
«مدام ندى، فيه حاجة مهمة لازم تعرفيها عن وفاة والدك».
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
سألته:
«إيه هي؟»
فتح الملف الأخير، وطلع صورة قديمة لعربية أبويا بعد الحادث.
وقال جملة خلت أمي تحط إيدها على بقها من الصدمة:
«الحادث اللي مات فيه والدك، فيه تقرير فني اتخفى من ملف القضية، والتقرير ده بيقول إن العربية كان فيها عطل قبل الحادث… والأخطر إن حد دفع فلوس عشان التقرير الأصلي ما يوصلش للنيابة».
بصيت لأمي، وبعدين رجعت بصيت للمستشار.
وسألته بصوت مرتعش:
«يعني إيه؟ هو أبويا ما ماتش في حادث عادي؟»
قبل ما يرد، موبايله رن.
رد بسرعة، وسمعته بيقول:
«إيه؟! مين اللي دخل الأرشيف؟»
وبعد ثواني قفل المكالمة وبصلي بجدية.
وقال:
«لازم نتحرك فورًا… لأن الشخص اللي معاه التقرير الأصلي اختفى من بيته من ساعة واحدة».
والأخطر إن الشخص ده كان آخر واحد شاف أبوكي قبل الحادث بثلاث ساعات!
يتبع…
المستشار ياسر قفل الملف بسرعة، وطلب من الرجالة اللي معاه يتحركوا فورًا.
أنا وقفت قدامه وسألته:
«مين الشخص اللي اختفى؟ وإيه علاقته بأبويا؟»
بصلي لحظة، وبعدين قال:
«اسمه عماد الشربيني، كان شغال ميكانيكي في ورشة قريبة من دمنهور، وهو الشخص اللي فحص عربية والدك قبل الحادث بساعات».
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
«يعني الراجل ده كان عارف إن العربية فيها عطل؟»
رد المستشار:
«حسب المعلومات اللي وصلتنا، عماد اكتشف إن فيه مشكلة خطيرة في نظام الفرامل، لكنه اختفى بعد الحادث، والتقرير اللي كتبه وقتها ما ظهرش في ملف القضية».
بصيت لأمي، لقيتها قاعدة على الكرسي ووشها أصفر.
قالت بصوت ضعيف:
«أنا كنت حاسة إن موت أبوك مش طبيعي… بس ماكنتش عارفة أعمل إيه».
قربت منها ومسكت إيدها.
«اطمني يا أمي، المرة دي الحقيقة هتظهر».
خرجنا من المطعم، وركبنا العربيات واتجهنا ناحية الورشة القديمة.
لكن لما وصلنا، لقينا بابها مقفول، والناس اللي في المنطقة قالوا إن عماد مشافوش من يومين.
واحد من أصحاب المحلات قرب مننا وقال للمستشار ياسر:
«أنا شوفته امبارح بالليل، وكان فيه اتنين واقفين قدام الورشة، ولما خرج ركب معاهم عربية سودا».
سأله المستشار:
«تعرف مين هما؟»
هز الراجل راسه وقال:
«واحد منهم كان شغال مع جابر الدمنهوري زمان».
بدأت الصورة توضح أكتر.
رجعنا للمقر، وهناك المستشار ياسر وراني مستندات إضافية.
كانت فيه تحويلات مالية تمت قبل وفاة أبويا بأيام، ومبالغ اتدفعت لأشخاص ليهم علاقة بتقييم العقارات وبملف الحادث.
لكن اسم واحد كان بيتكرر في أكتر من مستند.
الرائد سامح!
قلت للمستشار:
«يعني رئيس المباحث كان متورط من البداية؟»
رد بحذر:
«لسه ما نقدرش نحكم قبل ما نسمع أقواله ونفحص المستندات، لكن فيه مؤشرات تستدعي التحقيق».
وفي اللحظة دي، دخل واحد من أفراد الفريق ومعاه ظرف بني قديم.
قال:
«الظرف ده وصل من غير اسم مرسل، ومكتوب عليه اسم الأستاذة ندى».
فتحته بإيدي، ولقيت جواه مفتاح صغير وورقة مكتوب فيها بخط أبويا:
«يا ندى، لو وصل المفتاح ده ليكي، يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة. دوري في الدولاب الخشبي القديم اللي في مخزن المطعم. ومهما حصل، ما تثقيش في أي حد يقولك إن الموضوع انتهى».
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
أبويا كان سايبلي رسالة من ست سنين!
طلبت من المستشار نرجع المطعم فورًا.
وصلنا، ودخلت المخزن القديم اللي أمي كانت بتحتفظ فيه بحاجات أبويا.
كان فيه دولاب خشبي كبير، عمره أكتر من ثلاثين سنة.
فتحت الدرج السفلي بالمفتاح.
في البداية ما لقيتش حاجة.
لكن لما حركت اللوح الخشبي اللي في قاع الدرج، اكتشفت تجويف صغير مستخبي جواه صندوق معدني.
فتحته.
كان جواه مجموعة أوراق، وصورة قديمة لأبويا مع جابر الدمنهوري، وذاكرة إلكترونية صغيرة.
لكن اللي صدمني فعلًا كان خطاب طويل مكتوب بإيد أبويا.
بدأت أقرأ:
«بنتي ندى…
لو إنتي بتقري الكلام ده، فمعناه إن اللي كنت خايف منه حصل.
جابر الدمنهوري مش عايز يشتري أرضنا لمجرد إنها موقع مميز، الأرض دي عليها مستندات قديمة تثبت إن جزء كبير من الممتلكات اللي سجلها باسمه مش من حقه.
أنا اكتشفت إن فيه تلاعب في عقود البيع والتوكيلات، وإن فيه عائلات اتسلبت حقوقها بنفس الطريقة.
حاولت أبلغ، لكن كل مرة كنت بلاقي حد بيحذرني إني أبعد عن الموضوع.
أنا مش خايف على نفسي، لكن خايف عليكي وعلى أمك.
عشان كده احتفظت بكل الأدلة هنا».
وقفت عن القراءة، وبصيت للمستشار ياسر.
قلتله:
«يعني أبويا كان بيجمع أدلة ضد جابر من قبل ما يموت؟»
رد:
«واضح إن والدك كان بيحاول يكشف شبكة تلاعب كبيرة».
فتحت الذاكرة الإلكترونية على جهاز آمن، وبدأنا نشوف الملفات اللي عليها.
كان فيه تسجيل صوتي لأبويا مع شخص تاني.
سمعنا صوت أبويا بيقول:
«أنا مش همضي على أي ورقة، ومش هتنازل عن أرض الناس اللي اتظلمت».
وبعدين جه صوت جابر الدمنهوري:
«فكر في مراتك وبنتك يا محمود… الدنيا مش مستاهلة إنك تخسرهم بسبب شوية ورق».
أبويا رد عليه:
«أنا مش هسيب حق حد يتاخد بالباطل».
التسجيل انتهى فجأة.
أمي كانت واقفة ورايا، ودموعها بتنزل في صمت.
قالت:
«كان بيخبّي عني كل ده عشان ما أخافش».
قربت منها وحضنتها.
لكن قبل ما نكمل، ظهر إشعار على شاشة الجهاز.
كان فيه ملف أخير بعنوان:
«الشخص اللي كان مع جابر ليلة الحادث».
فتحنا الملف، وظهر تسجيل كاميرا مراقبة قديم من محطة بنزين على الطريق الصحراوي.
الصورة كانت مش واضحة قوي، لكن العربية اللي ظهرت في التسجيل كانت عربية أبويا.
وبجانبها عربية تانية.
ولما كبرنا الصورة، ظهر شخص نازل من العربية التانية وواقف بيتكلم مع أبويا.
المستشار ياسر قرب من الشاشة، وفضل باصص للصورة لثواني.
وبعدين قال بصوت منخفض:
«إحنا لازم نعرف الراجل ده مين».
أنا كنت مركزة في الصورة، وفجأة عرفته.
حسيت بصدمة كبيرة، لأن الراجل اللي كان واقف مع أبويا قبل الحادث ماكانش غريب عن العيلة.
كان شخص بنشوفه كل يوم تقريبًا.
كان خالي حسن… أخو أمي!
يتبع…
فضلت باصة للشاشة ومش قادرة أصدق اللي شايفاه.
خالي حسن!
أخو أمي، الراجل اللي كان بيزورنا كل أسبوع، واللي وقف جنبنا بعد وفاة أبويا، واللي كان دايمًا بيقول إنه أكتر واحد زعلان على اللي حصل له.
إزاي يكون هو آخر شخص ظهر مع أبويا قبل الحادث؟
بصيت لأمي، لقيتها حاطة إيدها على صدرها، وبتقول بصوت متقطع:
«لا… مستحيل يا ندى… حسن أخويا، ده كان بيحب أبوكي!»
المستشار ياسر حاول يهديها وقال:
«إحنا لسه ما اتأكدناش من أي حاجة. وجوده في المكان مش معناه إنه متورط».
لكن أنا كنت عارفة إن لازم أواجه خالي.
اتصلت بيه، ورد بعد الرنة التالتة.
قلتله بهدوء:
«إزيك يا خالي؟ عامل إيه؟»
رد بصوت طبيعي:
«الحمد لله يا بنتي، إنتي فين؟ سمعت إنك رجعتي دمنهور».
سألته:
«كنت عايزة أشوفك، فيه موضوع مهم يخص أبويا».
سكت ثواني، وبعدين قال:
«أبوكي الله يرحمه؟ خير يا ندى؟»
قلتله:
«لقيت حاجات قديمة تخصه، وعايزة أوريهالك».
رد بسرعة:
«مش هقدر النهارده، عندي مشوار ضروري».
قبل ما أقفل، سمعته بيقول:
«وبالمناسبة، ابعدي عن موضوع جابر الدمنهوري. الراجل ده مش سهل، ومش عايزك تدخلي نفسك في مشاكل».
قفلت المكالمة وبصيت للمستشار.
قلتله:
«هو عارف إننا بنبحث في الموضوع».
المستشار رد:
«يبقى لازم نتحرك بسرعة، لأن واضح إن فيه حد بيوصل له أخبار تحركاتنا».
قررنا نراقب تحركات خالي حسن من غير ما نواجهه بشكل مباشر.
وبالفعل، بعد ساعات، ظهر وهو خارج من بيته، وركب عربيته واتجه ناحية مخزن قديم على أطراف المدينة.
كان المكان تابع لشركة مقاولات مملوكة لجابر الدمنهوري.
بعد حوالي نص ساعة، خرج من المخزن وهو شايل شنطة كبيرة.
وفي نفس اللحظة، وصل شريف الدمنهوري.
وقفوا جنب بعض، واتكلموا شوية، وبعدها شريف سلّم خالي ظرف ورقي.
المستشار ياسر صور المقابلة وطلب من فريقه يتابع الموضوع رسميًا.
لكن المفاجأة كانت لسه مستنيانا.
في نفس الليلة، وأنا قاعدة مع أمي، رن جرس الباب.
فتحت، ولقيت خالي حسن واقف قدامي.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال:
«إيه يا بنتي؟ هو أنا بقيت غريب عشان ما بتسأليش عليا؟»
دخل وقعد، وبص لأمي وقال:
«إزيك يا فاطمة؟ عاملة إيه؟»
أمي ما ردتش.
فضلت باصة له بعيون مليانة دموع.
أنا جبت اللابتوب وفتحته قدامه، وظهرت صورة محطة البنزين.
قلتله:
«تعرف الراجل اللي في الصورة دي يا خالي؟»
وشه اتغير للحظة، لكنه حاول يتماسك.
قال:
«مش واضح مين ده».
كبرت الصورة وقلت:
«خد بالك كويس… ده إنت».
فضل ساكت.
وبعدين قال بعصبية:
«إنتي بتتهميني بإيه يا ندى؟»
رديت:
«أنا بس عايزة أفهم إيه اللي حصل ليلة وفاة أبويا».
قام من مكانه، وبدأ يتحرك في الأوضة بعصبية.
وقال:
«إنتي مش فاهمة حاجة! أبوكي كان عنيد، وكان داخل في مشاكل أكبر منه».
سألته:
«مشاكل مع جابر الدمنهوري؟»
بصلي، وسكت.
وبعدين قال جملة خلت أمي تنهار في العياط:
«أبوكي هو اللي رفض يسمع الكلام، وأنا حاولت أحميه على قد ما أقدر».
صرخت أمي:
«تحميه من إيه يا حسن؟! إنت كنت عارف إن فيه خطر على جوزي؟!»
خالي نزل عينه للأرض.
وبعد لحظات قال:
«أنا ما كنتش عايز اللي حصل يحصل».
قربت منه وقلت:
«يعني إنت كنت عارف إن فيه حد هيأذيه؟»
رفع عينه ليا، وبدأ يتكلم بصوت مكسور:
«جابر طلب مني أخوف محمود وأقنعه يبعد عن موضوع الأراضي. قال لي إن الموضوع مجرد تهديد عشان أبوكي يغير رأيه ويبيع الأرض».
أمي كانت بتبكي وبتقول:
«وسبت جوز أختك يواجه كل ده لوحده؟!»
خالي حاول يبرر:
«أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده. بعد الحادث جابر اداني فلوس، وطلب مني أسكت، وقال إن لو اتكلمت هتتأذوا إنتوا كمان».
بصيت له باحتقار وقلت:
«يعني سكت ست سنين؟ وسيبتنا نعيش وإحنا فاكرين إن أبويا مات في حادث عادي؟»
ما ردش.
لكن قبل ما نكمل، موبايله رن.
بص للشاشة، ولما شاف الاسم، ارتبك جدًا.
كان جابر الدمنهوري.
رفض يرد أول مرة، لكن الموبايل رن تاني.
المستشار ياسر، اللي كان موجود في الغرفة المجاورة، دخل وطلب منه يرد على المكالمة.
حط الموبايل على مكبر الصوت.
جاء صوت جابر غاضبًا:
«إنت فين يا حسن؟! أنا مش قولتلك تتخلص من الأوراق القديمة؟»
خالي اتجمد مكانه.
جابر كمل:
«اسمعني كويس، البنت دي لازم توقف عند حدها، وإلا كل اللي بنيناه هينهار».
المستشار ياسر أشار لأحد الضباط بتسجيل المكالمة، وبعدها أنهى الاتصال.
خالي حسن غطى وشه بإيديه وبدأ يبكي.
أما أمي، فقامت من مكانها وقالت له:




