روايات وقصص

الجزء الرابع والاخير بقلم محمد عبده

قلتله:

«أنا مش همنعك تعرف أولادك لو التزمت باحترامهم واحترامي. لكن الثقة مش هترجع في يوم وليلة، ومش معنى إننا هنسمحلك تقرب منهم إننا رجعنا زي زمان.»

رد بهدوء:

«أنا فاهم.»

وبعدها بدأنا أول خطوة.

### أول مرة يقولوا له: بابا

في يوم الجمعة، جه مجدي البيت في المعاد المتفق عليه.

كان جايب معاه تلات علب صغيرة، واحدة لكل طفل، لكنه ماقدمهاش لهم غير لما استأذنني.

آدم فتح علبته، ولقى فيها مجموعة ألوان ودفتر رسم.

يوسف لقى عربية صغيرة، وليلى لقت دمية بفستان وردي.

الأطفال فرحوا بالهدايا، وبدأوا يلعبوا معاه في الصالة.

كنت واقفة بعيد شوية، بتابع كل حركة.

مجدي ماحاولش يجبرهم يقعدوا جنبه، ولا طلب منهم ينادوه بأي اسم معين.

كان بيلعب معاهم، وبيجاوب على أسئلتهم، ولما يوسف سأله إذا كان هييجي تاني، ابتسم وقال:

«لو ماما وافقت، أنا نفسي أجيلكم كل أسبوع.»

يوسف بصلي، فهزيت راسي بابتسامة بسيطة.

بعد شوية، آدم كان بيرسم صورة لعيلته.

رسم نفسه ويوسف وليلى، ورسم ماما في النص، وبعدها رسم مجدي على طرف الورقة.

مجدي بص للصورة وسأله:

«مين ده يا آدم؟»

الطفل رد ببساطة:

«ده مجدي.»

ابتسم مجدي، لكن عينيه لمعت بالدموع.

«طب، تحب ترسمني جنبكم المرة الجاية؟»

آدم فكر شوية، وبعدين قال:

«ممكن، بس إنت هتيجي تلعب معانا تاني؟»

مجدي رد:

«أيوه، لو ماما موافقة.»

آدم ابتسم ورجع يكمل رسمه.

بعد ما مجدي مشي، حسيت إن في حاجة صغيرة بدأت تتغير.

مش حب قديم رجع، ولا جواز انتهى رجع للحياة.

لكن كان فيه احتمال إن الأطفال يقدروا يبنوا علاقة آمنة مع أبوهم، من غير ما يتحملوا ذنب أخطاء الكبار.

ومع مرور الشهور، التزم مجدي بمواعيده، وبدأ يشارك في تفاصيل حياتهم، من غير ما يتدخل في قراراتي أو يحاول يشتري محبتهم بالهدايا.

ولما كان واحد منهم بيتعب، كان بيتواصل معايا ويسأل إذا كنت محتاجة مساعدة، من غير ما يفترض إن وجوده بيديله الحق يفرض رأيه.

أما أنا، فكنت بتابع كل ده بحذر.

كنت عارفة إن تغيير التصرفات محتاج وقت، وإن الأطفال يستحقوا الاستقرار أكتر من أي وعود كبيرة.

### بعد ست شهور.. الحقيقة اللي حررتني

بعد ست شهور، وصلني إخطار من المحامي إن مراجعة المستندات القديمة خلصت من المرحلة الأولى، وإن بعض المراسلات ثبت إنها اتسجلت في الشركة من غير ما يكون فيه ما يثبت تسليمها لمجدي.

أما مسؤولية كل شخص عن ده، فكانت لسه خاضعة للإجراءات القانونية، وماكانش فيه حكم نهائي في الموضوع.

في الوقت نفسه، بدأت إجراءات مراجعة حقوق الأطفال القانونية في أملاك والدهم، بناءً على المستندات والوصية، من غير ما أقبل أي اتفاق مالي غير واضح أو غير موثق.

مجدي عرض إنه يخصص مبلغًا شهريًا لمصاريف الأطفال، ووافق إن كل شيء يتوثق رسميًا علشان يبقى حقهم محفوظًا.

وأنا قبلت الترتيب المناسب لمصلحتهم، لأن الفلوس دي مش هدية ليا، ولا تمن لرجوعه لحياتي.

دي مسؤولية أبوهم تجاههم.

أما الحاج محمود، فبعتلي جواب اعتذار طويل، اعترف فيه إنه اتخذ قرارات ظالمة بدافع الخوف من فقدان السيطرة.

قريت الجواب مرة واحدة، وبعدها حطيته في الدرج.

ماسامحتوش في لحظة، وماحاولتش أنتقم منه.

كل اللي عملته إني قررت ماخليش غضبي منه يفضل مسيطر على بقية حياتي.

لأنّي اكتشفت إن في فرق كبير بين إنك تسامح شخصًا، وبين إنك تسمح له يرجع يتحكم فيك.

أنا مش مضطرة أرجع لعيلة الشافعي علشان أثبت إن حقي رجع.

ومش مضطرة أرجع لمجدي علشان أولادي يكون ليهم أب.

ومش مضطرة أعيش بقية عمري وأنا بحاول أفهم ليه ناس اختارت تظلمني.

أنا قدرت أربي أولادي، وأحافظ عليهم، وأبني لهم حياة آمنة رغم كل الظروف.

وده في حد ذاته كان انتصارًا.

### بعد أربع سنين من الفراق.. مين كسب في النهاية؟

في يوم عيد ميلاد الأطفال الرابع، قررنا نحتفل في البيت بحفلة بسيطة.

كان فيه تورتة صغيرة، وبالونات ملونة، وألعاب كتير على الأرض.

مجدي جه بدري علشان يساعدني في تجهيز المكان، وبعدها وصل الأطفال من الحضانة وهم بيضحكوا ويجروا ناحية الهدايا.

لما جه وقت إطفاء الشموع، وقف آدم ويوسف وليلى قدام التورتة.

مجدي كان واقف جنبي، لكنه سايب مسافة بينا، احترامًا لحدودي.

الأطفال تمنوا أمنية، وبعدها نفخوا الشموع.

وسط الضحك والصوت العالي، يوسف جري ناحية مجدي ومسَك إيده.

وقال له ببراءة:

«بابا، تعالى العب معانا!»

مجدي اتجمد للحظة.

بصلي، وكأنه بيستأذنني بعينيه قبل ما يرد.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وهزيت راسي.

فنزل لمستوى يوسف، وشاله بحنان.

بعدها جري آدم وليلى ناحيتهم، وبقوا التلاتة حواليه.

كنت بتفرج عليهم، ودموعي بتنزل بهدوء.

مش علشان نسيت اللي حصل، ولا علشان قررت أرجع لراجل سابني أربع سنين.

لكن علشان أولادي كانوا مبسوطين، وعلشان أخيرًا بقوا قادرين يعرفوا أبوهم من غير كذب أو أسرار.

في آخر اليوم، بعد ما الأطفال ناموا، وقف مجدي عند الباب قبل ما يمشي.

قاللي:

«نور، أنا عارف إنك مش هترجعيلي بسهولة، ويمكن عمرك ما ترجعي. لكن أنا عايزك تعرفي إن السنين دي علمتني إن الحب مش كلام، وإن العيلة مش اسم ولا فلوس ولا مكانة اجتماعية. العيلة مسؤولية، وأنا قصرت في مسؤوليتي.»

بصيتله وقلت:

«أنا كنت بحبك يا مجدي، ويمكن جزء مني هيفضل فاكر الأيام الحلوة اللي عشناها. لكن أنا مش نفس البنت اللي سبتها من أربع سنين. أنا بقيت أم، واتعلمت أقف على رجلي، وأحمي نفسي وأولادي. ولو هتفضل موجود في حياتهم، لازم تحترم الست اللي أنا بقيت عليها.»

هز راسه، وقال:

«وعد مني.»

فتح الباب، وقبل ما يخرج، بصلي مرة أخيرة.

«شكرًا إنك اديتيني فرصة أعرفهم.»

رديت بهدوء:

«الفرصة دي علشانهم يا مجدي، مش علشاني ولا علشانك. هما يستحقوا يعيشوا حياة فيها حب وأمان.»

خرج، وقفلت الباب وراه.

رجعت للصالة، وبصيت على رسمة آدم اللي كانت معلقة على الحيطة.

كان راسم نفسه ويوسف وليلى، ورسم ماما في النص، وبابا واقف جنبهم.

ابتسمت، وحسيت براحة ماحستهاش من سنين.

لأنّي أخيرًا فهمت إن السعادة مش شرط تكون إن الماضي يرجع زي ما كان.

أحيانًا السعادة الحقيقية إنك تعرف الحقيقة، وتسترد حقك، وتبني حياة جديدة من غير ما تسمح لحد يسرق منك سلامك مرة تانية.

مجدي خسر أربع سنين من عمر أولاده، وأنا خسرت أربع سنين من عمري في الوجع والانتظار. لكن أولادي ماكانوش خسارة، والحقيقة ماقدرتش تفضل مستخبية للأبد.

أما أنا، نور أحمد، فخرجت من الحكاية دي وأنا عارفة إن كرامتي مش مرتبطة بعودة راجل، وإن قوتي مش في قدرتي على الانتقام، لكن في قدرتي على حماية نفسي وأولادي وبناء مستقبل أفضل ليهم.

تمت النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى