روايات وقصص

الجزء الرابع والاخير

لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة:
المواجهة الجاية مش هتكون عن الفلوس وحدها… هتكون عن الحقيقة اللي خلت جدي يغيّر وصيته، والسر اللي أبويا وخالي حاولوا يدفنوه لمدة عشر سنين.
في الجزء الخامس…
الجزء الأخير: الحقيقة اللي كشفت خيانة العيلة كلها… والنهاية اللي محدش توقعها!
فضلت طول الليل أفكر في رسالة أمي.
«أبوكي عايز يشوفك. بيقول إن فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما خالك يدمّر العيلة كلها.»
كنت محتارة بين إني أرفض مقابلته، وبين إني أسمع منه الحقيقة اللي جدي حاول يحذرني منها قبل وفاته.
لكن في النهاية، قررت أسمعه، بشرط إن المقابلة تتم في مكتب المحامي نادر فؤاد، وبحضور المسؤولين القانونيين المعنيين بالقضية.
ما كنتش رايحة عشان أسامحه.
كنت رايحة عشان أفهم إزاي أب ممكن يقف يتفرج على بنته وهي بتتاخد من بيتها بالكلبشات، وهو عارف إن الاتهامات اللي بيسمعها محتاجة مراجعة وتحقيق.
وصل أبويا بعد الظهر.
كان شكله مختلفًا عن الصورة اللي شفتها ليلة القبض عليَّ. وشه شاحب، وكتافه متهدلة، وعينيه مليانة إرهاق.
دخل المكتب، ولما شافني، وقف مكانه.
قال بصوت منخفض:
«مريم…»
قاطعته بهدوء:
«قبل ما تتكلم، عايزة أعرف حاجة واحدة. إنت كنت عارف إنهم هيقبضوا عليَّ الليلة دي؟»
نزل عينيه للأرض.
وبعد صمت طويل، قال:
«أيوه.»
حسيت إن الكلمة نزلت على قلبي زي حجر.
كنت مستعدة أسمع أي إجابة، إلا الاعتراف البسيط ده.
سألته:
«وكنت عارف إن أمي وسارة هيصوروا اللي هيحصل وينشروه على الإنترنت؟»
هز رأسه ببطء.
«ما كنتش عارف إن سارة هتعمل بث مباشر، لكن كنت عارف إنهم هيستخدموا البلاغ عشان يضغطوا عليكي.»
ضحكت بمرارة.
«يعني إنت كنت عارف إنهم بيحاولوا يخوفوني عشان أتنازل عن حقي، ومع ذلك وافقت؟»
رفع عينيه، وكانت دموعه بدأت تتجمع فيها.
«أنا غلطت يا بنتي.»
قلت له:
«الغلط إنك تنسى عيد ميلادي، أو تتأخر عليَّ في معاد. إنما إنك تشارك في خطة ممكن تدمّر حياتي، ده مش مجرد غلط.»
ما ردش.
وبعد لحظات، أخرج من حقيبته ملفًا قديمًا، وحطه على المكتب.
قال:
«ده ملف اجتماع الشركة يوم 14 مايو. أنا احتفظت بنسخة منه، وكنت ناوي أسلمه للمحامي من فترة، لكن خالك محمود كان بيهددني.»
فتح نادر الملف، وبدأ يراجع الأوراق.
كان فيه محضر اجتماع، وكشوف حسابات، ومراسلات قديمة بين جدي وعدد من المسؤولين عن الشركة.
وبعد مراجعة الصفحات، ظهرت الحقيقة اللي غيّرت فهمي لكل اللي حصل.
قبل عشر سنين، كان خالي محمود مسؤولًا عن إدارة جزء من ممتلكات جدي وشؤون الشركة المالية.
وخلال مراجعة دورية، ظهرت تحويلات مالية لم تكن مستنداتها متطابقة مع السجلات الأصلية.
جدي طلب تفسيرًا رسميًا للمعاملات، لكن خالي قال إن الاختلافات ناتجة عن أخطاء محاسبية وإجراءات إدارية.
أبويا كان وقتها مسؤولًا عن اعتماد بعض المعاملات، ووافق على مستندات من غير ما يراجع كل التفاصيل بنفسه.
ولما اكتشف إن فيه معاملات محتاجة مراجعة أوسع، خاف إن الموضوع يتحول لفضيحة كبيرة تضر العيلة كلها.
بدل ما يواجه المشكلة من البداية، حاول يساعد خالي in احتوائها بعيدًا عن أعين الآخرين.
لكن جدي رفض.
أوقف بعض الصلاحيات المالية، وطلب مراجعة مستقلة، واحتفظ بنسخ من المستندات اللي كانت محل اعتراض.
وبعدها بدأت الخلافات بينه وبين أبويا وخالي.
سألت أبويا:
«يعني إنت كنت عارف إن فيه مشكلة مالية، وسكت؟»
رد بصوت مكسور:
«كنت عارف إن فيه معاملات مش واضحة، لكن ما كنتش عارف حجم المشكلة بالكامل. لما فهمت إن الموضوع ممكن يكبر، خفت على اسم العيلة، وخفت على شغلي ومستقبلي.»
قلت له:
«فقررت تسيب المشكلة تكبر، وتستنى لحد ما جدي يموت؟»
غمض عينيه.
«أنا ما كنتش عايز أوصل لكده.»
رديت عليه:
«لكن وصلت لكده فعلًا.»
سكت أبويا طويلًا، ثم قال:
«بعد وفاة جدك، خالك بدأ يضغط عليَّ. كان بيقول إن المراجعة الجديدة ممكن تفتح ملفات قديمة، وإن لازم نسيطر على إدارة الصندوق عشان نقدر نتعامل مع أي مطالبات مالية مرتبطة بالشركة.»
نادر سأله:
«وليه مريم تحديدًا؟»
أبويا رد:
«لأن جدها اختارها تكون المستفيدة من الصندوق، وخصص لها حقوقًا مالية مرتبطة بالتسوية النهائية لبعض الممتلكات. خالي كان خايف إن استقلالها في إدارة الصندوق يسمح باستكمال المراجعة من غير ما يقدر يتدخل.»
بدأت الصورة تكتمل.
ما كانوش بيحاولوا ياخدوا الفلوس لمجرد الطمع فيها.
كان فيه خوف من إن المراجعة تكشف معاملات قديمة، وإن بعض الأشخاص يضطروا يتحملوا مسؤولية قرارات اتخذوها من سنين.
لكن ده ما كانش مبررًا للي عملوه.
ولا حاجة كانت تبرر إنهم يحاولوا يشوهوا سمعتي أو يتهموني بالاحتيال.
بصيت لأبويا وسألته:
«طب وأمي وسارة؟ كانوا عارفين الحقيقة؟»
رد:
«أمك كانت تعرف إن فيه خلافات مالية، لكن مش كل التفاصيل. أما سارة، فمحمود أقنعها إنك هتحرمي العيلة كلها من حقوقها، وإنك لو فضلتي مسؤولة عن الصندوق، محدش هيقدر يوصل لأي حل.»
سألته:
«والمحامي شريف؟»
رد نادر قبل ما أبويا يتكلم:
«ده هيتحدد من خلال التحقيق في المستندات والمراسلات. إحنا عندنا أدلة تستدعي مراجعة دوره، لكن مش هنعتبر أي اتهام حقيقة نهائية قبل استكمال الإجراءات.»
أومأت برأسي.
كنت عايزة أعرف الحقيقة، مش أستبدل ظلمًا بظلم تاني.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد ما سألتوش.
سألت أبويا:
«ليه وافقت على القبض عليَّ؟ ليه ما كلمتنيش وحذرتني؟»
رفع عينيه لي، وقال:
«لأن محمود قال لي إنك لو عرفتي إن فيه مشكلة في الشركة، هتطلبي مراجعة كل المستندات، وإن ده ممكن يضرنا كلنا. أقنعني إن البلاغ هيخليكي تتنازلي عن الإدارة مؤقتًا، وبعدها هنقدر نحل الموضوع من غير ما يحصل ضرر أكبر.»
قلت له:
«يعني إنت اخترت تحميني من الحقيقة، بالطريقة اللي دمّرت بيها ثقتي فيك.»
ما قدرش يرد.
ولأول مرة، فهمت إن بعض الناس مش بيحتاجوا يكرهونا عشان يؤذونا.
أحيانًا بيكونوا مستعدين يضحوا بينا عشان يحافظوا على نفسهم.

المواجهة الأخيرة مع خالي محمود
بعد مراجعة المستندات، بدأت الجهات المختصة تستدعي الأشخاص اللي ظهرت أسماؤهم في الأوراق، وتفحص طلبات إدارة الصندوق والبلاغ المقدم ضدي.
وبعد فترة قصيرة، حضر خالي محمود لمقابلة قانونية، بعدما طُلب منه تقديم توضيحات عن المستندات القديمة وطلب الصلاحيات الجديد.
دخل المكتب بثقة، وكأنه متأكد إن مفيش حاجة ممكن تحصل له.
ولما شافني، ابتسم وقال:
«إزيك يا مريم؟ أنا كنت عارف إنك هتقدري تعدّي الأزمة دي.»
بصيت له من غير ما أرد.
هو نفسه اللي كان بيحاول يحصل على صلاحيات إدارة الصندوق، وهو نفسه اللي ظهرت رسائله في التسجيلات وهو بيتكلم عن ضرورة منع المراجعة من الاكتمال.
قعد قدامي، وبص لنادر، ثم قال:
«أنا أتمنى إننا ننهي الخلاف العائلي ده بهدوء. كلنا في النهاية أهل.»
قلت له:
«الأهل ما بيحاولوش يثبتوا إن بنت أختهم غير مؤهلة عشان ياخدوا منها حقها.»
اتغيرت ملامحه قليلًا.
«إنتِ فاهمة الموضوع غلط. أنا كنت بحاول أحمي ممتلكات العيلة.»
قلت:
«من إيه؟ من مراجعة الحسابات؟ ولا من المستندات اللي جدي احتفظ بيها؟»
سكت للحظة.
ثم قال:
«جدك كان كبير في السن، وكان عنده شكوك كتير. مش كل حاجة كتبها معناها إنها صحيحة.»
نادر حط قدامه نسخة من طلب إدارة الصندوق، ومعاه المستندات اللي بتوضح توقيت تقديمه.
وقال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى