روايات وقصص

القصة كاملة والجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

سألته:

«لو ماكنتش الأولى على الدفعة، ولو ماكنتش أخدت الجائزة دي، ولو الجامعة ماعرضتش عليّ الفرصة دي… كنت هتكلمني بنفس الطريقة دلوقتي؟»

سكت.

ماكانش عنده إجابة.

وأحيانًا، الصمت بيكون أوضح من أي اعتراف.

### اللحظة اللي كشفت حقيقة أبويا

بعد دقائق، طلب مني الدكتور سامح أرجع للقاعة عشان أشارك في التقاط الصور الرسمية مع الخريجين المتفوقين.

وقبل ما أمشي، أبويا مسك إيدي، لكن المرة دي لمسها بحذر.

قال بصوت منخفض:

«كلارا، أنا عايزك تيجي تتعشي معانا النهارده. نحتفل بيكي زي ما المفروض نحتفل.»

بصيت لإيده، وبعدها رفعت عيني لوشه.

«زي ما كان المفروض تحتفل بيا الصبح؟»

سحب إيده ببطء.

«أنا غلطت، بس إنتِ لازم تفهمي إن الظروف ساعات بتخلّي الواحد يتصرف بطريقة مش مقصودة.»

هزيت رأسي.

«اللي حصل الصبح ماكانش غلطة عابرة يا بابا. إنتَ كنت عارف إني عايزة أحضر تخرجي، وعارف إن التذكرة بتاعتي، ومع ذلك أخدتها مني. ولما حاولت أدخل، زقيتني بره.»

حاول يقاطعني، لكني كملت:

«أنا مش بطلب منك تكون مثالي، ولا حتى إنك تفهم كل حاجة بعملها. كنت بس محتاجة تحترمني، وما تقللش مني.»

وقف قدامي من غير كلام.

لأول مرة، ماحاولتش أغيّر كلامي عشان ما أزعّلوش.

ولأول مرة، ماحسّتش بالذنب لمجرد إني قلت الحقيقة.

قلت له:

«أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك على اللي حصل النهارده ولا لأ. لكن اللي أعرفه إني مش هرجع أقبل إن حد يعاملني بالطريقة دي، حتى لو كان أقرب الناس ليا.»

وبعدها استأذنته ومشيت.

سمعته بيناديني:

«كلارا، استني!»

لكن المرة دي، ماوقفتش.

### المفاجأة اللي ماكانوش مستعدين لها

رجعت للقاعة، وشاركت في الصور الرسمية، واستلمت شهادة التخرج والجائزة البحثية.

كانت أمي، قبل وفاتها بسنوات، دايمًا بتقول لي إن العلم مش مجرد شهادة بتعلقيها على الحيطة، لكنه وسيلة تخليكي قادرة تساعدي الناس وتعيشي بكرامة.

افتكرتها وأنا ماسكة شهادتي، وحسيت إنها لو كانت موجودة، كانت هتكون أسعد إنسانة في الدنيا.

وبعد انتهاء الحفل، طلب مني رئيس مجلس الأمناء إني أطلع مرة تانية على المنصة لإعلان أسماء الحاصلين على المنح البحثية.

وقبل ما أعلنوا اسمي، تحدث الدكتور سامح عن المشروع اللي اشتغلت عليه، وعن التقييم المتميز اللي حصل عليه من لجنة التحكيم.

ثم قال:

«وبناءً على نتائج التقييم، قررت الجامعة اعتماد تمويل المرحلة المقبلة من المشروع، واختيار الدكتورة كلارا هينسلي للمشاركة في قيادته البحثية تحت إشراف الفريق المختص.»

ارتفعت أصوات التصفيق مرة تانية.

وفي الصفوف الأولى، كان أبويا واقفًا، وعينيه مثبتة عليّ.

لكن المرة دي، ماكانش مجرد أب بيشاهد نجاح بنته.

كان شخصًا بدأ يدرك حجم الفرص اللي ضيّعها لما اختار يقلل منها بدل ما يشجعها.

وبينما كنت بنزل من على المسرح، سمعت أحد الضيوف يسأل أبويا:

«حضرتك والد الدكتورة كلارا؟»

رد بسرعة:

«أيوه، أنا والدها.»

ابتسم الرجل وصافحه بحرارة.

«أنت أكيد فخور بيها جدًا. واضح إنها عملت مجهود استثنائي عشان توصل للمكانة دي.»

أبويا ابتسم ابتسامة مرتبكة وقال:

«طبعًا، طبعًا. دي بنتي.»

لكن الضيف أضاف جملة بسيطة خلت ابتسامته تختفي للحظة:

«محظوظ إن عندك بنت بالطموح والإصرار ده. أهم حاجة إن الأهل يدعموا أولادهم قبل ما العالم كله يعرف قيمتهم.»

أبويا ماعرفش يرد.

أما أنا، فكنت واقفة على مسافة قريبة، وسمعت الكلام كله.

ولأول مرة، ماحسّتش إني محتاجة أدافع عن نفسي أو أشرح إنجازاتي.

الأشخاص اللي اشتغلت معاهم، والجامعة اللي درست فيها، والناس اللي شافت تعبي بنفسها، كانوا عارفين أنا مين.

وده كان كفاية.

لكن القصة ما انتهتش عند كده.

في نفس الليلة، وأنا راجعة البيت، وصلتني رسالة من أبويا.

كانت قصيرة جدًا:

«كلارا، محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم. الموضوع مش بس عن اللي حصل النهارده. فيه حاجة لازم تعرفيها عن مستقبلك، وأنا كنت مأجل الكلام فيها من فترة.»

قرأت الرسالة مرتين.

لأن نبرة كلامه كانت مختلفة، وفيها شيء ماقدرتش أحدده.

وبعد لحظات، وصلتني رسالة تانية:

«الموضوع له علاقة بوالدتك، وبحاجة سابتهالك قبل وفاتها.»

وقتها، حسيت إن كل اللي حصل في يوم التخرج ممكن يكون مجرد بداية لحكاية أكبر بكتير.

إيه الحاجة اللي سابتها أم كلارا لبنتها؟ وليه أبوها اختار يخبي عنها الموضوع لحد اليوم ده؟

يتبع في الجزء الرابع والأخير…
### الجزء الرابع والأخير: السر اللي أخفاه أبويا سنين طويلة!

فضلت باصة لرسالة أبويا على شاشة الموبايل، وأنا بحاول أفهم قصده.

«الموضوع له علاقة بوالدتك، وبحاجة سابتهالك قبل وفاتها.»

أمي ماتت وأنا عندي ستاشر سنة. ومن يومها، وأنا محتفظة بكل ذكرى صغيرة بتفكرني بيها؛ صورتها القديمة اللي كانت على مكتبي، والكتاب اللي كانت بتحبه، وحتى الرسائل القصيرة اللي كانت بتسيبها لي قبل ما أروح المدرسة.

لكن أبويا عمره ما قال لي إن أمي سابت لي حاجة مهمة.

اتصلت بيه.

رد بعد الرنة التانية، وقال بصوت متوتر:

«كلارا، أنا عارف إنك زعلانة مني بسبب اللي حصل النهارده، وعندك حق. بس محتاج أشوفك بكرة الصبح.»

سألته مباشرة:

«إيه الحاجة اللي ماما سابتهالي؟»

سكت شوية، وبعدها قال:

«مش هقدر أشرح لك في التليفون. تعالي البيت، وهتفهمي كل حاجة.»

كنت مترددة.

آخر مكان كنت عايزة أرجع له بعد اليوم الطويل ده هو البيت اللي اتعاملوا فيه معايا كأني ضيفة غير مرغوب فيها.

لكن مجرد ذكر أمي خلاني أوافق.

قلت له:

«هجيلك بكرة، بس عايزة أسمع الحقيقة كاملة.»

رد بسرعة:

«أوعدك.»

قفلت المكالمة، وقعدت على طرف السرير.

كنت فاكرة إن يوم تخرجي هيكون نهاية مرحلة صعبة من حياتي، وبداية مرحلة جديدة أعيش فيها لنفسي.

لكن يبدو إن الماضي كان لسه مخبي لي مفاجأة.

### الصندوق اللي غيّر كل حاجة

في صباح اليوم التالي، رجعت البيت.

أبويا كان مستنيني في غرفة المكتب، وقدامه صندوق خشبي صغير، لونه بني غامق، وعلى غطائه نقش قديم كنت فاكرة إني شفته قبل كده.

أول ما دخلت، قال:

«اقعدي يا كلارا.»

قعدت قدامه، وعيني ما فارقتش الصندوق.

سألته:

«ده بتاع ماما؟»

هز رأسه.

«أيوه. قبل وفاتها بفترة، ادتني الصندوق ده، وطلبت مني أسلمهولك لما تكملي تعليمك وتبقي قادرة تختاري طريقك بنفسك.»

حسيت بقلبي بيدق بسرعة.

«وليه ما اديتهوليش قبل كده؟»

نزل عينيه للأرض.

«كنت فاكر إنك لسه صغيرة، وإن الوقت المناسب لسه مجاش.»

سألته بمرارة:

«يعني عدى سنين، وأنا كبرت ودخلت كلية الطب، وإنت لسه شايف إن الوقت المناسب مجاش؟»

ما ردش.

فتح الصندوق ببطء، وطلع منه ظرف أبيض عليه اسمي بخط أمي.

أول ما شفت خطها، حسيت إن الدنيا وقفت للحظة.

مديت إيدي وخدت الظرف.

كان مكتوب عليه:

«إلى ابنتي كلارا، عندما يحين الوقت الذي تختاره فيه لنفسها.»

فتحت الرسالة، وبدأت أقرأ.

«حبيبتي كلارا،

لو إنتِ بتقرئي الرسالة دي، فده معناه إنك كبرتي، وبقيتي قادرة تاخدي قراراتك بنفسك.

أنا مش عارفة هتختاري إيه في حياتك، لكن عندي يقين إنك هتكوني إنسانة طيبة، وعندك قلب يهمه يساعد الناس.

عايزاكي تعرفي إنك مش مطالبة تثبتي قيمتك لأي حد. لا ليا، ولا لباباكي، ولا لأي شخص في الدنيا.

قيمتك موجودة من قبل ما تحققي أي نجاح، وهتفضل موجودة حتى في الأيام اللي تحسي فيها إنك مش قادرة تكملي.

ولو اخترتي الطب، أو البحث العلمي، أو أي طريق تاني، اختاريه لأنك بتحبيه، مش عشان تنتظري تصفيق الناس.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى