روايات وقصص

القصة كاملة والجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

وخليكي طموحة، لكن ما تنسيش نفسك وإنتِ بتحاولي ترضي الآخرين.

أحبك دائمًا يا ابنتي.

ماما.»

ماقدرتش أكمل من غير ما دموعي تنزل.

ضميت الرسالة لصدري، وحسيت للحظات إني رجعت طفلة صغيرة، قاعدة جنب أمي وبتسمعها وهي بتطمني إن كل حاجة هتبقى بخير.

لكن تحت الرسالة، كان فيه ظرف تاني.

فتحته، ولقيت مستندات تخص حسابًا ماليًا مخصصًا لتعليمي.

رفعت عيني لأبويا وسألته:

«إيه ده؟»

قال:

«والدتك كانت بتدخر مبلغًا من المال، وخصصته لدراستك ومستقبلك. بعد وفاتها، اتعملت الإجراءات القانونية اللازمة، واتحفظ بالمبلغ لصالحك، وفقًا للمستندات الموجودة هنا.»

فضلت أقلب الأوراق، وأحاول أفهم التفاصيل.

كان واضحًا إن أمي رتبت جزءًا من الأمور المالية قبل وفاتها، بحيث يكون عندي دعم أقدر أعتمد عليه لما أكبر.

لكن اللي وجعني مش وجود الفلوس.

اللي وجعني إن أبويا كان عارف إن أمي فكرت في مستقبلي، ومع ذلك ماحاولش يشاركني الحكاية دي طول السنين اللي فاتت.

سألته:

«هل المبلغ ده كان مخصصًا لتعليمي فعلًا؟»

رد:

«أيوه.»

«وهل استخدمت منه أي حاجة؟»

اتردد قبل ما يجاوب.

«فيه مصروفات اتدفعت وقتها، لكن لازم نراجع الحسابات والمستندات عشان نعرف التفاصيل كاملة.»

بصيت له بجدية.

«أنا مش عايزة وعود، يا بابا. عايزة كل حاجة تكون واضحة وموثقة، وعايزة أعرف حقوقي كاملة.»

هز رأسه وقال:

«عندك حق.»

ولأول مرة، ماحاولش يغيّر الموضوع، ولا يقلل من أسئلتي، ولا يقولي إني بكبر الأمور.

لكن كان لسه فيه سؤال أهم من كل الأوراق اللي قدامي.

ليه أبويا اختار يعاملني طول السنين دي كأني أقل من بنت زوجته؟

### الحقيقة اللي ماقدرتش أهرب منها

أبويا سند ضهره على الكرسي، وفضل ساكت شوية قبل ما يبدأ يتكلم.

قال:

«بعد ما اتجوزت من جديد، الأمور في البيت اتغيرت. كنت بحاول أخلي كل حاجة ماشية بهدوء، ومع الوقت بقيت أدي الأولوية لطلبات زوجتي وهايلي، وأقنع نفسي إنك هتقدري تعتمدي على نفسك.»

قاطعته:

«أنا فعلًا اعتمدت على نفسي.»

هز رأسه.

«عارف. وده اللي خلاني أراجع نفسي.»

بصيت له من غير ما أتكلم.

كمّل:

«كنت بشوفك بتشتغلي وتذاكري، وبدل ما أساعدك، بقيت أعتبر إنك مش محتاجة مني حاجة. ومع الوقت، اتعودت إنك ما تطلبيش، وما تشتكيش، وما تعترضيـش.»

قلت له:

«لأن كل مرة كنت بحاول أتكلم، كنت بحس إن مافيش حد بيسمعني.»

نزل رأسه.

«أنا غلطت يا كلارا. مش هقول إن الظروف هي السبب، ولا إنك فهمتيني غلط. أنا كنت موجود، وكان المفروض أكون أب أحسن من كده.»

كانت دي أول مرة أسمع منه اعترافًا واضحًا من غير أعذار.

لكن الاعتراف وحده ماكانش كفاية يمسح سنين من الإهمال.

قلت له:

«أنا مش عايزة منك تعتذر النهارده وبكرة نرجع لنفس المعاملة. لو إنت فعلًا عايز تصلح اللي حصل، لازم ده يظهر في تصرفاتك.»

رد بهدوء:

«هحاول.»

قلت:

«وأنا هراقب الأفعال، مش الكلام.»

وبعدها قفلت الصندوق، واحتفظت برسالة أمي في شنطتي.

كنت عارفة إن الرسالة دي هتفضل معايا طول العمر.

مش لأنها كشفت لي سرًا عن الفلوس، لكن لأنها فكرّتني بحاجة كنت محتاجة أسمعها من زمان:

إن قيمتي مش مرتبطة برضا أبويا عني.

### المواجهة الأخيرة مع زوجة أبويا

قبل ما أمشي، دخلت زوجة أبويا غرفة المكتب.

واضح إن أبويا كان حكى لها عن الصندوق، لأنها كانت متوترة بشكل ملحوظ.

قالت:

«كلارا، إحنا لازم نتكلم عن اللي حصل يوم التخرج.»

رديت:

«اتفضلي.»

بدأت كلامها بنبرة هادئة:

«أنا عارفة إنك زعلانة، لكن لازم تفهمي إن هايلي كانت متحمسة جدًا للحفل. وأنا ماكنتش عايزة أضايقها.»

سألتها:

«وعشان ما تزعليش هايلي، كان لازم أنا اللي أتحرم من يوم تخرجي؟»

اتلخبطت وقالت:

«الموضوع ماكانش يستاهل كل ده.»

رديت بثبات:

«بالنسبة لكِ، يمكن ماكانش يستاهل. لكن بالنسبة لي، ده كان يوم استنيته أربع سنين. كنت محتاجة دعمكم، مش إنكم تطردوني من المكان اللي المفروض أحتفل فيه بتعبي.»

حاولت تبرر:

«إحنا ماكناش نعرف إنك هتكوني المتحدثة الرئيسية.»

قلت:

«وده ما يغيرش حاجة. حتى لو كنت آخر واحدة على دفعتي، كان من حقي أحضر حفل تخرجي.»

سكتت.

ثم نظرت إلى أبويا، وكأنها تنتظر منه أن يتدخل وينهي الحديث.

لكنه لم يفعل.

لأول مرة، تركني أكمل كلامي من غير ما يطلب مني السكوت عشان أحافظ على هدوء البيت.

قلت لها:

«أنا مش داخلة في منافسة مع هايلي. نجاحي مش معناه إني أخدت منها حاجة، ونجاحها مش معناه إنها لازم تاخد مكاني. كل واحدة فينا مسؤولة عن حياتها.»

هايلي كانت واقفة عند باب الغرفة، وسمعت آخر جملة.

دخلت بخطوات مترددة، وقالت:

«كلارا، أنا آسفة.»

بصيت لها.

كمّلت وهي بتلعب في الموبايل اللي في إيدها:

«أنا كنت عايزة أحضر الحفل وأتصور، ومافكرتش إنتِ هتحسي بإيه. لما سمعت اسمك في القاعة، حسيت إني كنت غلطانة.»

ماكانش اعتذارها مثاليًا، لكن كان واضح إنها بدأت تفهم إن اللي حصل ماكانش مجرد خلاف على تذكرة.

قلت لها:

«أتمنى تكوني فهمتي إن محدش يقدر ياخد قيمة حد تاني لمجرد إنه أخد مكانه أو استخدم حاجته.»

هزت رأسها.

ماوعدتهاش إن كل حاجة هترجع زي الأول، لأن الحقيقة إن علاقتنا عمرها ما كانت مستقرة بالشكل اللي يسمح بده.

لكنني قررت إني مش هعيش بقية حياتي أسيرة للي حصل.

### بداية حياة جديدة

مرت الشهور التالية، وبدأت حياتي تتغير فعلًا.

انضممت إلى الفريق البحثي في الجامعة بعد استكمال الإجراءات اللازمة، وبدأت أشتغل على المرحلة الجديدة من المشروع.

كنت بروح المستشفى، وأشارك في اجتماعات البحث، وأتعلم من أطباء وباحثين عندهم خبرة كبيرة.

ولأول مرة، بقيت محاطة بناس بيقيّموني على شغلي، وبيشجعوني لما أحقق تقدمًا، وبيوجهوني لما أغلط.

ماكانش الطريق سهلًا، لكن على الأقل بقيت عارفة إن تعبي له معنى.

أما موضوع الحساب المالي اللي سابته أمي، فاستعنت بمتخصص لمراجعة المستندات والتأكد من وضوح كل التفاصيل المتعلقة بحقوقي. وقررت ماعتمدش على أي كلام شفهي، بل أخلي كل شيء موثقًا بشكل سليم.

أبويا بدأ يحاول يصلح علاقتنا.

في البداية، كان بيتصل كل أسبوع ويسألني عن شغلي.

وبعد فترة، بقى يسألني عن مشروعاتي، وعن الأبحاث اللي بشتغل عليها، وعن التحديات اللي بواجهها.

ماكانش التغيير سريعًا، وماكانش كاملًا.

لكنني بدأت ألاحظ فرقًا بين شخص بيحاول فعلًا يتعلم إزاي يكون أبًا أفضل، وشخص عايز بس يتجاوز الموقف عشان يرجع كل شيء زي ما كان.

ومع الوقت، سمحت له يقرب مني بدرجة محسوبة، من غير ما أتنازل عن حدودي.

وفي أول احتفال رسمي بالباحثين الشباب في الجامعة، وصلتني رسالة منه:

«كلارا، أنا عارف إنك وصلتي للمكان ده بمجهودك، وإن اعتذاري مش هيغيّر اللي حصل. لكني عايزك تعرفي إني فخور بيكي، حتى لو اتأخرت جدًا في إني أقولها.»

قرأت الرسالة أكثر من مرة.

زمان، كنت ممكن أعتبر الكلمات دي أعظم هدية في الدنيا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى