات المرتبطة بالصفقة القديمة، ومراجعة قانونية لعروض شراء شركة منصور. ابدأوا فورًا، وما حدش يتواصل مع أي طرف قبل ما تجمعوا كل المستندات.»
أنهى المكالمة، وحط الموبايل على الطاولة.
كمال كان بيبص له بقلق واضح.
واضح إنه دخل المواجهة وهو فاكر إن إبراهيم هيحاول ينكر أو يتفاوض، لكنه اكتشف إنه مستعد يفتح كل الملفات بدل ما يهرب منها.
بعد دقائق، إبراهيم وقف وقال لي:
«تيسا، تعالي معايا. فيه حاجة لازم أوريهالك.»
خرجنا من الصالة ودخلنا غرفة جانبية.
أول ما الباب اتقفل، التفت له وقلت:
«أنا مش فاهمة أي حاجة. هل ثروتك فعلًا مهددة؟ وهل أبويا متورط في حاجة؟»
إبراهيم سكت شوية، وبعدها قال:
«ثروتي مش مجرد رقم في رسالة. وراها عقود وشركات وشركاء، وكل حاجة لازم تتراجع لو ظهر شك حقيقي. أنا مش هقول لك إن مفيش أي مشكلة قبل ما أرفض… أقصد أتعرف على الحقيقة.»
الكلام ده خلاني أحترمه أكتر.
كان ممكن يطمّني بكلمتين وخلاص، لكنه اختار يكون صريحًا معايا.
ثم أضاف:
«أما والدك، فمش عندي دليل إنه ارتكب أي مخالفة. وجود توقيعه على مستند مش معناه إنه مذنب. علشان كده لازم نراجع كل حاجة.»
سألته:
«ونادية؟»
رد:
«أنا مش هتهمها من غير دليل. لكن تصرفاتها والأسئلة اللي ظهرت النهارده تستحق التحقيق.»
أخذت نفسًا طويلًا، وبعدها سألته السؤال اللي كان بيطاردني من أول ما شفت الرسالة.
«إبراهيم، لو إنت غني بالشكل ده، ليه ما حاولتش تنتقم من الناس اللي أهانتك طول السنين؟»
بص لي باستغراب بسيط، ثم قال:
«لأن النجاح مش معناه إنك تقدر ترد الإهانة بإهانة أكبر. النجاح الحقيقي إنك ما تسمحش لحد يحولك لشخص شبهه.»
ما قدرتش أرد.
الكلمات دي فضلت ترن في ودني، لأنني كنت أعرف إنني لو رجعت لنادية وسالي بنفس طريقة تفكيرهما، هفضل أسيرة للوجع اللي سببوه لي.
رجعنا للصالة، لكن كمال كان اختفى.
وأبويا كان واقف عند الشباك، بيبص للشارع بشرود.
نادية وسالي دخلوا غرفة تانية، وكان واضح إنهم بيتكلموا في أمر مهم.
وقبل ما نمشي، أبويا ناداني.
«تيسا، ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟»
بصيت لإبراهيم، فأومأ لي إنه مستنيني بره.
دخلت مع أبويا مكتبه، وقفل الباب.
فضل ساكتًا للحظات، وبعدها فتح درجًا قديمًا وطلع منه ظرفًا أبيض.
حطه قدامي وقال:
«أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة على اللي حصل امبارح. ويمكن ما أستحقش إنك تسامحيني أصلًا. لكن لازم تعرفي إن فيه سبب تاني خلاني أوافق على الجواز.»
بصيت للظرف، ثم سألته:
«إيه اللي جواه؟»
قال بصوت مبحوح:
«رسالة وصلت لي قبل الجواز بيومين. الرسالة دي خلتني أخاف على مستقبلك.»
فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة مطبوعة.
كان مكتوبًا فيها:
«إذا استمر فؤاد منصور في رفض بيع حصته، فسنستخدم ابنته للضغط عليه. وسيتم إجباره على اتخاذ القرار المناسب قبل إتمام الصفقة الجديدة.»
حسيت إن إيدي بدأت ترتعش.
رفعت عيني لأبويا.
«مين اللي بعت الرسالة دي؟»
أبويا هز رأسه بأسى.
«الرسالة ما كانش عليها اسم. لكن كان معاها مستند يوضح إن الشخص اللي وراها عنده معلومات عن شركتنا وعن تحركاتك.»
سألته بصدمة:
«وإنت بدل ما تحميني، وافقت إنك تجوزني بالطريقة اللي حصلت دي؟»
أغمض عينيه للحظة.
«كنت فاكر إن الجواز من إبراهيم هيبعدك عن سيطرة نادية، وإنه هيكون قادر يحميك. أنا ما كنتش أعرف إنهم هيهينوكي بالشكل ده. لكن ده مش عذر للي عملته.»
لأول مرة، حسيت إن أبويا فعلًا ندمان.
لكن الندم وحده ما كانش كفاية يمسح اللي اللي حصل.
حطيت الرسالة على المكتب وقلت:
«أنا مش هقدر أنسى اللي حصل يا بابا، لكن عايزة أعرف الحقيقة كاملة. ومش هسمح لحد يستخدم اسمي علشان يضغط عليك أو على إبراهيم.»
هز رأسه، ثم قال:
«فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. الشخص اللي بعت الرسالة دي كان عارف إن إبراهيم هو اللي هيوافق على الجواز. كأنه كان متوقع إنك هتتجوزيه تحديدًا.»
اتسعت عيناي.
«يعني إيه؟»
أبويا قرب مني وقال بصوت منخفض:
«يعني الشخص ده كان بيراقب تحركات إبراهيم قبل الجواز بوقت طويل.»
في اللحظة دي، سمعت صوت إبراهيم بينادي من خارج المكتب.
خرجت بسرعة، ولقيته واقف في الصالة، ماسك موبايله، وملامحه متغيرة.
قال لي:
«تيسا، لازم نمشي دلوقتي.»
سألته بقلق:
«فيه إيه؟»
رفع الموبايل ناحيتي.
كانت رسالة جديدة من عادل، الرجل اللي زاره في الكوخ صباحًا.
مكتوب فيها:
«تم العثور على مستند قديم يربط بين كمال والجهة التي أرسلت التهديد. لكن المفاجأة أن هناك توقيعًا آخر على الاتفاق، وهو توقيع شخص قريب جدًا منك.»
بصيت لإبراهيم، ثم للرسالة.
وقبل ما أقدر أسأله عن الشخص المقصود، وصلته رسالة تانية.
فتحها، وقرأها بصمت.
ثم رفع عينيه ناحيتي وقال:
«تيسا… الشخص اللي وقّع على الاتفاق ده هو الشخص اللي كنتِ بتعتبريه طول عمرك أقرب إنسان ليكِ.»
حسيت بقلبي بيدق بعنف.
أبويا؟
ولا حد تاني؟
وقبل ما إبراهيم يكشف الاسم، رن جرس الباب بقوة.
فتح أبويا الباب، فوجدنا سالي واقفة قدامنا، ووشها شاحب، وفي إيدها موبايلها.
بصت لي، ثم قالت بصوت مرتعش:
«تيسا… لازم تيجي معايا. أنا شفت حاجة على موبايل ماما، ولو اللي شفته حقيقي، يبقى إحنا كلنا كنا عايشين في كذبة كبيرة.»
نهاية الجزء الثالث… والسر الأخطر لسه ما اتكشفش!
الجزء الرابع: سالي كشفت سر أمها… لكن اللي ظهر في التسجيل صدمنا كلنا!
فضلت باصة لسالي وأنا مش قادرة أصدق اللي بسمعه.
سالي نفسها، البنت اللي كانت من ساعات قليلة بتصورني وهي بتضحك عليّ قدام الناس، واقفة دلوقتي قدامي ووشها شاحب، وإيديها بتترعش وهي ماسكة الموبايل.
قلت لها بحذر:
«إنتِ شوفتي إيه يا سالي؟»
بصت ناحية نادية، اللي كانت واقفة في آخر الصالة، وبعدها رجعت بصت لي.
«مش هقدر أقول لك هنا. لازم تشوفي التسجيل بنفسك.»
نادية اتحركت بسرعة ناحيتها.
«سالي! إنتِ بتعملي إيه؟ هاتي الموبايل بتاعك.»
لكن سالي رجعت خطوة لورا، وضمّت الموبايل لصدرها.
«لأ يا ماما. المرة دي مش هسمع كلامك.»
الجملة نزلت على نادية كأنها صفعة.
صرخت فيها:
«إنتِ اتجننتي؟ إنتِ ناسية مين اللي رباكي وصرف عليكي؟»
سالي كانت بتبكي، لكنها ما تراجعتش.
«أنا مش ناسية أي حاجة. أنا بس مش قادرة أكمل وأنا عارفة إنك ممكن تكوني ظلمتي ناس كتير علشان توصلي للي إنتِ عايزاه.»
نادية بصت لها بذهول، وبعدها التفتت لأبويا.
«فؤاد، إنت سامع بنتي بتقول إيه؟! إنت هتسيبها تتكلم بالطريقة دي؟»
لكن أبويا ما ردش.




