
سامح دخل المكتب بثقة، وقعد على الكرسي المقابل لمجدي.
بصلي للحظة، وبعدها قال بسخرية:
«واضح إننا بقينا بنعمل اجتماعات عائلية علشان مشاكل قديمة انتهت من سنين.»
مجدي رد بهدوء:
«المشاكل ما انتهتش يا عمي. إنت بس كنت فاكر إن محدش هيكتشف الحقيقة.»
سامح ضحك وقال:
«إنت بتتكلم عن إيه؟»
المحامي فتح الملف، وبدأ يعرض المستندات اللي وصلتلنا.
شرح إن فيه مراسلات تخص فترة جوازي من مجدي، وإن بعض الخطابات اتسجلت في الشركة لكنها ماوصلتش للعنوان المقصود.
وبعدين عرض نسخة من المراسلة اللي عليها توقيع سامح.
أول ما شافها، اختفت الابتسامة من وشه.
قال بعصبية:
«الورقة دي ممكن تكون مزورة! أي حد يقدر يكتب اسمي.»
المحامي رد:
«علشان كده المستندات هتخضع للفحص، ومش هنعتبر أي اتهام حقيقة نهائية قبل التحقق منه.»
لكن مجدي كان بيبص لعمه بوجع أكتر من الغضب.
قاله:
«أنا كنت بثق فيك. كنت فاكر إنك عايز مصلحتي، وإنك الشخص اللي هيساعدني أبني مستقبلي. إزاي قدرت تشارك في حاجة زي دي؟»
سامح قام من مكانه، وقال بصوت مرتفع:
«أنا عملت اللي كان لازم يتعمل! إنت كنت بتضيع مستقبلك علشان جواز من غير موافقة أبوك، وكنت هتخسر كل حاجة بسبب قراراتك المتهورة.»
مجدي رد:
«حتى لو كنت شايف إني غلطان، ماكانش من حقك تخفي عني إني هبقى أب لتلات أطفال!»
سامح سكت لحظة، وبعدها بص ناحيتي وقال:
«إنتِ مش فاهمة حاجة عن عالمنا. جوازكم كان هيعمل مشاكل كبيرة في العيلة.»
وقتها ماقدرتش أسكت.
وقفت وبصيتله مباشرة.
«أنا فعلًا مش من عالمكم، ومش عايزة أكون منه. أنا كنت ست بتحب جوزها، ولما اكتشفت إني حامل، كان كل أملي إنه يعرف إنه هيبقى أب. ماطلبتش منكم ثروة، ولا طلبت منكم منصب. أنا كنت عايزة حقي وحق أولادي في الحقيقة.»
صوتي بدأ يرتعش، لكني كملت:
«إنتوا كنتوا بتتكلموا عن المستقبل والميراث والشركة، وأنا كنت بحسب إزاي هقدر أوفر لبن وحفاضات لتلات أطفال. كنت بصحى بالليل لوحدي لما واحد منهم يعيط، وأجري بيه على الدكتور لو سخن. كنت بشوف أمهات بتمشي مع أولادها وآبائهم، وأحاول أشرح لأولادي ليه هما مش زي باقي الأطفال.»
سكت المكتب كله.
حتى سامح ماعرفش يرد.
أما الحاج محمود، فكان قاعد باصص للأرض، ووشه مليان توتر.
بعد لحظات، رفع راسه وقال:
«أنا كمان غلطت يا نور.»
بصيتله من غير ما أتكلم.
كمل:
«أنا اللي ضغطت على مجدي علشان ينهي الجواز. كنت فاكر إنك هتبعدي، وإنه مع الوقت هينساكي. ولما عرفت إنك حامل، خفت إن الموضوع يرجع يفتح من جديد، وإن مجدي يسيب كل حاجة علشانك.»
مجدي بصله بصدمة.
«يعني إنت كنت عارف فعلًا؟»
هز والده راسه.
«أيوه.»
مجدي وقف، وحط إيده على المكتب.
«أربع سنين يا بابا! أربع سنين وأنا فاكر إنها سابتني ومشيت من غير ما تحاول تتواصل معايا! وأربع سنين أولادي بيكبروا بعيد عني، وإنت كنت عارف!»
الحاج محمود بدأ يبكي.
قال:
«أنا كنت فاكر إني بحميك.»
مجدي رد بحزن شديد:
«إنت ماحمتنيش. إنت حرمتني من عيلتي.»
وبعدين لف ناحيتي وقال:
«نور، أنا مش هطلب منك تسامحيني على اللي فات. أنا عارف إني غلطت لما صدقت كلام أبويا، ولما مشيت من غير ما أحاول أوصل للحقيقة. لكن من النهارده، مش هسمح لحد يقرر بالنيابة عني إزاي أعيش حياتي.»
أما سامح، فرفض يعترف بأي مسؤولية عن اختفاء الخطابات، وأكد إن المستندات لا تثبت إنه تعمد منعها من الوصول.
المحامي وضح إن أي مسؤولية قانونية هتتحدد بعد فحص المستندات والتحقق من صحتها، وإن المسألة مش هتتحسم بمجرد الكلام أو الاعترافات المتضاربة.
وبالفعل، بدأت مراجعة السجلات والمراسلات رسميًا، وانتهى الاجتماع من غير ما يصدر حكم نهائي ضد أي شخص.
لكن بالنسبة لي، كانت الحقيقة الأساسية قد ظهرت: الحاج محمود اعترف إنه أخفى خبر حملي عن ابنه، وإنه تعمد إبعاده عني.
أما بقية التفاصيل، فكان لازم تتثبت بالأدلة.
### خطوبة اتلغت.. وبداية جديدة
بعد المواجهة بأسبوع، اتصل بيا مجدي وطلب يقابلني في مكان عام.
وافقت، لكني اشترطت إن المقابلة تكون قصيرة، وإننا نتكلم عن الأطفال بس.
لما وصلت، لقيته قاعد لوحده، وقدامه كوب قهوة ما لمسوش.
قعدت وسألته:
«خير يا مجدي؟»
قال:
«أنا فسخت خطوبتي من سارة.»
استغربت، لكني ماعلقتش.
كمل:
«أنا مش هتجوز واحدة وأنا لسه بحاول أفهم إزاي أكون أب مسؤول. ومش عايز أبدأ حياة جديدة وأنا سايب ورايا حياة قديمة محتاجة مني مواجهة وإصلاح.»
قلتله:
«قرار جوازك يخصك، ومش مطلوب مني أعلّق عليه. المهم إنك ماتستخدمش أولادي علشان تصلح صورتك قدام نفسك أو قدام الناس.»
هز راسه.
«عندك حق. علشان كده أنا عايز أبدأ معاهم خطوة خطوة، بالطريقة اللي تريحيهم وتحسسهم بالأمان.»
طلع من جيبه ورقة صغيرة، وحطها على الترابيزة.
كانت خطة بسيطة كتب فيها اقتراحات لمواعيد مقابلات قصيرة مع الأطفال، بالتنسيق معايا، ومن غير ما يضغط عليهم أو يطلب منهم يعتبروا نفسهم فجأة عيلة واحدة.
بصيت للورقة، وبعدها بصيتله.
لأول مرة، حسيت إنه بدأ يفهم إن الأبوة مش حق بياخده لمجرد إنه الأب البيولوجي، لكنها مسؤولية لازم يثبت إنه قدها.




