
خط السير ده ما كانش متاحًا لأي شخص خارج نطاق محدود جدًا من المسؤولين.
ولو حد عرفه من غير تصريح، فده معناه إن فيه احتمال لوجود تسريب للمعلومات.
لكن ما كنتش هسمح للشكوك إنها تسبق الأدلة.
بعد الفحص الطبي الأولي، أكد الطبيب إن عندي كدمات في الظهر وآثار ضغط واضحة حول الرسغين، لكنه طلب مني أعمل فحوصات إضافية لو الألم زاد.
كنت قادرة أتحرك، لكن جسمي كله كان مرهقًا.
قبل ما أركب السيارة اللي هتنقلني لمقر التحقيق، رجعت بصيت على الرولز رويس بتاعتي.
الزجاج الأمامي كان متحطمًا، وجزء من غطاء المحرك اتخدش، والتمثال الصغير اللي على المقدمة كان متضررًا.
ما كانش الموضوع بالنسبة لي مجرد عربية غالية.
العربية كانت مجهزة بنظام اتصال خاص بالمهمة اللي كنت مكلفة بيها، وكان لازم نعرف إذا كان التدمير أثّر على بياناتها أو كشف أي معلومات حساسة.
قرب مني المهندس شريف منصور، المسؤول عن الفحص الفني.
قال:
— «يا فندم، عندنا نتيجة أولية».
سألته بسرعة:
— «وصلتوا لإيه؟»
فتح جهازه وورّاني شاشة عليها سجلات زمنية.
— «الضرر اللي أصاب الهوائي الرئيسي يفسر انقطاع الإشارة، لكن فيه محاولة وصول غير معتادة اتسجلت قبل ما العربية تتوقف بوقت قصير. لسه مش قادرين نحدد مصدرها، ولا إذا كانت مرتبطة بالحادث».
سألته:
— «هل المحاولة دي نجحت؟»
رد بحذر:
— «ما عندناش دليل إنها نجحت، لكن محتاجين نراجع السجلات الكاملة ونتأكد إن مفيش بيانات اتعرضت للوصول غير المصرح به».
قلت له:
— «عايزاك توثق كل خطوة، وتحافظ على النسخة الأصلية من البيانات، وأي تحليل يتم على نسخة منفصلة».
هز رأسه وابتعد عشان يكمل شغله.
في اللحظة دي، رن هاتفي الشخصي.
كان الاتصال من العميد محمود الشاذلي، المسؤول عن متابعة المهمة العسكرية.
رديت فورًا:
— «أيوه يا فندم».
جالي صوته حازمًا:
— «نورهان، إحنا فقدنا الاتصال بيكي، وبعدها وصلنا بلاغ عن حادث على الطريق. إنتِ كويسة؟»
قلت له:
— «أنا بخير نسبيًا يا فندم. اتعرضت لتجاوزات من أحد أفراد الشرطة، والعربية اتدمرت جزئيًا. التحقيق بدأ، والفريق الفني بيفحص معدات الاتصال».
سكت لحظات، وبعدها سألني:
— «هل فيه أي مؤشرات إن الحادث مرتبط بالمهمة؟»
بصيت ناحية العربية، وقلت:
— «لسه ما عنديش دليل قاطع، لكن فيه معلومة أولية عن اتصال مجهول سبق توقيفي، وكمان محاولة وصول غير معتادة سجلها النظام».
اتغيرت نبرة صوته.
— «اسمعيني كويس. ما تستنتجيش أي حاجة قبل الفحص، لكن من دلوقتي هنراجع كل إجراءات تأمين المهمة. أي بيانات تخصها لازم تفضل محمية».
قلت:
— «مفهوم يا فندم».
وقبل ما ينهي المكالمة، قال:
— «وفيه حاجة تانية. إحنا راجعنا سجل دخولك الأخير على النظام، وظهر تنبيه محتاجين نفهم سببه».
قلبي انقبض.
— «تنبيه إيه؟»
رد:
— «حصل طلب للاطلاع على جزء من ملف المهمة من حساب داخلي، قبل تحركك بوقت قصير. الطلب اترفض تلقائيًا، لكننا لسه بنحدد مين اللي بدأه».
وقفت مكاني من غير ما أتكلم.
حساب داخلي؟
يعني إن الشخص اللي حاول يطّلع على الملف ممكن يكون عنده صلاحية دخول إلى شبكة العمل، أو إنه استخدم حسابًا بطريقة غير مصرح بيها.
لكن لسه ما نعرفش مين.
قلت للعميد:
— «هل الطلب اتسجل باسم مستخدم محدد؟»
رد:
— «أيوه، لكن لازم نراجع سجلات الدخول ومصدر الطلب قبل ما نحدد المسؤول. هنبعت التفاصيل للفريق المختص».
انتهت المكالمة، وأنا بدأت أفكر في كل خطوة حصلت من بداية اليوم.
كنت مكلفة بالتحقيق في مخالفات مالية داخل إحدى الجهات المتعاقدة مع الجيش، وكنت راجعة بعد ما سلّمت جزءًا من المستندات لفريق المراجعة.
المستندات دي كانت بتشير إلى وجود تحويلات مالية غير مبررة، لكن التحقيق ما كانش وصل لمرحلة تسمح باتهام أي شخص بعينه.
هل حد حاول يوقفني عشان يخوفني؟
هل كان هدفه تعطيل وصولي للقيادة؟
ولا الحادث كله مجرد مصادفة، والاتصال المجهول ملوش علاقة بالمهمة؟
ما كانش عندي إجابة.
لكن كان عندي سبب قوي إني أتعامل مع كل الاحتمالات بحذر.
في مقر التحقيق، بدأ العقيد حازم يستمع لأقوال كل شخص بشكل منفصل.
رحمة عكاشة سلّمت نسخة من الفيديو اللي صورته، ووافقت تقدم إفادتها رسميًا.
مالك الأنصاري قدّم أقواله، وطلب تثبيت اعتراضاته على تصرفات شريكه من خلال التسجيلات المتاحة.
أما جاسر الجندي، فكان متمسكًا بروايته إنه اشتبه في العربية، وإنه استخدم القوة لأنه اعتقد إني بحاول أهرب.
لكن لما اتعرض عليه جزء من الفيديو، ظهر فيه بوضوح إنه وجّه السلاح ناحيتي قبل ما يطلب مني أي مستندات، اتغير كلامه.
قال:
— «أنا كنت متوتر، وحصل مني تجاوز في التقدير».




