
فضلت ماسكة الموبايل بعد المكالمة، وبفكر في كلام الست اللي اتصلت بيا.
رسالة من أحمد قبل الحادثة بساعات؟ وشاهدة كانت موجودة في البيت وشافت حاجة محدش حكاها؟
كنت عارفة إن أي معلومة جديدة لازم أتعامل معاها بهدوء، خصوصًا إن ليلى كانت لسه بتتعالج، وآخر حاجة محتاجاها إنها تشوف الكبار بيتخانقوا قدامها.
اتصلت بالرقم مرة تانية، والست ردت بعد رنتين.
قالت:
— أنا اسمي هالة، بنت خالة أحمد. كنت موجودة عندهم يوم الحادثة، لكن مشيت قبل ما توصلي بدقايق.
سألتها:
— إنتِ تعرفي إيه عن الرسالة اللي اتبعتت قبل الحادثة؟
اتنهدت، وقالت:
— أحمد بعت رسالة على مجموعة العيلة الصبح، وكان بيطلب من الكل يتعاملوا مع ليلى بطريقة معينة. أنا وقتها افتكرت إنه مجرد خلاف عادي بينه وبينك، لكن بعد اللي حصل، فهمت إن الموضوع أخطر من كده.
طلبت منها تبعت الرسالة الأصلية، لو كانت لسه موجودة، وإنها تحتفظ بأي دليل من غير ما تعدل فيه أو تنشره.
بعد حوالي عشر دقايق، وصلتني صورة للرسالة.
فتحتها، وبدأت أقرأ.
كان أحمد كاتب:
«يا جماعة، أنا مش عايز مشاكل النهارده. ليلى لازم تتعود على إنها تقعد معانا من غير ما تطلب أمها كل شوية. محدش يتصل بمريم إلا لو فيه ضرورة، ولو حصل أي خلاف، خلونا نتعامل معاه جوه البيت بدل ما الموضوع يكبر».
الرسالة ما كانتش دليلًا على إنه خطط لإصابة بنته، لكنها وضحت إن فيه محاولة لفرض قواعد على ليلى، وإنه كان عايز الخلافات تفضل بعيد عني.
أما هالة، فكانت عندها معلومة تانية.
قالت:
— قبل ما أمشي، سمعت سامح بيتكلم مع أحمد عن إن ليلى لازم تبطل العياط، وإنهم مش هيستحملوا إنها تفضل متعلقة بيكي. أحمد ما اعترضش بالطريقة اللي كنت أتوقعها منه. بالعكس، قال لهم إنهم لازم يخلّوا الأمور تمشي زي ما هو عايز.
سألتها:
— وإنتِ ليه ما اتكلمتيش وقتها؟
ردت بصوت مليان ندم:
— خفت أدخل نفسي في مشاكل العيلة. قلت يمكن الموضوع يعدي، ويمكن أحمد يعرف يتصرف. لكن لما عرفت إن ليلى اتصابت، حسيت إني لو فضلت ساكتة هكون بساعدهم يخفوا الحقيقة.
شكرتها وطلبت منها تتعاون مع الجهات المختصة لو احتاجوا شهادتها.
بعد المكالمة، رجعت أبص على بنتي.
كانت نايمة، ووشها لسه متورم، لكن تنفسها بقى أهدى بعد ما الفريق الطبي اطمأن على حالتها.
قعدت جنبها، وقلت لنفسي إن اللي حصل مش هيتحول لمعركة انتقام، وإن كل خطوة لازم تكون لمصلحة ليلى أولًا.
في اليوم التالي، بدأت الأمور تتحرك بشكل رسمي.
تم جمع أقوال الموجودين في البيت، وفحص التسجيلات الأصلية، ومراجعة التقارير الطبية. وكل شخص كان عليه إنه يوضح دوره في اللي حصل، من غير ما نعتمد على كلام متداول أو اتهامات من غير دليل.
كريم قدم التسجيلات اللي عنده، وهالة وافقت إنها تدلي بشهادتها عن الكلام اللي سمعته بنفسها.
أما أنا، فطلبت من محاميّ يراجع ترتيبات الرعاية والزيارات، ويقدم طلبًا عاجلًا لمراجعتها في ضوء إصابة ليلى والخوف اللي عبّرت عنه.
ما كنتش عايزة أمنع أبوها من حياتها لمجرد إني غاضبة منه، لكن ما كنتش مستعدة كمان أرجع الأمور زي ما كانت وكأن مفيش حاجة حصلت.
بعد أيام، خرجت ليلى من المستشفى، ورجعت معايا البيت عشان تكمل علاجها وتستريح.
في أول ليلة، صحيت على صوتها وهي بتناديني.
دخلت غرفتها بسرعة، ولقيتها قاعدة على السرير، وعينيها مليانة دموع.
قالت:
— ماما، أنا حلمت إني رجعت بيت بابا، وعمي كان بيزعق لي تاني.
قعدت جنبها، وحضنتها بحرص.
— إنتِ في أمان يا حبيبتي. ولو فيه أي حاجة مخوفاكي، تقدري تحكي لي. مش هتتعاقبي عشان قولتي الحقيقة.
سكتت شوية، وبعدها سألتني:
— هو أنا ممكن أشوف بابا تاني؟
السؤال ده كان أصعب من أي سؤال تاني.
ما كنتش عايزة أزرع الكراهية في قلبها، وفي نفس الوقت ما كنتش هتجاهل خوفها.
قلت لها:
— علاقتك ببابا موضوع هنرتبه بطريقة تحافظ على سلامتك. إنتِ مش مسؤولة عن مشاكل الكبار، ومش مطلوب منك تختاري بيني وبينه.
بصت لي، وبعدها نامت وهي ماسكة إيدي.
في اللحظة دي، فهمت إن حماية بنتي مش معناها إني أكسب قضية وخلاص؛ معناها كمان إني أساعدها ترجع تثق في نفسها، وتفهم إن مشاعرها مهمة، وإن محدش له حق يخليها تخاف من الكلام.
بعد أسبوعين، انعقدت جلسة لمراجعة ترتيبات الزيارة والرعاية.
حضر أحمد مع محاميه، وحضرت أنا مع محاميّ، وتم عرض التقارير الطبية والتسجيلات والشهادات المتاحة.
المحكمة ما اكتفتش باتهامات أي طرف، وطلبت استكمال الإجراءات اللازمة لتقييم الظروف المحيطة بالطفلة، بما في ذلك حالتها النفسية ومدى شعورها بالأمان خلال الزيارات.
وخلال الجلسة، أحمد حاول يوضح موقفه.
قال إنه ما كانش عايز بنتنا تتأذى، وإنه كان بيعتقد إن الشدة هتخليها تتأقلم مع وجودها في بيته.
لكن لما اتسأل عن سبب رفضه نقلها للمستشفى فورًا، ما قدرش يقدم تفسيرًا مقنعًا يبرر تأخير طلب المساعدة.
أما سامح، فواجه أسئلة مباشرة عن تصرفه وقت الحادثة، وتم التعامل مع الواقعة وفقًا للأدلة والإجراءات القانونية.
وفي نهاية الجلسة، صدر قرار مؤقت بمراجعة ترتيبات الزيارة، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحماية ليلى إلى أن تنتهي التقييمات والإجراءات المطلوبة.
ما كانش القرار نهاية القضية، لكنه كان بداية لتغيير حقيقي.
لأول مرة، بقى فيه جهة مستقلة بتسمع كلام ليلى وبتتعامل مع خوفها بجدية، بدل ما يعتبره الكبار مجرد دلع أو عناد.
بعد الجلسة، أحمد قرب مني في الممر.
كان شكله مرهقًا، وقال:
— أنا ما كنتش متخيل إن الموضوع هيوصل لكده.
بصيت له وقلت:
— المشكلة مش إن الموضوع وصل للمحكمة يا أحمد. المشكلة إن بنتك كانت بتتألم، وإنت كنت شايف إن إخفاء اللي حصل أهم من إنك تطلب لها المساعدة.
نزل عينيه للأرض.
بعد لحظات، قال:
— أنا غلطت لما سكتّ. وغلطت لما سمحت لسامح يتعامل معاها بالشكل ده.
ما رديتش فورًا.
كنت محتاجة أشوف تغيير حقيقي في تصرفاته، مش مجرد اعتذار اتقال بعد ما التسجيلات ظهرت.
قلت له:
— لو عايز تصلح علاقتك ببنتك، لازم تبدأ بأنك تسمعها وتحترم خوفها، وتقبل إن حمايتها أهم من صورتك قدام الناس.
هز رأسه، ومشي من غير ما يقول حاجة تانية.
مرت شهور، وبدأت ليلى تستعيد جزءًا من ثقتها بنفسها.
كانت بتروح جلسات دعم نفسي مناسبة لسنها، وبتتعلم إنها تقدر تتكلم عن مشاعرها من غير خوف أو إحساس بالذنب.
أما علاقتها بأبوها، فتم التعامل معاها وفقًا للتقييمات والقرارات المنظمة للزيارة، مع التركيز على سلامتها واحتياجاتها النفسية.
ما طلبتش من بنتي تكره أبوها، وما قلتلهاش إنها لازم تسامحه بسرعة.
سيبت لها مساحة تفهم اللي حصل بطريقتها، وتعبّر عن مشاعرها من غير ضغط.
وفي يوم، كنا قاعدين في البلكونة بنرسم سوا، وفجأة رفعت رأسها وقالت:
— ماما، أنا دلوقتي عرفت إن لما أعيط عشان أكون زعلانة، ده مش معناه إني بنت وحشة.
بصيت لها، وحسيت إن الدموع بتتجمع في عيني.
ابتسمت وقلت:
— طبعًا يا حبيبتي. العياط مش عيب، والخوف مش عيب، وإنك تطلبي المساعدة مش عيب. المهم إنك تعرفي إنك تستاهلي الحب والأمان.




