
«أنا مش هقدر أسامحك يا حسن… مش بعد اللي عملته في أخويا».
في اللحظة دي، المستشار ياسر قال:
«دلوقتي بقى عندنا اعتراف وشهادة وتسجيلات، لكن لسه فيه حاجة ناقصة».
سألته:
«إيه هي؟»
فتح الملف اللي معاه، وطلع صورة لعقد ملكية قديم.
وقال:
«الأرض اللي جابر الدمنهوري بيحاول يستولي عليها مش أرض عادية. فيه مستند أصلي يثبت إن جزء كبير منها ملك لعشرات العائلات، ووالدك كان محتفظ بنسخة منه».
بصيت له باستغراب:
«يعني إيه؟»
رد:
«يعني جابر مش بس حاول ياخد مطعم والدتك… ده ممكن يكون استولى على حقوق عائلات كاملة، ولو المستند الأصلي ظهر، كل العقود اللي عملها هتخضع للمراجعة».
وقبل ما أقدر أسأله عن مكان المستند، دخل أحد الضباط مسرعًا وقال:
«يا فندم، عندنا مشكلة كبيرة».
المستشار سأله:
«إيه اللي حصل؟»
رد الضابط:
«مخزن الشركة اللي كان فيه المستندات القديمة حصل فيه حريق، وكل الملفات اللي جواه اتلفت».
بصيت للمستشار، فقال بهدوء:
«واضح إن جابر عرف إننا قربنا نوصل للحقيقة».
لكن أنا افتكرت حاجة مهمة جدًا.
أبويا كان دايمًا بيقول إن الورق ممكن يضيع، لكن الحقيقة عمرها ما بتضيع.
وقتها افتكرت إنه كان بيحتفظ بنسخة من كل ورقة مهمة عند شخص واحد بس.
شخص ماحدش فينا كان يتوقعه.
عمتي زينب… أخت أبويا اللي قاطعها من سنين!
يتبع في الجزء القادم…
### الجزء الأخير: الحقيقة ظهرت… واللي افتكر إن محدش يقدر يحاسبه دفع تمن كل اللي عمله!
أول ما افتكرت عمتي زينب، حسيت إن فيه أمل أخير ممكن ينقذنا من اللي بيحصل.
اتصلت بيها، وبعد ما سمعت صوتي، فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت:
«ندى؟ إنتي رجعتي دمنهور يا بنتي؟»
قلت لها:
«أيوه يا عمتي، ومحتاجة أشوفك ضروري. الموضوع يخص أبويا».
اتغير صوتها وقالت:
«كنت مستنية اليوم ده من سنين. تعاليلي، بس لوحدك».
رحت بيتها في نفس الليلة.
كانت ست كبيرة عايشة لوحدها في بيت قديم، محتفظة بصور العيلة وكل الحاجات اللي بتفكرها بأخوها.
أول ما شافتني، حضنتني وفضلت تبكي.
وقالت:
«أبوكي كان عارف إن فيه ناس بتخطط تاخد الأرض، وكان عارف إن الموضوع ممكن يوصله للخطر. قبل ما يموت بأيام، سلّمني ظرف وقال لي أحافظ عليه لحد ما تيجي ساعة الحقيقة».
دخلت أوضتها، وطلعت صندوق خشب صغير.
فتحته، وطلعت منه ملف كبير متغلف كويس.
كان جواه عقود ملكية أصلية، وإيصالات، وصور تحويلات مالية، ونسخة من مستندات تثبت إن جابر الدمنهوري استولى على أراضي عائلات كتير باستخدام عقود مشكوك في صحتها.
لكن كان فيه مستند أخطر من كل دول.
ورقة عليها توقيع جابر الدمنهوري، بتثبت إنه كان عارف إن الأرض ملك لأصحابها الأصليين، ومع ذلك حاول تسجيلها باسم شركته.
بصيت لعمتي وقلت:
«إنتي كنتي عارفة بكل ده من زمان؟»
قالت وهي بتمسح دموعها:
«أيوه، لكن أخوكي وصاني ما أتكلمش غير لما يبقى فيه حد يقدر يحمي المستندات ويكشف الحقيقة. وأنا استنيت لحد ما رجعتي».
أخدت الملف وروحت للمستشار ياسر.
أول ما شاف الأوراق، طلب تشكيل لجنة لفحصها ومراجعة العقود القديمة، وتم تقديم بلاغ رسمي بكل الأدلة والتسجيلات.
وخلال أيام، بدأت التحقيقات تتوسع.
تم استدعاء جابر الدمنهوري، وشريف ابنه، والرائد سامح، ورئيسة مجلس المدينة سلوى منصور.
في البداية، جابر حاول ينكر كل حاجة.
وقال إن كل العقود قانونية، وإن الناس باعت أراضيها بمزاجها.
لكن لما واجهوه بالتسجيلات والتحويلات والمستندات الأصلية، بدأ كلامه يتناقض.
أما شريف، فحاول يقول إن اللي حصل مع أمي كان مجرد سوء تفاهم.
لكن فيديو المطعم كان واضح، وشهادة منى وباقي الأدلة أكدت اللي حصل.
والأهم إن التحقيقات كشفت وجود تلاعب في عدد من ملفات الأراضي، واستغلال للنفوذ في تعطيل شكاوى المواطنين.
تم اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المتورطين، وبدأت الجهات المختصة تراجع كل العقود المشكوك فيها، واتفتح ملف وفاة أبويا من جديد بعد ظهور الأدلة المتعلقة بحادث العربية.
وبعد فترة، تم استدعاء خالي حسن للإدلاء بأقواله كاملة.
واعترف إنه استلم فلوس من جابر مقابل إخفاء بعض المعلومات، وإنه كان عارف إن أبويا بيتعرض لضغوط بسبب رفضه التنازل عن الأرض.
أما بخصوص الحادث، فقد قدم معلومات ساعدت جهات التحقيق في الوصول لأشخاص كانوا على صلة بالموضوع.
ومع استمرار التحقيقات، ظهرت أدلة جديدة على وجود تلاعب متعمد في ملف الحادث، وأصبح فيه مسار تحقيق مستقل لتحديد المسؤولية عن وفاة أبويا.
لكن أجمل لحظة بالنسبة لي ما كانتش في التحقيقات ولا في الأخبار.
كانت يوم ما رجعت المطعم مع أمي.
المطعم كان مقفول بقاله فترة، والناس اللي كانوا بيعدوا من قدامه بقوا يقفوا يبصوا علينا.
أمي وقفت ورا الكاونتر، وحطت إيدها على المكان اللي كانت واقفة فيه يوم الاعتداء.
وقالتلي:
«كنت فاكرة إني هخسر كل حاجة يا ندى».
مسكت إيدها وقلت:
«إنتي ما خسرتيش حاجة يا أمي. ده مكانك، وتعب أبويا، وذكرياتنا».
ابتسمت، وطلبت مني أفتح الباب.
علّقنا لافتة جديدة فوق المدخل مكتوب عليها:
مطعم الحاجة فاطمة… فاتحين أبوابنا لكل الناس.
وفي أول يوم رجعنا فيه الشغل، دخل راجل كبير في السن، كان من الزبائن القدامى.
قرب من أمي وقال:
«سامحينا يا حاجة فاطمة. إحنا خفنا، وماعرفناش نقف جنبك وقت ما كنتي محتاجانا».
أمي بصت له وقالت:
«أنا مش زعلانة من حد، بس نفسي الناس تتعلم إن السكوت عن الغلط بيخلي الغلط يكبر».
الراجل نزل عينه وقال:
«ربنا يباركلك يا حاجة».
وبعدها بدأت الناس ترجع واحدة ورا التانية.
أما منى، النادلة اللي صورت الفيديو، فرجعت تشتغل معانا، وأمي أصرت إنها تكون مسؤولة عن المطعم لما هي تحتاج ترتاح.
وبعد شهور، بدأت حقوق بعض العائلات ترجع من خلال الإجراءات القانونية، واتفتحت ملفات الأراضي القديمة من جديد.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع أمي قدام المطعم، طلعت صورة أبويا من المحفظة وحطيتها على الترابيزة.
أمي بصت للصورة وقالت:
«كان نفسه يشوف اليوم ده».
قلت لها:
«هو يمكن مش موجود وسطنا، لكن الحقيقة اللي كان بيدافع عنها ظهرت».
سكتنا شوية، وبعدين أمي قالت:
«عارفة يا ندى؟ أنا يوم ما شريف زقني على الأرض، ماكانش أكتر حاجة وجعتني إني وقعت… أكتر حاجة وجعتني إن الناس اللي كنت بعتبرهم أهلي سابوني لوحدي».
مسكت إيدها وقلت:
«عشان كده لازم نفضل فاكرين إن الشهامة مش كلام، وإن وقت الشدة هو اللي بيكشف معادن الناس».
أمي ابتسمت وقالت:
«الحمد لله إن الحق ظهر».
وفي اللحظة دي، دخل طفل صغير المطعم، ومعاه شوية فلوس معدنية، وطلب ساندوتش.
أمي بصت له وسألته:
«معاك كام يا حبيبي؟»
قال بخجل:
«معايا خمسة جنيه بس».
أمي عملت له ساندوتش كامل، وحطته قدامه وقالت:
«خد يا حبيبي، ولما تكبر وتشتغل ابقى ادعيلي».
بصيت لها وابتسمت.
دي كانت أمي اللي أعرفها.
الست اللي اتعرضت للإهانة، لكنها ما سمحتش للي حصل يغير قلبها.
أما أنا، فاتعلمت درس عمري ما هنساه:
النفوذ ممكن يخلي الناس تسكت، والفلوس ممكن تشتري صمت البعض، والخوف ممكن يخلي الشهود يخبّوا الحقيقة…
لكن مفيش ظلم بيفضل مستخبي للأبد.
وأقوى انتصار مش إنك تشوف اللي ظلمك بيتعاقب وبس، لكن إنك تقدر ترجع تقف في نفس المكان اللي حاول يكسرك فيه، وتكمل حياتك مرفوع الراس.
النهاية.




