
مالك تدخل فورًا:
— «ده مش صحيح يا فندم. هي عرّفت نفسها من البداية، وطلبت منه يراجع هويتها. لكنه وجّه سلاحه ناحيتها، وكبّلها، وضربها، وبعدها حطم الزجاج الأمامي للعربية. وأنا اعترضت أكتر من مرة».
جاسر لف ناحيته بعنف:
— «إنت بتكدب!»
مالك رد:
— «كل كلامي موجود في تسجيل اللاسلكي، والسيدة رحمة صورت الواقعة من بدايتها تقريبًا».
رحمة قربت بخطوات مترددة، لكنها كانت مصممة تتكلم.
— «أنا عندي الفيديو كامل من أول ما الراجل بدأ يزعق لها. وصورت كمان لما هددني بالسلاح».
العقيد حازم طلب منها الاحتفاظ بالموبايل وعدم حذف أي تسجيل، ووجّه أحد أفراد التحقيق لتوثيق الفيديو بالطريقة الرسمية.
بعدها التفت إلى جاسر وقال:
— «سلّم سلاحك مؤقتًا، وابعد عن موقع الواقعة لحد ما نخلص الإجراءات».
جاسر فتح عينيه بذهول.
— «تسليم سلاحي؟! يا فندم، أنا كنت بعمل شغلي!»
رد العقيد بلهجة حاسمة:
— «لو كنت بتعمل شغلك، التحقيق هيثبت ده. لكن محدش فوق القانون».
لأول مرة من ساعة ما وقفني، ما لقيش جاسر أي رد يقوله.
سلّم سلاحه وهو بيبص لي بنظرة مليانة غضب، وكأنه بيحمّلني مسؤولية كل اللي حصل.
لكن أنا ما كنتش مهتمة بنظرته.
كان كل اللي شاغلني هو الإشارة اللي اختفت من عربيتي، والتحقيق السري اللي كنت راجعة منه.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وصل الفريق الفني المتخصص.
بدأوا يفحصوا السيارة، ووصلوا جهازًا محمولًا بمعدات الاتصال المؤمّنة الموجودة داخلها.
وقفت بعيد شوية، براقبهم وأنا بحاول أربط الأحداث ببعضها.
كان فيه احتمال إن الضرر اللي أصاب النظام مجرد نتيجة لتحطيم العربية، لكن كان فيه احتمال تاني أخطر: إن حد حاول يتدخل في الاتصال أو يعطله.
بعد دقائق، قرب مني أحد الفنيين، وكان اسمه المهندس شريف منصور.
قال بصوت منخفض:
— «يا فندم، عندنا مشكلة».
قلبي انقبض.
— «إيه اللي حصل؟»
فتح جهازه وورّاني تقريرًا أوليًا.
— «النظام سجل انقطاعًا مفاجئًا في الاتصال، وبعدها ظهرت محاولة وصول غير معتادة. لسه ما نقدرش نجزم إذا كانت مرتبطة بالحادث نفسه ولا بعطل ناتج عن التدمير».
بصيت له بتركيز.
— «هل فيه بيانات اتسحبت من الجهاز؟»
رد:
— «لسه بنراجع السجلات، لكن مش هنقدر نأكد ده غير بعد الفحص الكامل».
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع ممكن يكون أكبر من تصرفات جاسر وحدها.
يمكن يكون مجرد ضابط تجاوز حدوده، ويمكن يكون فيه سبب تاني للي حصل.
لكن ما كانش ينفع أتهم حد من غير دليل.
طلبت من الفريق يحافظ على كل التسجيلات، وألا يحاول أي شخص تشغيل الجهاز أو إعادة ضبطه قبل ما الفحص الجنائي الرقمي يخلص.
وبينما كنت بتكلم معاهم، سمعت صوت جاسر من بعيد وهو بيتجادل مع أحد أفراد التحقيق.
— «أنا قلت لكم، ما كنتش أعرف إنها ضابطة! لو كنت أعرف، ما كنتش عملت كده!»
لفيت ناحيته وقلت بصوت مسموع:
— «وده بالضبط سبب خطورة اللي عملته. المفروض تحترم القانون مع أي مواطن، مش بس مع الشخص اللي تعرف منصبه».
سكت المكان للحظات.
حتى العقيد حازم بص لي، وبعدها طلب من أفراد التحقيق استكمال الإجراءات وتسجيل كل الأقوال.
لكن قبل ما أركب سيارة الإسعاف عشان أفحص إصاباتي، قرب مني مالك الأنصاري.
كان شكله متوتر، وكأنه متردد يقول حاجة مهمة.
بص حواليه، وبعدها قال بصوت واطي:
— «يا فندم، فيه حاجة لازم حضرتك تعرفيها».
سألته:
— «إيه هي؟»
قال:
— «قبل ما نوقف حضرتك النهارده، وصل لجاسر اتصال من رقم مجهول. وبعد المكالمة، كان متوتر جدًا، وفضل يقول إنه لازم يوقف عربية فخمة معدية على الطريق، مهما كان السبب».
حسيت إن كل الأصوات حواليا بدأت تبعد.
سألته بسرعة:
— «إنت متأكد من كلامك؟»
هز رأسه.
— «أيوه يا فندم. وأنا ما كنتش فاهم قصده وقتها. لكن لما شفت عربيتك، ولما بدأت الواقعة، افتكرت المكالمة».
بصيت ناحية جاسر، اللي كان واقف جنب عربية الشرطة، محاطًا بأفراد التحقيق.
وبعدين رجعت بصيت لمالك وسألته السؤال اللي كان لازم يتسأل:
— «هل قال اسم حد في المكالمة؟ أو ذكر رقم العربية قبل ما يشوفها؟»
مالك اتردد لحظة، وبعدها قال:
— «ما قالش اسم، لكن فيه حاجة أغرب من كده…»
سكت، وكأنه بيحاول يقرر إذا كان يكمل كلامه ولا لأ.
وبعدين قرب مني أكتر وهمس:
— «جاسر كان عارف إن العربية دي هتعدّي من الطريق ده، قبل ما يشوفها أصلًا… وأنا شاكك إن حد بلّغه بموعد مرورك».
في اللحظة دي، أدركت إن اللي حصل ممكن ما يكونش مجرد إهانة لضابطة أثناء تأدية واجبها.
لكن هل كان جاسر بيتصرف من دماغه؟ ولا فيه حد تاني كان مستني وصولي؟
والإجابة كانت مخبّية في مكالمة واحدة، لو ثبتت صحتها، ممكن تفتح باب تحقيق أكبر بكتير من اللي أي حد كان يتوقعه…
بصيت لمالك الأنصاري وطلبت منه يكرر كلامه من الأول، لكن المرة دي بالتفصيل.
قلت له:
— «إنت بتقول إن جاسر وصله اتصال قبل ما يوقفني، وإنه كان عارف إن عربيتي هتعدّي من الطريق ده. عايزاك تفتكر كل كلمة سمعتها، حتى لو شايف إنها مش مهمة».
مالك أخد نفس طويل، وبعدين قال:
— «المكالمة كانت قبل الواقعة بحوالي عشر دقايق. جاسر كان واقف بعيد عن العربية، وبيتكلم بصوت واطي. أنا ما سمعتش الطرف التاني، لكن سمعته بيقول: العربية السودا، والطريق الصحراوي، وما ينفعش تسيبها تعدّي».
سكت لحظة، وبعدها كمل:
— «ولما قفل، بص في اتجاه الطريق وقال لي إننا هنوقف عربية مخالفة. استغربت، لأننا ما كناش رصدنا أي مخالفة أصلًا».
سألته:
— «هل سجلت وقت المكالمة؟»
قال:
— «مش بشكل مباشر، لكن جهاز الدورية بيسجل أوقات الاتصالات اللاسلكية، وكمان فيه كاميرا داخل العربية. ممكن تكون سجلت جزء من كلامه».
بصيت ناحية العقيد حازم الشربيني، اللي كان بيتابع التحقيق من بعيد، وناديته.
لما وصل، نقلت له كلام مالك، وطلبت منه يتعامل مع المعلومة باعتبارها خيطًا محتملًا، مش دليلًا نهائيًا.
العقيد هز رأسه وقال:
— «هنراجع تسجيلات الدورية، وسجلات الاتصالات المتاحة قانونيًا، وهنطلب فحص هاتفه بأمر رسمي لو استدعى التحقيق ده. محدش هيتهم حد قبل ما نتأكد».
كنت مرتاحة إن التحقيق بدأ ياخد مساره الصحيح، لكن عقلي كان مشغولًا بحاجة تانية.
مين كان يعرف خط سيري في المهمة السرية؟




