روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

العقيد رد عليه:

— «التوتر مش مبرر لتدمير ممتلكات أو تهديد أشخاص بالسلاح. التحقيق هو اللي هيحدد المسؤولية».

بعدها عرضوا عليه لقطة من الفيديو ظهر فيها وهو بيهدد رحمة لأنها كانت بتصور.

جاسر ما ردش.

كان عارف إن الفيديو هيتراجع إطارًا بإطار، وإن كل كلمة قالها ممكن تتقارن بالتسجيلات الأخرى.

لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت لما فريق التحقيق راجع تسجيلات كاميرا الدورية.

في بداية التسجيل، قبل توقيفي بدقائق، ظهر جاسر وهو بيبص على هاتفه، وبعدها بيتكلم مع مالك.

الصوت ما كانش واضحًا بالكامل، لكن جزءًا من المحادثة كان مسموعًا.

قال جاسر في التسجيل:

— «أول ما تشوف العربية السودا، وقفها فورًا».

مالك سأله:

— «على أي أساس؟»

جاسر رد:

— «التعليمات اللي وصلتنا».

وبعدها انتهى الجزء الواضح من التسجيل.

العقيد حازم أعاد المقطع مرتين، ثم طلب نسخة أصلية من التسجيل وسجلات الاتصالات المرتبطة به.

وبعدها سأل مالك:

— «هل دي أول مرة تسمع فيها الكلام ده؟»

مالك هز رأسه.

— «أيوه يا فندم. دي أول مرة أسمعه بوضوح».

أما جاسر، فلما واجهوه بالتسجيل، قال إن المقصود كان متابعة عربية مشتبه فيها، وإنه لا يتذكر تفاصيل الاتصال.

لكن السؤال بقى واضحًا:

مين أصدر التعليمات اللي كان بيتكلم عنها؟

في المساء، وصل تقرير أولي من فريق الفحص الرقمي.

ما كانش التقرير كافيًا لتحديد هوية الشخص اللي حاول الوصول إلى ملف المهمة، لكنه أكد إن فيه طلبًا غير معتاد تم تسجيله قبل توقيفي، وإن المحاولة محتاجة مراجعة إضافية.

وفي نفس الوقت، اكتشف الفريق إن بعض بيانات الاتصال الموجودة داخل العربية ما زالت سليمة، وإن بالإمكان استعادة جزء من السجل الزمني قبل انقطاع الإشارة.

طلبت من الفريق إرسال النتائج إلى الجهة العسكرية المختصة، مع التأكيد على عدم تداول أي تفاصيل خارج القنوات الرسمية.

بعدها رجعت لمكتبي، وفتحت الملف الورقي الخاص بالتحقيق المالي اللي كنت بشتغل عليه.

راجعت أسماء الشركات، وتواريخ التحويلات، والمستندات اللي كنت جمعتها خلال الأسابيع الماضية.

كان فيه اسم واحد بيتكرر في أكتر من معاملة، لكنه ما كانش كافيًا لوحده لإثبات أي مخالفة.

كتبت الاسم في مذكرة منفصلة، وطلبت مراجعة علاقته بالتعاقدات محل التحقيق، من غير ما أعتبره متهمًا.

كنت لسه براجع الأوراق لما وصلني اتصال جديد من العميد محمود الشاذلي.

قال:

— «نورهان، الفريق قدر يحدد معلومة مهمة عن طلب الوصول للملف».

وقفت من مكاني.

— «إيه هي يا فندم؟»

رد:

— «الطلب اتنفذ باستخدام حساب موظف موجود فعلًا داخل الجهة، لكن ده مش معناه بالضرورة إن الموظف نفسه هو اللي استخدمه. لازم نتحقق من الجهاز، ووقت الدخول، وسجل الصلاحيات».

سألته:

— «والاسم؟»

ذكر لي اسمًا كنت أعرفه جيدًا، لأن صاحبه كان قد شارك في اجتماع إداري متعلق بالمهمة قبل أيام.

ما كانش الشخص ده ضمن فريق التحقيق الأساسي، لكنه كان قريبًا من بعض الملفات الإدارية اللي بنراجعها.

سكتّ لحظة، ثم قلت:

— «هل عندنا دليل يربطه بالاتصال اللي سبق توقيفي؟»

رد:

— «لأ. لسه مفيش رابط مثبت. عندنا واقعتان محتاجين نتحقق إذا كان بينهما ارتباط أم لا».

أنهيت المكالمة، وكتبت ملاحظة واضحة في الملف:

لا توجد حتى الآن أدلة كافية لإثبات وجود تنسيق بين محاولة الوصول إلى الملف وحادث الطريق.

كنت عارفة إن التحقيق الحقيقي مش إننا نلاقي شخصًا نشك فيه ونحاول نثبت عليه الشك، لكن إننا نجمع الأدلة ونسيبها توصلنا للحقيقة.

ومع ذلك، ما قدرتش أتجاهل إن شخصًا ما حاول الوصول إلى ملف حساس، وبعدها بفترة قصيرة تم توقيفي بطريقة غير طبيعية.

هل كانت مصادفة؟

ولا كانت بداية خيط أخطر؟

في صباح اليوم التالي، وصلني اتصال من العقيد حازم.

قال بصوت جاد:

— «يا فندم، محتاجين حضرتك تشوفي تسجيلًا جديدًا».

وصلت لمقر التحقيق، ودخلت غرفة صغيرة فيها شاشة كبيرة.

كان مالك الأنصاري موجودًا، ومعاه رحمة عكاشة، اللي حضرت عشان تستكمل أقوالها.

العقيد شغّل التسجيل.

المرة دي، ما كانش الفيديو من كاميرا الدورية.

كان من كاميرا مراقبة موجودة عند محطة وقود قريبة من مكان توقيفي.

ظهر جاسر وهو واقف جنب سيارة الشرطة قبل الحادث بوقت قصير، وبيتكلم مع شخص واقف بعيد عن الكاميرا.

ملامح الشخص ما كانتش واضحة، لكن ظهر إنه سلّم جاسر ورقة صغيرة، وبعدها أشار ناحية الطريق.

جاسر أخد الورقة، وبص فيها، ثم رجع لعربيته.

العقيد أوقف الفيديو عند اللحظة دي.

بصيت للشاشة بتركيز، وقلت:

— «هل قدرتم تحددوا هوية الشخص؟»

رد العقيد:

— «مش لسه. الصورة مش واضحة بما يكفي، لكن فريق الأدلة الرقمية بيحاول يحسنها من غير ما يغيّر المحتوى الأصلي».

مالك قرب من الشاشة وقال:

— «أنا فاكر إن جاسر كان ماسك ورقة فعلًا، لكنه قال لي إنها بيانات دورية عادية».

سألته:

— «هل شفت اللي مكتوب عليها؟»

رد:

— «لأ، لكن دلوقتي بقيت متأكد إن الموضوع مش طبيعي».

العقيد طلب منه يثبت المعلومة في أقواله، ثم التفت إليّ.

— «إحنا محتاجين نعرف إذا كانت الورقة مرتبطة بتوقيف العربية، ولا بموضوع تاني. لحد ما نعرف، مش هنقدر نجزم بحاجة».

هزيت رأسي.

كنت موافقة.

لكن وأنا خارجة من غرفة المشاهدة، لفت انتباهي تفصيل صغير في آخر ثانيتين من الفيديو.

الشخص المجهول كان لابس ساعة معدنية ذات تصميم مميز، وعلى إيده خاتم عليه علامة واضحة نسبيًا.

ما قلتش حاجة وقتها، وطلبت نسخة من الإطار الأصلي عشان أراجعها مع الفريق المختص.

وبعد ساعات من المراجعة، ظهرت نتيجة أولية.

الخاتم كان يحمل شعار شركة خاصة بتقديم خدمات أمنية وتقنية، وهي شركة سبق أن تعاملت مع إحدى الجهات المتعاقدة في الملف المالي اللي كنت براجعه.

لكن مجرد ظهور شعار الشركة ما كانش دليلًا على تورطها، ولا على تورط أي موظف فيها.

كان مجرد تفصيل جديد يستحق الفحص.

رجعت لمكتبي، وحطيت صورة الخاتم جنب قائمة الشركات الموجودة في ملف التحقيق.

وبعدين رن هاتفي برسالة من العقيد حازم:

«وصلنا رد أولي على طلب فحص سجلات الاتصال. فيه رقم اتكرر في محيط الواقعة، وظهر كمان في سجل اتصال سابق مع هاتف جاسر. محتاجين نراجع البيانات قبل تحديد صاحب الرقم».

قرأت الرسالة مرتين.

وبعدها فتحت الملف وكتبت في آخر الصفحة:

الخطوة التالية: التحقق من صاحب الرقم، ومصدر التعليمات، وعلاقته المحتملة بالملف المالي، من غير افتراض وجود رابط قبل ظهور الدليل.

كنت فاكرة إن أصعب جزء في القضية هو اللي حصل على الطريق.

لكن دلوقتي، بقى عندنا فيديو، واتصال مجهول، وطلب وصول غير معتاد إلى ملف سري، وشخص لم تتحدد هويته بعد.

وكل خيط من دول كان ممكن يقودنا لاتجاه مختلف تمامًا.

والسؤال اللي كان بيطاردني قبل نهاية اليوم هو: هل الشخص اللي سلّم جاسر الورقة كان مجرد مصدر لمعلومة، ولا كان عارف بالضبط مين اللي هيتم توقيفه، وإيه اللي كان المفروض يحصل بعد كده؟
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى