
قعد قدامي، وحط إيديه على الترابيزة.
«أنا عارف إنك مش عايزة تسمعيني، وعارف إن اللي هقوله مش هيغير اللي حصل.»
قلت ببرود:
«إنت كنت عند المحامي شريف قبل تقديم البلاغ ضدي. وعندك نسخة من مفتاح بيتي. عايزني أسمع إيه بالضبط؟»
نزل عينيه للأرض.
«أنا ما كنتش عارف إنهم هيقبضوا عليكي بالطريقة دي.»
رديت فورًا:
«لكن كنت عارف إن فيه خطة ضدي، صح؟»
سكت.
والسكوت كان كفاية عشان يوجعني أكتر من أي اعتراف.
بعد لحظات، قال:
«أيوه. كنت عارف إنهم بيحاولوا يخلّوكي تتنازلي عن إدارة الصندوق.»
حسيت إن صدري ضاق.
«مين هم؟»
رفع عينيه وقال:
«أبوكي، وأمك، وسارة… وخالك محمود. وشريف كان بيساعدهم في الإجراءات القانونية.»
سألته:
«وإنت كنت بتساعدهم ليه؟»
مرر إيده على وشه، وبعدين قال:
«في البداية، خالك كلمني وقال لي إنك بتتصرفي باندفاع، وإن وجود مبلغ كبير بالشكل ده ممكن يسبب لك مشاكل. قال لي إنهم عايزين حد يقنعك توافقي على إدارة مشتركة للصندوق، وإن ده هيحميكي ويحمي العيلة.»
ضحكت بمرارة.
«وإنت صدقته؟»
رد:
«كنت عارف إن فيه حاجة مش مظبوطة، لكني أقنعت نفسي إني أقدر أساعد من غير ما أؤذيكي.»
قلت له:
«مافيش حاجة اسمها تساعدني عن طريق إنك تخفي عني الحقيقة.»
هز رأسه.
«أنا غلطت.»
سألته عن اللي حصل في مكتب المحامي.
قال إنه راح هناك بناءً على طلب خالي محمود، وإنه سلّم شريف مستندات حصل عليها من خلال محادثات سابقة مع أفراد العيلة.
لكن لما عرف إنهم بيجهزوا بلاغًا يتهمني بالاحتيال، بدأ يشك إن الموضوع أكبر من مجرد محاولة لإقناعي بالتنازل عن الإدارة.
قلت له:
«ومع ذلك، ما اتصلتش بيا تحذرني.»
رد بصوت منخفض:
«كنت خايف.»
الكلمة دي وجعتني.
لأن كريم، اللي كان بيقول لي زمان إنه مستعد يواجه الدنيا كلها عشاني، اختار يخاف على نفسه ويسيبني أواجه كل ده لوحدي.
لكن قبل ما أنهي المقابلة، قال جملة خلتني أغير رأيي في الاستماع لبقية كلامه.
«مريم، أنا عندي نسخة من رسالة صوتية بين خالك محمود وأبوك. الرسالة دي ممكن تفسر ليه استعجلوا في البلاغ، وليه كانوا مصرّين إنك تتنازلي عن الصندوق قبل نهاية الشهر.»
طلب المسؤولون منه تقديم الرسالة بطريقة رسمية، من غير حذف أو تعديل، عشان يتم فحصها والتأكد من مصدرها وسلامتها.
وبعد مراجعتها، بدأ التسجيل.
كان صوت خالي محمود واضحًا:
«لازم نخلّص الموضوع قبل ما مريم توصل للمستندات القديمة. لو عرفت اللي حصل زمان، مش هتوافق على أي اتفاق، وساعتها كل حاجة هتخرج عن السيطرة.»
جاء صوت أبويا:
«أنا مش عايز مشاكل أكبر من كده. إحنا ممكن نحل الموضوع بهدوء.»
محمود رد بعصبية:
«الهدوء مش هينفع دلوقتي. لازم نضمن إن الصندوق يبقى تحت سيطرتنا قبل ما المحامي المستقل يراجع الحسابات.»
وبعدين قال جملة أخيرة:
«لو مريم فتحت الملف اللي سابه أبوها الكبير، كلنا هنبقى في مشكلة.»
انتهى التسجيل.
ما حدش اتكلم لثوانٍ.
لكن أنا كنت حاسة إن فيه حاجة مش منطقية.
خالي كان بيتكلم وكأنه صاحب الخطة، لكن أبويا كان بيبدو خائفًا، مش مسيطرًا على الموقف.
بصيت لكريم وسألته:
«إنت قلت إن خالي هو اللي طلب منك تروح للمحامي. هل عندك دليل على إنه كان بيخطط لكل ده من البداية؟»
رد:
«عندي رسائل بيني وبينه، لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.»
قرب بجسمه من الترابيزة وقال:
«خالك ما كانش خايف من خسارة الفلوس بس. كان خايف إن المراجعة الجديدة تكشف معاملات قديمة مرتبطة بشركة جدي.»
افتكرت المستندات اللي شفتها في مكتب رئيس القسم.
التحويلات المالية، والخطاب القديم، واسم أبويا.
لكن لسه ما كنتش فاهمة الصورة بالكامل.
سألته:
«وإنت تعرف إيه عن المعاملات دي؟»
قال:
«مش كل التفاصيل. لكني عرفت إن فيه مستندات قديمة بتثبت إن خالك كان عنده صلاحيات مالية في الشركة، وإن بعض التحويلات اللي حصلت وقتها ما اتراجعتش بشكل كامل.»
سكت لحظة، ثم أضاف:
«وفيه سبب يخليه يحاول يبعدك عن الملف ده تحديدًا.»
«إيه هو؟»
بص لي مباشرة وقال:
«لأن جدك ما سابلكيش الصندوق الائتماني باعتباره مجرد ميراث. هو كمان اختارك تكوني المستفيدة من حقوق مالية مرتبطة بمراجعة الشركة القديمة، والحقوق دي ممكن تتأثر لو حد قدر يغيّر إدارة الصندوق أو يمنع المراجعة من إنها تكتمل.»
حسيت إن كل حاجة بدأت تتشابك.
البلاغ، ومحاولة السيطرة على الصندوق، والمستندات القديمة، والخوف من فتح الملف.
لكن السؤال الأهم كان لسه من غير إجابة.
إيه اللي حصل قبل عشر سنين وخلى جدي يحتفظ بالأدلة دي كلها؟
وليه خالي محمود مستعد يخاطر بسمعة العيلة كلها عشان يمنعني من معرفة الحقيقة؟
المفاجأة اللي قلبت القضية
بعد انتهاء المقابلة، سلّم كريم كل الرسائل والمستندات اللي قال إنها بحوزته، وطلب المسؤولون فحصها قبل الاعتماد عليها.
أما أنا، فرجعت مع نادر لمكتبه عشان نراجع نسخة من الملف القديم.
وبينما كنا بنقلب الأوراق، لفت نظري مستند كنت شفته قبل كده، لكني ما ركزتش في تفاصيله.
كان تقريرًا ماليًا قديمًا يحمل توقيع جدي.
وفي آخر الصفحة، كانت فيه ملاحظة بخط إيده:
«تم إيقاف أي صلاحيات إضافية لحين الانتهاء من مراجعة التحويلات محل الاعتراض.»
وتحت الملاحظة، كان فيه اسم الشخص اللي اتوقفت صلاحياته.
محمود.
خالي محمود.
لكن اللي خلاني أحس بصدمة أكبر، إن تاريخ إيقاف الصلاحيات كان قبل وفاة جدي بشهور قليلة.
يعني إن خالي ما كانش مجرد شخص بيحاول يساعد العيلة في إدارة الميراث.
كان شخصًا سبق لجدي إنه قيّد صلاحياته المالية، بعد ظهور اعتراضات على بعض المعاملات.
رفعت عيني لنادر وقلت:
«هو ده السبب اللي خلاه يحاول يسيطر على الصندوق؟»
رد بحذر:
«ممكن يكون مرتبطًا بالموضوع، لكن ما نقدرش نجزم قبل ما نعرف تفاصيل المراجعة القديمة، ونتأكد من المستندات الأصلية.»
في اللحظة دي، وصل اتصال من المحامي المستقل المسؤول عن حفظ السجلات القديمة.
قال لنادر إنه عثر على ملف إضافي كان محفوظًا في أرشيف الشركة، وإنه يحتوي على محضر اجتماع لم يكن موجودًا في النسخ السابقة.
طلب نادر إرسال الملف بالطريقة الرسمية.
وبعد مراجعة المحضر، قرأ أول سطر بصوت منخفض.
ثم توقف فجأة.
سألته:
«فيه إيه؟»
رفع عينيه لي وقال:
«الاجتماع ده كان بين جدك، ووالدك، وخالك محمود… قبل وفاة جدك بفترة قصيرة.»
قلت:
«وبعدين؟»
رد:
«المحضر بيشير إلى إن جدك اكتشف مشكلة في معاملة مالية كبيرة، وإنه طلب من والدك يوضح دوره فيها.»
شعرت إن قلبي بيدق بعنف.
«وأبويا قال إيه؟»
نادر قلب الصفحة، لكن الجزء اللي فيه الإجابة كان ناقصًا من النسخة الموجودة.
اتصل بالمحامي المسؤول عن الأرشيف، وبعد دقائق عرفنا إن الصفحة الأصلية موجودة في ملف منفصل، وإنها هتحتاج مراجعة قبل تسليمها.
لكن قبل ما نقدر نوصل لها، ظهرت رسالة جديدة على تليفون نادر.
كانت من رقم مجهول، ومكتوب فيها:
«لو مريم عايزة تعرف الحقيقة، لازم تسأل والدها عن اللي حصل في اجتماع الشركة يوم 14 مايو، قبل ما جدها يقرر تغيير الوصية.»
قرأت الرسالة مرتين.
يوم 14 مايو.
التاريخ ده كان مكتوبًا على خطاب جدي اللي احتفظ بيه.
رفعت عيني لنادر وقلت:
«أنا لازم أتكلم مع أبويا.»
هز رأسه وقال:
«هتقدري تسأليه، لكن الأفضل يكون الكلام من خلال الإجراءات القانونية المناسبة، خصوصًا بعد ظهور الأدلة الجديدة.»
وفي اللحظة دي، وصلتني رسالة من رقم أمي.
كانت قصيرة جدًا:
«مريم، أبوكي عايز يشوفك. بيقول إن فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما خالك يدمّر العيلة كلها.»
فضلت باصة للرسالة.
أمي اللي كانت بتبتسم وهي بتتفرج على القبض عليَّ، بقت دلوقتي بتحذرني من خالي.
هل كانت بتحاول تنقذني فعلًا؟
ولا اكتشفت إن الخطة خرجت من إيديها، وبدأت تخاف إن الأسرار القديمة تنكشف؟
ما كنتش عارفة.




