روايات وقصص

الجزء الثاني بقلم محمد عبده

في صباح اليوم التالي، كنت في الشركة لما وصلني اتصال من مسؤول إدارة العقارات.

قال:
«أستاذة ليلى، حبيت أبلغ حضرتك إن الأستاذ كريم اتصل وسأل عن إمكانية الدخول للبيت، وقال إنه ناوي يجيب حاجته وحاجات أسرته».

سألته:
«وإنت قلت له إيه؟»

رد:
«وضحت له إن أي ترتيبات تخص العقار لازم تتم وفقًا للمستندات والتعليمات القانونية، وإنه لازم ينسق مع الإدارة».

شكرته، واتصلت بالأستاذ حسام، اللي أكد لي إننا هنلتزم بالإجراءات القانونية، من غير أي تصرف متسرع أو مواجهة شخصية.

كنت عارفة إن كريم مش هيستسلم بسهولة، لكنه في النهاية هيضطر يتعامل مع الواقع.

بعد الظهر، وصلني من أحد العاملين في إدارة العقار خبر إن كريم جه فعلًا، ومعاه نور وطفل صغير، وكانوا شايلين شنط وكراتين.

وقفت عند الخبر للحظات.

افتكرت الليلة اللي خرجت فيها من نفس الباب، وأنا شايلة كام قطعة هدوم ولابتوبي، بينما هو كان بيحتفل على التليفون لأنه اعتقد إنه كسب كل حاجة.

دلوقتي، هو نفسه رجع للمكان، مقتنعًا إنه داخل بيته.

لكن عند البوابة، طلب منه المسؤول الانتظار لحد ما يتم التأكد من الترتيبات الخاصة بالدخول.

كريم اتضايق، وقال بصوت مرتفع:
«إنتوا بتعملوا إيه؟ أنا صاحب البيت، وأنا مش محتاج إذن من حد علشان أدخل!»

رد مسؤول الإدارة بهدوء:
«يا فندم، إحنا بنلتزم بالمستندات الموجودة عندنا. أي موضوع متعلق بالملكية أو حق الانتفاع لازم يتم وفقًا للإجراءات المعتمدة».

نور كانت واقفة جنبه، بتبص حواليها بقلق، والطفل في حضنها.

قالت له بصوت منخفض:
«كريم، خلينا نمشي دلوقتي ونتكلم مع المحامي».

لكنه رفض.

«أنا مش همشي من بيتي!»

وفي اللحظة دي، وصل الأستاذ حسام، اللي كان متابع الموقف بعد ما أخطرته إدارة العقار.

وقف قدام كريم وقال:
«أستاذ كريم، إحنا محتاجين نتكلم بهدوء بخصوص المستندات الخاصة بالعقار».

رد كريم باستهزاء:
«مستندات إيه؟ البيت ده بيتي، وليلى مضت على الطلاق، يعني الموضوع خلص».

فتح الأستاذ حسام الملف اللي في إيده، وأخرج نسخة من المستندات الرسمية.

قال:
«موافقة ليلى على الانفصال لا تعني تلقائيًا انتقال ملكية العقار إليك. المستندات اللي معانا بتوضح إن العقار مسجل باسم الشركة، وأي حقوق تدعيها لازم تتراجع قانونيًا».

كريم أخد الورق وبص فيه بسرعة، وبعدها رفع عينيه بعصبية.

«الكلام ده مش صحيح! ليلى هي اللي كانت بتدفع، وأنا كنت جوزها!»

رد المحامي:
«الملكية والحقوق القانونية بتتحدد بالمستندات والقانون، مش بمجرد الإقامة في العقار أو العلاقة الزوجية».

نور قربت من كريم وسألته:
«إنت ما قلتليش إن البيت مش باسمك؟»

بصلها، لكنه ما عرفش يرد.

لأول مرة، بدأت تشوف التناقض بين الصورة اللي رسمها لها وبين الحقيقة اللي بتظهر قدامها.

حاول كريم يستعيد السيطرة على الموقف، فقال:
«طيب، والعربية؟ العربية بتاعتي، وأنا اللي كنت بستعملها طول الوقت!»

رد الأستاذ حسام:
«العربية كمان مسجلة باسم الشركة، وده موضوع مستقل هنراجعه وفقًا للمستندات».

وش كريم اتغير تمامًا.

كان فاكر إنه هييجي في لحظة واحدة، ويفرض نفسه على المكان، وياخد اللي هو عايزه.

لكنه اكتشف إن كل خطوة كان بيعتبرها مضمونة محتاجة سند قانوني ما كانش معاه.

***

في نفس الوقت، كنت قاعدة في مكتبي، بتابع مع المحامي الإجراءات من غير ما أروح للمكان.

رن موبايلي، وكان كريم هو المتصل.

المرة دي، رديت.

قال بصوت غاضب:
«إنتِ عملتي إيه؟! إنتِ بعتّي محامي يطردني من بيتي قدام نور والناس؟!»

رديت بهدوء:
«أنا ما طلبتش من حد يطردك. أنا طلبت إن كل حاجة تتم وفقًا للقانون والمستندات».

صرخ:
«إنتِ عارفة كويس إن البيت ده كان بيتنا!»

قلت:
«كان بيتنا اللي عشنا فيه، لكن ده مش معناه إن ملكيته انتقلت ليك. وإنت عارف إن البيت والعربية اتدفع تمنهم من خلال شركتي».

سكت لحظات، وبعدها قال:
«طيب، والفلوس اللي كنتِ بتبعتيها لأهلي؟ دي كانت بموافقتك، ومش من حقك ترجعي فيها!»

قلت:
«المساعدات اللي قدمتها كانت لغرض واضح. دلوقتي فيه تحويلات محتاجة تفسير، وأنا طلبت مراجعتها. لو كل حاجة سليمة، المستندات هتوضح ده».

حاول يغير نبرة صوته.

«ليلى، إحنا كنا متجوزين خمس سنين. معقول هتعملي فيا كده؟»

الجملة دي كانت كفيلة زمان إنها تخليني أتراجع، وأفكر في كل اللحظات الحلوة اللي عشناها.

لكن المرة دي، افتكرت إنه هو اللي اختار يطردني، وهو اللي طالبني أسيب له البيت والعربية، وهو اللي اعتبر إن من حقي أخرج من حياته لكن مش من حقي أوقف الإنفاق على أسرته.

قلت له:
«أنا ما عملتش فيك حاجة غير إني وقفت أتنازل عن حقوقي. إنت اللي اخترت تنهي الجوازة، وأنا هحترم قرارك. لكن مش هقبل إنك تستخدم الطلاق علشان تاخد ممتلكات مش ملكك».

وبعدها قفلت المكالمة.

كنت حاسة إن دي أول مرة أتكلم فيها من غير ما أخاف من رد فعله.

***

بعد المكالمة بوقت قصير، اتصل بيا الأستاذ حسام.

قال:
«يا ليلى، فيه تطور جديد بخصوص التحويلات. ظهرت مستندات إضافية بتوضح إن جزءًا من المبالغ اللي اتبعتت تحت بند المساعدة العائلية اتصرف بطريقة مختلفة عن الغرض المعلن. ولسه بنراجع المسؤولية عن كل عملية».

سألته:
«هل عرفنا مين كان مسؤول عن ده؟»

رد:
«لسه التحقيق مستمر، لكن فيه اسم بيتكرر في أكتر من مستند، وهنحتاج نتحقق من علاقته بالتحويلات».

سألته عن الاسم.

ولما قاله، حسيت إن الدنيا وقفت للحظة.

كان اسم شخص قريب جدًا من كريم، شخص كنت بثق فيه، وكنت بعتبره واحدًا من أفراد العائلة اللي بحاول أساعدهم.

قلت بصوت منخفض:
«إنت متأكد من الاسم؟»

رد:
«الاسم موجود في المستندات، لكن وجوده وحده مش دليل على المسؤولية. إحنا لازم نتأكد من باقي التفاصيل».

قفلت المكالمة، وفضلت أفكر.

لو الاسم ده مرتبط فعلًا بالتحويلات، فده معناه إن الحقيقة ممكن تكون مختلفة تمامًا عن اللي كنت متخيلاه.

وفي اللحظة دي، وصلتني رسالة من رقم غير مسجل عندي.

كانت قصيرة جدًا:

«لو عايزة تعرفي كريم وأهله كانوا بيعملوا إيه بالفلوس، ما تكتفيش بالكشوف البنكية. فيه مستند مهم مخبّيينه عنك من سنين».

قرأت الرسالة مرة، وبعدها رجعت قرأتها تاني.

حاولت أتصل بالرقم، لكنه كان مغلقًا.

بعت الرسالة للأستاذ حسام، وطلبت منه يتعامل معاها بحذر، ويتحقق من أي معلومات جديدة من خلال الطرق القانونية.

كنت عارفة إن الرسالة ممكن تكون محاولة للتلاعب بيا، لكن ما قدرتش أتجاهل احتمال إنها تحمل معلومة مهمة.

وفي نفس اللحظة، رن جرس هاتفي مرة تانية.

كان كريم.

المرة دي، صوته ما كانش غاضبًا زي الأول.

كان مرتبكًا.

قال:
«ليلى، إحنا لازم نتكلم. فيه حاجات إنتِ فاهمها غلط، وأنا أقدر أوضح لك كل حاجة».

سألته:
«إيه اللي اتغير يا كريم؟»

سكت قليلًا، ثم قال:
«أنا عايز أقابلك. لو سمحتي، اديني فرصة أشرح لك الحقيقة».

بصيت قدامي، وافتكرت كل مرة كان بيطلب مني أصدقه من غير ما يسند كلامه بأي دليل.

قلت له:
«لو عندك مستندات أو معلومات، ابعتها للمحامي. أي حاجة تانية ممكن تتقال بعد كده».

رد بسرعة:
«الموضوع مش بالبساطة دي. فيه حد من عيلتي دخل في الموضوع، وأنا ما كنتش أعرف كل حاجة».

الجملة دي خلتني أركز.

سألته:
«مين من عيلتك؟ وإيه اللي ما كنتش تعرفه؟»

لكنه ما ردش مباشرة.

قال فقط:
«هتفهمي كل حاجة قريب».

وبعدها قفل الخط.

فضلت باصة للموبايل، وأنا حاسة إن الدائرة بدأت تضيق حوالين سر محدش كان عايزني أوصله.

كريم رجع البيت علشان يسترده، لكنه خرج من المواجهة من غير ما يحقق اللي كان عايزه.

وأنا بدأت أكتشف إن قصة الخيانة والطلاق كانت مجرد الجزء الظاهر من حكاية أكبر.

لكن السؤال اللي كان بيطاردني دلوقتي ما بقاش عن البيت أو العربية أو حتى الفلوس.

**السؤال الحقيقي كان: مين الشخص اللي كان بيساعد كريم في إخفاء الحقيقة عني طوال السنين دي؟**

والإجابة كانت أقرب مما تخيلت…

لأن في صباح اليوم التالي، وصلني ملف مجهول المصدر، جواه مستند واحد، كان كفيل إنه يغيّر كل اللي كنت فاهمـاه عن عيلة كريم.

**والاسم المكتوب في آخر المستند كان اسم شخص ما كنتش أتخيل أبدًا إنه ممكن يكون طرفًا في الحكاية!**
يتبع الجزء الاخير
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى