روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية الجزء الثاني بقلم محمد عبده

— وقّعت على طلب إداري، لكن فؤاد قال لي إنه مجرد طلب لمراجعة الصلاحيات. ماعرفش إذا كان فيه أوراق تانية اتقدمت باسمي.

المحامي دوّن أقوالها، وأوضح لها إن كل ما قالته لازم يتم التحقق منه، وإن مسؤوليتها القانونية هتتحدد بناءً على الأدلة، مش على ادعاءاتها وحدها.

أما أنا، فكنت غارقة في سؤال واحد.

إذا كان فؤاد هو اللي رتّب لكل ده، فإيه اللي كان عايز يوصله بالضبط؟

### السر اللي حاولوا يدفنوه

بعد يومين، بدأت تتضح بعض التفاصيل من التحقيقات.

تبيّن إن فؤاد كان بيحاول يستعيد نفوذه داخل شركات العيلة، وإنه كان عنده نزاع قديم متعلق بإدارة بعض الأصول.

كما ظهرت مستندات تشير إلى محاولات لتغيير صلاحيات إدارية، لكن صحة التوقيعات ومصدر بعض الأوراق كانا لا يزالان قيد الفحص.

أما المشد، فقد خضع لفحص فني متخصص.

وبحسب المعلومات الأولية التي وصلت إلى المحامي، كانت القطعة المعدنية التي أُزيلت أثناء العملية غير متوافقة مع الوصف المتوقع للدعامات الأصلية للمشد، وكانت هناك آثار لتعديل حديث في أحد أجزائه.

لكن الخبراء لم يعتمدوا على الشكل أو الصوت وحدهما، بل احتاجوا إلى مقارنة القطعة بمواد أخرى وفحص آثار الأدوات المستخدمة في التعديل.

وفي الوقت نفسه، راجعت الجهات المختصة تسجيلات الكاميرات وبيانات الدخول إلى مكتب الشركة، وبدأت تقارنها بأقوال الأشخاص اللي كان عندهم وصول للمشد والملفات.

ثم ظهرت معلومة مهمة.

الموظف اللي دخل مكتب الشركة قبل الفرح بيومين أكد إنه تلقى تعليمات من فؤاد، لكنه لم يكن قادرًا على إثبات أن التعليمات تضمنت تزويرًا أو إخفاء مستندات.

وعندما واجهت جهات التحقيق فؤاد بالتفاصيل، أنكر علاقته بإصابة سلمى، وقال إنه كان يحاول فقط حل النزاع الإداري داخل العيلة.

لكن الإنكار وحده لم يكن كافيًا لإغلاق القضية.

استمرت مراجعة الأدلة، وأُخذت أقوال داليا، وفُحصت المستندات، وتتبعت الجهات المختصة الاتصالات والوقائع التي سبقت الحادث.

وبعد عدة أيام، واجه فؤاد أسئلة عن اتصالاته بداليا، وعن سبب وجوده قرب الفيلا قبل الفرح، وعن علاقته بطلبات تعديل إدارة الممتلكات.

في البداية، حاول يقدّم تفسيرات مختلفة.

لكن مع ظهور تناقضات بين أقواله وبعض البيانات المسجلة، أصبح موقفه أصعب.

وفي النهاية، اتخذت الجهات المختصة الإجراءات القانونية اللازمة بحقه، بينما استمر التحقيق في تحديد دور كل شخص بصورة مستقلة.

لم تكن الحقيقة مجرد خلاف عائلي على الميراث، بل احتمال استغلال خلاف قديم لإيذاء إنسانة وإبعادها عن قرار مهم داخل العائلة.

لكن بقيت نقطة واحدة تشغلني.

هل داليا كانت ضحية لخداع فؤاد، أم أنها عرفت أكثر مما اعترفت به؟

### الاعتراف الأخير

بعد أسابيع من العلاج، سمح لي الأطباء باستقبال داليا مرة أخرى.

هذه المرة، دخلت الغرفة من غير ما تحاول تبرر أي شيء.

وقفت أمامي، وقالت:

— أنا مش جاية أطلب منك تسامحيني.

بصيت لها من غير رد.

كملت:

— أنا عارفة إن الاعتذار مش هيرجع لك اللي حصل. وعارفة إنك ممكن ماتقدريش تسامحيني طول عمرك. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.

قعدت على الكرسي، وبدأت تحكي.

قبل فرحي بأيام، كانت قد سمعت فؤاد بيتكلم في مكالمة عن «إبعاد سلمى عن الصورة»، لكنها لم تسأله عن قصده.

قالت إنها تخيلت أنه يقصد إبعادي عن إدارة الشركات، وليس تعريض حياتي للخطر.

وأضافت أنها عندما رأتني على الأرض يوم الحادث، فهمت أن الأمر أخطر مما توقعت، لكنها خافت من الاعتراف بما فعلته في تجهيز المشد، فاختارت الكذب.

سألتها:

— يعني كنتِ شاكّة إن فيه حاجة غلط؟

نزلت عينيها للأرض.

— أيوه. كان عندي شك، لكني أقنعت نفسي إني مش مسؤولة عن اللي هيحصل. كنت عايزة أصدق إن فؤاد هيساعدني أستعيد حقي.

الكلمات دي وجعتني أكتر من أي شيء.

لأنها أكدت لي إن الخطر لم يكن مجرد حادث عابر في نظرها.

كانت هناك علامات جعلتها تشك، ومع ذلك استمرت في المساعدة، ثم اختارت إخفاء الحقيقة.

قلت لها:

— داليا، إنتِ ماكنتيش محتاجة تأذيني عشان تثبتي إنك تستحقي مكانك في العيلة. كان ممكن تتكلمي معايا، أو تعترضي على قرار بابا، أو حتى ترفضي مساعدتي يوم الفرح.

بدأت تبكي.

— عارفة.

— لكنك اخترتي تصدقي شخصًا وعدك بالسلطة، بدل ما تصدقي أختك.

ما ردتش.

ولأول مرة من سنين، ماحاولتش تدافع عن نفسها.

قبل ما تمشي، قالت:

— أنا مستعدة أقول كل اللي أعرفه للجهات المختصة، حتى لو ده هيخليني أتحمل مسؤولية اللي عملته.

قلت لها:

— ده أقل شيء تقدري تعمليه دلوقتي. أما التسامح، فمش قرار أقدر آخده في يوم وليلة.

هزت رأسها، وخرجت من الغرفة.

راقبت الباب بعد ما اتقفل، وشعرت بمزيج غريب من الحزن والراحة.

الحزن لأن أختي اختارت طريقًا كان ممكن يدمّر حياتي.

والراحة لأنني أخيرًا بدأت أعرف الحقيقة، بدل ما أعيش أسيرة للأسئلة.

### هل سأمشي مرة أخرى؟

مرت شهور طويلة.

العلاج الطبيعي كان أصعب مما تخيلت. كانت هناك أيام أقدر فيها أحرك رجليّ بشكل أفضل، وأيام أخرى أشعر فيها أنني عدت إلى نقطة البداية.

لكنني لم أستسلم.

أحمد كان يحضر جلسات العلاج كلما استطاع، ويقف بجانبي وأنا أحاول الوقوف بمساعدة الأخصائي.

وفي إحدى الجلسات، بعد محاولات كثيرة، استطعت أن أرفع جسمي وأقف لثوانٍ قليلة بمساعدة أدوات الدعم.

بصيت لأحمد، وكانت دموعي بتنزل.

— شفتني؟

ابتسم، وعينيه امتلأت بالدموع.

— شفتك يا سلمى. وإنتِ هتفضلي تحاولي، خطوة بخطوة.

ماكانش الطبيب يقدر يضمن لي التعافي الكامل، لكن تلك الثواني كانت بالنسبة لي بداية جديدة.

وبعد فترة، بدأت أتحرك بمساعدة وسائل الدعم، ثم تحسنت قدرتي على الوقوف والمشي لمسافات قصيرة تحت إشراف فريق العلاج.

أما القضية، فقد استمرت إجراءاتها القانونية، وخضع كل شخص للتحقيق وفق الأدلة المتاحة، ولم أسمح لنفسي بأن أعتبر أي اتهام حكمًا نهائيًا قبل صدور قرار قانوني.

والدي، من ناحيته، راجع نظام إدارة الممتلكات بالكامل، وطلب تدقيقًا مستقلًا للمستندات والصلاحيات، حتى لا يستطيع أحد استغلال خلافات العيلة مرة أخرى.

وأما داليا، فقد اضطرت لمواجهة نتائج اختياراتها، وبدأت تتعاون مع التحقيق، لكن علاقتنا لم تعد كما كانت.

لم أعد أثق فيها بسهولة، ولم أعد أعتبر القرابة وحدها دليلًا على الأمان.

### يوم زفافي الحقيقي

بعد مرور عام، قررت أن أحتفل بزواجي من أحمد في حفل صغير، بعد ما كنا قد أجّلنا مراسم الفرح بسبب الحادث.

لم أرد فستانًا ضخمًا، ولا مشدًا موروثًا، ولا مظاهر فخامة تفرضها العائلة.

اخترت فستانًا بسيطًا، ووقفت أمام المرآة وأنا أتأمل نفسي.

آثار التجربة كانت لا تزال موجودة، وبعض الحركات كانت تحتاج مني مجهودًا إضافيًا، لكنني كنت هنا، أتنفس، وأضحك، وأستعد لبداية جديدة.

دخل أحمد الغرفة، ومد إيده لي.

— جاهزة يا عروستي؟

ابتسمت.

— المرة دي، جاهزة فعلًا.

وقبل ما نخرج، دخل والدي.

كان يحمل صندوقًا صغيرًا، ووضعه أمامي.

فتحته، فوجدت المشد القديم، بعد أن أعيد إليّ عقب انتهاء الإجراءات المتعلقة بحفظه وفحصه.

بصيت له طويلًا.

قال والدي:

— مش لازم تحتفظي بيه لو مش عايزة. أنا جايبه لك عشان يكون القرار قرارك.

لمست حبات اللؤلؤ بأطراف أصابعي، ثم أغلقت الصندوق.

— هحتفظ بيه، لكن مش هلبسه تاني. هفتكره كدرس، مش كرمز للعيلة.

والدي هز رأسه، وضمني إليه.

وفي اللحظة دي، فهمت إن النجاة مش معناها إنك تنسى كل اللي حصل.

النجاة معناها إنك تتعلم إزاي تعيش من غير ما تسمح للماضي يتحكم في مستقبلك.

أما داليا، فلم أحذفها من حياتي تمامًا، لكنني وضعت حدودًا واضحة بيننا. تركت لها فرصة تثبت صدقها بأفعالها، لا بكلماتها، من غير ما أتنازل عن حقي أو أضغط على نفسي لكي أسامح قبل أن أكون مستعدة.

وفؤاد؟ تركت أمره للقانون، وللأدلة التي تستطيع وحدها أن تحدد مسؤوليته.

وفي يوم زفافي، وأنا أمشي بجوار أحمد، تذكرت الصوت المعدني الحاد الذي سمعته قبل عام.

الصوت الذي كشف لي أن هناك شيئًا غير طبيعي.

وقتها، كنت أعتقد أن حياتي انتهت على أرض غرفة الملابس.

لكنني اكتشفت أن النهاية الحقيقية كانت نهاية الوهم الذي عشت فيه سنوات، حين ظننت أن كل شخص يحمل اسم العائلة يستحق ثقتي.

لم أستعد حياتي لأنني انتقمت من أختي، بل لأنني رفضت أن أسمح لما فعلته بأن يحدد من أكون.

وفي النهاية، أدركت أن أغلى ميراث يمكن أن تتركه العائلة لأبنائها ليس المال، ولا العقارات، ولا المجوهرات القديمة.

إنه الصدق، والأمانة، والقدرة على الاعتراف بالخطأ قبل أن يتحول إلى كارثة.

أما أنا، فقد اخترت أن أبدأ من جديد.

هذه المرة، من غير أسرار، ومن غير خوف، ومن غير أن أسمح لأي شخص أن يشد الأربطة حول حياتي حتى أكاد أختنق.

تمت النهاية.

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى