
بصيت له وقلت:
— أنا مش همنعك من إنك تكون أبوها، طالما ده في مصلحتها. لكن علاقتك بيها مش هتكون وسيلة عشان تصلح صورتك قدام الناس، ولا هسمح إنك تظهر في حياتها وتختفي وقت ما تحب.
هز رأسه وقال:
— متفق.
ثم أخرج ملفًا صغيرًا.
— ده اقتراح لترتيب الزيارات، ومصاريف تعليمها، واحتياجاتها المستقبلية. كل حاجة هتكون واضحة ومكتوبة، ولو عندك محامٍ مستقل يراجعها، أنا موافق.
أخدت الملف، لكني ما فتحتهوش في اللحظة دي.
قلت له:
— الفلوس مهمة عشان نور تعيش حياة مستقرة، لكن وجودك الحقيقي أهم من أي مبلغ. لو وعدتها إنك هتحضر حفلة المدرسة، لازم تحضر. لو قلت لها إنك هتتصل، اتصل. ما ينفعش تديها أمل وبعدين تختفي.
رد بهدوء:
— فهمت.
وللمرة الأولى، ما حاولش يدافع عن نفسه أو يلومني على الماضي.
بدأت لقاءاته بنور بشكل تدريجي، وفي أماكن تختارها هي وتكون مرتاحة فيها.
في البداية، كانت بتتعامل معاه بحذر. تسأله أسئلة بسيطة عن شغله، وعن طفولته، وعن سبب حبه للفنادق الكبيرة.
وكان فارس بيجاوب من غير ما يضغط عليها، وبدأ يتعلم منها حاجات ما كانتش موجودة في عالمه المليان اجتماعات وأرقام.
عرف إنها بتحب الكواكب، وإنها بتتمنى تزور مرصدًا فلكيًا، وإنها بتعزف البيانو لما تكون مبسوطة أو متضايقة.
وفي يوم، أخدها إلى مرصد فلكي بعد ما اتفق معايا على الزيارة.
رجعت نور البيت وهي طايرة من الفرحة.
قالت لي:
— ماما، بابا شرح لي إزاي النجوم بتبعد عننا، وإزاي إحنا بنشوف ضوءها بعد ما يكون عدى عليه وقت طويل!
ضحكت وقلت:
— وعجبك الشرح؟
قالت بحماس:
— جدًا! بس أنا سألته سؤالًا وما عرفش يجاوب.
ابتسمت.
— سألتيه إيه؟
قالت:
— سألته لو يقدر يرجع بالزمن، كان هيعمل إيه عشان ما يضيعش السنين دي كلها؟
سكتُّ لحظة، ثم سألتها:
— وهو قال لك إيه؟
نور بصت لي بجدية طفولية وقالت:
— قال لي إنه ما يقدرش يرجع الزمن، لكنه يقدر يختار ما يضيعش الوقت اللي جاي.
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
مش لأن فارس اتغير فجأة، ولا لأن الماضي بقى أقل ألمًا، لكن لأن بنتي بدأت تلاقي إجابات بنفسها، من غير ما تضطر تكره حد عشان تفهم اللي حصل.
بعد ستة أشهر، نظمت مؤسسة فارس احتفالًا جديدًا لتكريم الطلاب المتفوقين.
نور كانت مدعوة بصفتها الفائزة بالجايزة الكبرى في العام السابق، لكن المرة دي كان فيه اختلاف كبير.
فارس ما وقفش على المسرح عشان يتكلم عن نفسه أو عن اسم عيلته.
وقف وقال للحضور:
— النجاح الحقيقي مش إننا نبني مؤسسات كبيرة أو نكسب احترام الناس. النجاح الحقيقي إننا نتحمل مسؤولية قراراتنا، وإننا ما نحرمش أي طفل من حقه في فرصة عادلة بسبب أخطاء الكبار.
ثم أعلن عن برنامج مستقل لدعم تعليم الأطفال، يخضع لمراجعة مالية دورية، وتكون معايير الاستفادة منه واضحة للجميع.
ما طلبش من نور إنها تطلع معاه، ولا استخدم قصتها عشان يكسب تعاطف الحضور.
وبعد انتهاء الحفل، رجع لها الجايزة القديمة اللي كانت سلمتهاله في اليوم اللي اتقابلوا فيه لأول مرة.
قال لها:
— دي جايزتك يا نور. إنتِ اللي تعبتي عشانها، وإنتِ اللي تستحقي تحتفظي بيها.
نور أخدتها وابتسمت.
ثم قالت له:
— أنا فرحانة إنك بقيت تيجي تشوفني يا بابا. بس أنا عايزاك تفضل فاكر إنك وعدتني ما تختفيش.
فارس انحنى لمستواها وقال:
— هفضل أفتكر.
وبعدين مدت له إيدها، ومشوا سوا ناحية الباب، بينما أنا كنت واقفة بعيد وبراقبهم.
ما حسيتش بالغيرة، ولا حسيت إني خسرت حاجة.
لأن علاقتي بنور ما كانتش مسابقة لازم أكسبها، وعلاقتها بأبوها ما كانتش تهديدًا لوجودي في حياتها.
أنا كنت أمها، والإنسانة اللي ربتها ووقفت جنبها، وده مكان محدش يقدر ياخده مني.
أما فارس، فكان قدامه طريق طويل عشان يثبت إنه يستحق الثقة اللي ضاعت.
ونهى اضطرت تواجه نتائج اختياراتها، بينما اتعلم جلال بالطريقة الصعبة إن اسم العيلة ومكانتها مش أهم من حقوق الناس اللي جوّاها.
وداليا؟ قطعت علاقتي الشخصية بيها، وسيبت أي مسائل مالية أو قانونية للجهات المختصة، لأن التسامح مش معناه إننا نسمح لحد يكرر نفس الأذى.
أما أنا، فرجعت مع نور إلى الإسكندرية، لحياتنا الهادية، وشغلنا، وبيتنا الصغير اللي بدأنا فيه من الصفر.
وفي مساء من أمسيات الشتاء، كنا قاعدين جنب الشباك، ونور بتعزف على البيانو، وفجأة وقفت وبصت لي.
قالت:
— ماما، إنتِ زعلانة إن بابا بقى موجود في حياتي؟
قربتها مني وقلت:
— لأ يا حبيبتي. أنا كل اللي يهمني إنك تكوني سعيدة وآمنة، وإن أي حد يدخل حياتك يعاملك بالحب والاحترام اللي تستحقيهم.
ابتسمت، وحضنتني، ثم سألتني:
— طب إنتِ سامحتيه؟
فكرت للحظة قبل ما أجاوب.
— أنا بطلت أعيش أسيرة للي حصل يا نور. لكن الثقة حاجة تانية، ودي لازم كل واحد يثبت إنه يستحقها بأفعاله.
هزت رأسها، وكأنها فهمت المعنى بطريقتها الخاصة، ثم رجعت تعزف.
وقتها أدركت إن أكبر انتصار في حكايتي ما كانش إن فارس ندم، ولا إن نهى اتكشفت، ولا إن أسرار العيلة ظهرت.
أكبر انتصار كان إن بنتي كبرت وهي عارفة إن غياب أي شخص عن حياتها مش دليل على إنها قليلة القيمة، وإنها مش محتاجة تثبت لأي حد إنها تستحق الحب.
وفي النهاية، فهمت إن بعض الناس ممكن يسرقوا مننا سنين، وممكن يحرمونا من لحظات عمرنا ما هنقدر نعوضها، لكنهم مش لازم يسرقوا مننا بقية العمر.
أنا خسرت زواجًا كنت فاكرة إنه هيستمر للأبد، وخسرت ثقتي في ناس كنت باعتبرهم أقرب الناس لقلبي.
لكنني كسبت شيئًا أهم من كل ده.
كسبت نفسي من جديد، وكسبت بنتًا علمتني إن القوة مش في الانتقام، وإن التسامح مش ضعفًا، وإن وضع الحدود مش قسوة.
وأهم درس اتعلمته نور، واتعلمته أنا معاها، هو إن قيمتنا مش بتتحدد بالناس اللي اختارت تسيبنا، لكن بالطريقة اللي بنختار نكمل بيها حياتنا بعد رحيلهم.
تمت.




