
«من المدخرات اللي عندنا.»
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة، وقلت:
«يعني إحنا مش بس هنستضيف ولادها من غير اتفاق، ده إحنا كمان هنصرف على سكنها، ونسدد ديونها، وكل ده من غير ما أعرف؟»
أحمد حاول يقرب مني، لكني رجعت خطوة لورا.
«أنا مش ضد إنك تساعد أختك. لكن فيه فرق بين إنك تساعدها من فلوسك الخاصة، وبين إنك تستخدم مدخراتنا المشتركة وتقرر نيابة عني.»
سكت، وبعدها قال:
«أنا فاهم.»
لكن الحقيقة إنني مكنتش متأكدة إنه فاهم فعلًا حجم اللي عمله.
في المساء، قررت أتكلم مع نهى وجهًا لوجه.
طلبت منها تقعد معايا في الصالة بعد ما الأطفال يدخلوا أوضتهم.
كانت باين عليها علامات الإرهاق، وعينيها كانت حمرا من كتر العياط.
قلت لها:
«أنا عايزة أقول لك حاجة، وأتمنى تسمعيني للآخر.»
هزت راسها.
«أنا مش همنعك من السفر، ومش هقف في طريق شغلك. بالعكس، أتمنى تلاقي فرصة أحسن وتقدري تعتمدي على نفسك. لكن اللي حصل مش مقبول.»
نهى نزلت عينيها.
كملت:
«إنتِ طلبتي المساعدة، وإحنا فتحنا لك بيتنا. لكن بعد كده، بقيتي بتخططي إن ولادك يقعدوا عندنا شهور، واتفقتي مع أحمد على الفلوس والسكن، من غير ما حد فيكم يرجع لي.»
قالت بصوت ضعيف:
«أنا عارفة إني غلطت.»
سألتها:
«طيب، لو أنا كنت مكانك، وقررت أسيب يوسف عندك فترة طويلة من غير ما أأسألك، كنتِ هتوافقي؟»
مردتش.
قلت لها:
«أنا مش عايزاكي تحسي إنك لوحدك، لكن المساعدة لازم تكون باتفاق واضح، مش بفرض الأمر الواقع.»
نهى مسحت دموعها وقالت:
«أنا كنت خايفة لو طلبت منك بشكل مباشر ترفضي. وعشان كده خليت أحمد يتكلم معاكي.»
بصيت لها بعدم تصديق.
«يعني إنتِ كنتِ عارفة إنك بتضغطي عليّ من خلال جوزي؟»
قالت بسرعة:
«مكنتش أقصد أضغط عليكي، والله. أنا كنت مرعوبة من فكرة إني أخسر الشغل، وأسيب ولادي من غير مكان مستقر.»
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات صغيرة في الممر.
كانت روبي واقفة عند باب الصالة، وحاضنة دبدوبها.
أول ما شافت أمها، سألتها:
«ماما، إنتِ هتسافرِي فعلًا؟»
نهى قامت بسرعة وراحت ناحيتها.
«تعالي يا حبيبتي.»
روبي حضنتها بقوة، وبعدها قالت:
«طب إحنا هنشوفك إمتى؟»
نهى مكنتش قادرة ترد.
والمنظر ده خلاني أحس إن الأطفال هما أكتر ناس بيدفعوا تمن قرارات الكبار.
قربت منهم وقلت:
«يا روبي، إنتِ وفين مش هتكونوا لوحدكم. إحنا هنرتب كل حاجة مع ماما، وهنشوف إيه الأفضل ليكم.»
لكن روبي رفعت وشها وبصت لي بجدية غريبة بالنسبة لطفلة عندها تسع سنين.
وقالت:
«أنا مش خايفة من المدرسة ولا من البيت الجديد يا طنط مي. أنا خايفة إن ماما تزعل وتبعد عننا لو إحنا طلبنا منها تفضل.»
نهى انفجرت في العياط، وحضنت بنتها.
أما أنا، فحسيت إن الكلام كله عن الفلوس والسفر والمشاكل نسي أهم حاجة: إن فيه طفلين محتاجين يحسوا بالأمان، ومش ذنبهم إن الكبار مش عارفين يرتبوا حياتهم.
تاني يوم الصبح، أحمد اقترح إننا نقابل شريف، الشخص اللي نهى كانت بتتكلم عنه.
في البداية رفضت، وقلت له إن أي خلاف مالي لازم يتعالج بشكل واضح ورسمي، وإن مش من الحكمة ندخل في مواجهة من غير ما نعرف حقوق كل طرف.
لكن أحمد قال إن شريف طلب مقابلة قصيرة عشان يشرح موقفه، وإنه مستعد يجيب المستندات الخاصة بالمبالغ اللي بيطالب بيها.
وافقت بشرط إن المقابلة تكون في مكان عام، وإننا منلتزمش بأي دفع أو اتفاق جديد قبل ما نراجع المستندات ونتأكد من التفاصيل.
اتقابلنا في مكتب إداري قريب من وسط البلد.
شريف كان راجل في أواخر التلاتينات، هادي في كلامه، ومعاه ملف مليان أوراق.
بدأ يتكلم عن المشروع، والمبالغ اللي دفعها، والخلاف اللي حصل بينه وبين نهى.
كان بيقول إن نهى وافقت تتحمل جزءًا من الالتزامات المالية، وإنه حاول يتواصل معاها أكتر من مرة عشان يوصلوا لتسوية.
نهى كانت بتعترض على بعض التفاصيل، وأحمد كان بيحاول يهدّي الطرفين.
أنا فضلت ساكتة لحد ما شريف فتح الملف وطلع ورقة، وبعدها بص لي مباشرة.
قال:
«أنا فاهم إن حضرتك مش طرف في المشروع، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما الموضوع يكبر.»
سألته:
«إيه هي؟»
حط الورقة قدامي.
كانت صورة من اتفاق مالي بين نهى وشريف، وفيه توقيعات وتفاصيل عن المبالغ محل الخلاف.
لكن اللي لفت نظري مش المبلغ المكتوب.
كان فيه بند في آخر الصفحة، بيتكلم عن تحويل مبلغ مالي من حساب أحمد لتسوية جزء من الالتزامات.
بصيت لأحمد.
«إنت كنت عارف إن التحويل ده هيتذكر في الاتفاق؟»
هز راسه ببطء.
«أيوه.»
رجعت أبص للورقة، وبعدها سألت شريف:
«طيب، إنت قلت إن فيه حاجة لازم أعرفها. إيه هي؟»
شريف اتردد لحظة، وبعدها قال:
«لأن التحويل اللي حصل من حساب زوجك مش هو السبب الوحيد اللي خلاني أطلب مقابلتكم. فيه مستند تاني وصل لي من يومين، وبيشير إلى إن فيه اتفاق جديد بيتجهز باسم أحمد.»
بصيت لجوزي.
وشه شحب تمامًا.
سألته:
«اتفاق إيه يا أحمد؟»
لكنه ماردش.
شريف فتح الملف مرة تانية، وطلع مستندًا مختلفًا، وحطه على الترابيزة.
وقال:
«أنا مش عايز أظلم حد، لكن لازم أتأكد من صحة الورقة دي قبل ما أتصرف بناءً عليها.»
قربت المستند مني.
وفي اللحظة اللي قرأت فيها السطر الأول، حسيت إن كل حاجة حواليا وقفت.
المستند كان بيتكلم عن قرض جديد، وضمان مالي مرتبط بمدخراتنا المشتركة!
رفعت عيني لأحمد، وقلت صوت بالكاد طلع مني:
«إنت مضيت على حاجة زي دي من غير ما أعرف؟»
أحمد فضل ساكت.
وشريف بص له وقال:
«أنا محتاج إجابة واضحة، لأن لو المستند ده صحيح، فالموضوع أكبر من مجرد خلاف بين شركاء سابقين.»
أما أنا، فكنت مستنية أحمد يتكلم، لكن اللي قاله بعدها كان أكبر مفاجأة.
«مي… أنا أقدر أشرح لك كل حاجة، بس لازم تسمعيني قبل ما تحكمي عليّ. لأن التوقيع اللي على الورقة محتاج توضيح.»
الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي قلبت حياتنا كلها!
بصيت لأحمد وأنا حاسة إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
كنت فاكرة إن أسوأ حاجة اكتشفتها هي إنه استخدم فلوسنا لمساعدة أخته من غير ما يرجع لي، لكن الورقة اللي قدامي كانت بتقول إن الموضوع أكبر بكتير.
قلت له بصوت مرتعش:
«أنا مش هحكم عليك من غير ما أسمعك، لكن مش هقبل إنك تخبي عني حاجة تانية. اتكلم يا أحمد، إيه حكاية القرض ده؟»
أحمد بص لشريف، وبعدها رجع بص لي.
«أنا مكنتش ناوي آخد قرض لنفسي يا مي. أنا كنت بحاول أساعد نهى تخرج من الأزمة اللي هي فيها.»
رديت عليه بحدة:
«بس الورقة مكتوب فيها إن فيه ضمان مالي مرتبط بمدخراتنا! إنت فاهم معنى كده؟ دي فلوسنا إحنا الاتنين!»
شريف تدخل بهدوء:
«خلينا نفصل بين الكلام والورق. المستند اللي قدامي محتاج مراجعة، وأنا مش هقدر أقول إن فيه التزام نهائي قبل ما أتأكد من صحته ومن الإجراءات اللي تمت.»
الجملة دي خلتني أهدى شوية.




