عام

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

«مريم! أخيرًا رجعتي تدوري على حق والدك.»

سألته بسرعة:

«أنا عايزة أعرف كل حاجة يا أستاذ فؤاد. إيه علاقة عماد السيوفي بأبويا؟ وإيه حكاية الظرف الأزرق؟»

اتنهد، وطلب مننا نقعد.

وبعدها فتح خزنة حديدية قديمة، وطلع منها ظرف أزرق كبير، مكتوب عليه بخط والدي:

«إلى ابنتي مريم… لا يُفتح إلا إذا حاول أحد الاستيلاء على حقها.»

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف.

جواه كان فيه خطاب طويل، وصور مستندات، ونسخة من اتفاقية شراكة قديمة.

بدأت أقرأ.

والدي كان كاتب إنه قبل وفاته بسنوات، دخل في شراكة تجارية مع عماد السيوفي، والد أدهم.

في البداية، كانت العلاقة بينهم ممتازة، لكن بعد فترة اكتشف والدي وجود مخالفات مالية في حسابات الشراكة.

ولما واجهه، حصل خلاف كبير بينهم، وانتهت الشراكة رسميًا.

والدي كتب في الخطاب إنه اكتشف محاولات للتصرف في بعض الأصول من غير موافقته، ولذلك قرر إنه يحفظ كل حقوقي القانونية، ويمنع أي شخص من الوصول للممتلكات دي.

رفعت عيني وسألت الأستاذ فؤاد:

«يعني أدهم كان عارف بتاريخ الخلاف ده؟»

رد بحزن:

«أيوه. ووالدك كان قلقان جدًا من عائلة السيوفي، وكان دايمًا بيقول إنك لازم تختاري شريك حياتك بعناية، لأن مش كل اللي بيقربوا منك بيكونوا بيحبوكي.»

كملت قراءة الخطاب.

وفي آخر صفحة، لقيت جملة خلت دموعي تنزل:

«يا مريم، لو وصلتي للورق ده يومًا، أتمنى تكوني عيشتي حياة سعيدة. أنا ماكنتش عايزك تشيلي هم الفلوس، كنت عايزك تعرفي إن قيمتك مش في اللي تملكيه، لكن في الشخص اللي إنتِ عليه.»

حطيت الخطاب على المكتب ومسحت دموعي.

أبويا كان فاهم إن فيه خطر، وحاول يحميني حتى بعد رحيله.

لكن السؤال اللي كان لسه محيرني:

إزاي أدهم دخل حياتي؟

الأستاذ فؤاد طلع مستند تاني وقال:

«فيه مراسلات قديمة بين عماد السيوفي وابنه أدهم. مش هقدر أجزم بكل تفاصيل نواياهم، لكن فيه كلام عن إن أدهم كان عارف إن والدك سايبلك أصول مهمة، وإنه كان مهتم يعرف تفاصيل إدارتها.»

طلبت منه يوريني المراسلات.

لقيت رسالة قديمة مكتوب فيها:

«لازم نفهم مريم وضعها القانوني إيه قبل ما نتحرك في موضوع الشراكة القديمة.»

وتحتها رد من أدهم:

«متقلقش يا بابا، أنا هعرف كل حاجة بنفسي.»

حسيت بغصة كبيرة.

يعني ممكن يكون جوازي كله اتبنى على مصلحة؟

ياسر أخذ نسخًا من المستندات وقال:

«هنقدم الأوراق دي للجهات المختصة، وهنطلب فحص التوقيعات والتصرفات المالية، وكل حاجة هتاخد مجراها القانوني.»

وافقت.

لكن قبل ما نمشي، الأستاذ فؤاد قال جملة أخيرة:

«فيه حاجة لازم تعرفيها. والدك كان سايبلك نصيبًا في استثمارات قديمة، وقيمتها زادت بشكل كبير خلال السنين اللي فاتت. والملكية دي لسه محفوظة باسمك.»

بصيت له باستغراب.

سألته:

«يعني إيه؟»

قال:

«يعني إنك مش بس صاحبة شركتك اللي بنيتيها بنفسك، إنتِ كمان وارثة استثمارات والدك اللي كان حريص يحافظ عليها ليكي.»

لأول مرة من أيام طويلة، حسيت براحة حقيقية.

مش عشان الفلوس.

لكن عشان عرفت إن أبويا كان سايبلي أمانة، وإنه كان مؤمن بيا.

بعد يومين، وصل أدهم إلى الفيلا مع سلمى وسعاد.

كانوا متوقعين إنهم هيدخلوا ويكملوا حياتهم بشكل طبيعي.

لكن أول ما قربوا من البوابة، لقوا مدير العقارات ومعاه مجموعة من الموظفين.

أدهم نزل من العربية وهو بيصرخ:

«إيه اللي بيحصل هنا؟ مين سمحلكم تقفوا قدام بيتي؟»

رد مدير العقارات بهدوء:

«العقار تابع لشركة العاصم القابضة، وتم إرسال إخطار رسمي بإنهاء تصريح إقامتكم. برجاء التنسيق لاستلام متعلقاتكم الشخصية.»

سلمى بصت لأدهم بصدمة.

«إنت قلتلي إن الفيلا بتاعتك!»

أدهم اتوتر وقال:

«اهدي، الموضوع بسيط.»

لكن مدير العقارات قدم له نسخة من المستندات.

«حضرتك مش مالك العقار، ولا عندك عقد إيجار يسمحلك بالإقامة المستقلة فيه.»

سعاد بدأت تصرخ:

«إحنا مش هنمشي! مريم مش من حقها تعمل فينا كده!»

وفي اللحظة دي، وصلت عربية المحامي ياسر.

نزل منها ومعاه ملف كبير.

قال لأدهم:

«أستاذ أدهم، إحنا جايين نستلم بعض المستندات، ونبلغك ببدء الإجراءات القانونية المتعلقة بالتحويلات المالية والتصرفات محل المراجعة.»

أدهم حاول يظهر إنه مش مهتم.

«اعملوا اللي إنتوا عايزينه. أنا معنديش حاجة أخاف منها.»

لكن ياسر فتح الملف وطلع صورة التحويلات البنكية.

«طيب ممكن تفسر لنا سبب تحويل مبالغ كبيرة من حسابات مرتبطة بمصروفات علاج والديك إلى حسابات شركات مرتبطة بيك وبأفراد من عائلتك؟»

أدهم سكت.

سلمى بصت له بذهول.

«يعني إنت كنت بتاخد فلوس مريم وتبعتها لي؟»

ما ردش.

قالت وهي بتحاول تستوعب:

«والشقة اللي اشتريتهالي؟ دي من فلوسها؟»

أدهم صرخ:

«اسكتي يا سلمى!»

لكنها رجعت لورا وقالت:

«إنت كذبت عليا زي ما كذبت عليها!»

سعاد تدخلت بسرعة:

«كلنا كنا بنحاول نحافظ على حق ابننا!»

ياسر رد بحزم:

«الحقوق لا تُحفظ بالتحايل أو استخدام مستندات مشكوك في صحتها. كل واقعة هتتراجع بشكل مستقل، وأي مسؤولية هتثبت هتتحاسب وفقًا للقانون.»

بعد أسابيع من التحقيقات والمراجعات، بدأت الحقيقة تظهر بشكل أوضح.

تم فحص المستندات القديمة، وظهرت اختلافات جوهرية في بعض التوقيعات والتواريخ.

كما كشفت مراجعة الحسابات عن تحويلات مالية غير مبررة، واستخدام أموال كانت مخصصة لمصاريف مختلفة في أغراض أخرى.

وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وأُحيلت الوقائع التي ظهرت فيها شبهات تزوير واستيلاء على الأموال للجهات المختصة.

أما أدهم، فبدأ يكتشف إن الحياة اللي كان فاكر إنه هيعيشها على حسابي انتهت قبل ما تبدأ.

سلمى سابت البيت بعد ما عرفت تفاصيل الأموال والشقة، ورفضت تكمل علاقتها بيه قبل ما تتضح حقيقة كل حاجة.

أما سعاد، فاضطرت تواجه الأسئلة اللي كانت بتهرب منها سنين طويلة.

وبالنسبة للفيلا، تم استردادها لصالح الشركة المالكة، وانتهى تصريح إقامة أدهم فيها.

بعد مرور ستة شهور، كنت واقفة في شرفة مكتبي الجديد، بتبص على القاهرة من فوق.

شركتي كانت بتتوسع، وبدأت أفتح فروع جديدة، ورجعت أركز في حياتي ومستقبلي.

في يوم، وصلني ظرف من المحامي.

كان فيه نسخة من الحكم النهائي في قضية الطلاق، ومعاها المستندات اللي أكدت حقوقي في الممتلكات الخاصة بيا وبالشركة.

وفي آخر الملف، لقيت ورقة صغيرة بخط أدهم.

كان كاتب:

«مريم، أنا عارف إني غلطت، ويمكن خسرتك للأبد. كنت فاكر إن الفلوس هتخليني أعيش مرتاح، وإنك مش هتعرفي تستغني عني. دلوقتي فهمت إني خسرت أكتر مما كنت متخيل. أتمنى تسامحيني يومًا ما.»

قريت الرسالة، وطبقتها، وحطيتها في درج المكتب.

مش لأن قلبي كان لسه متعلق بيه.

لكن لأنني وصلت لمرحلة مش محتاجة فيها أكره حد عشان أعرف أكمل حياتي.

بعدها بيومين، زارتني صديقتي نهى في المكتب، وسألتني:

«إنتِ ندمانة إنك ضيعتي خمس سنين من عمرك معاه؟»

ابتسمت وقلت:

«أنا مش ندمانة إني حبيت أو وثقت. أنا بس اتعلمت إن الحب من غير احترام وأمانة مش كفاية. واللي بيستغل طيبتك مش من حقه يطالبك تفضلي طيبة معاه للأبد.»

ضحكت نهى وقالت:

«طب وإيه أول حاجة هتعمليها دلوقتي؟»

بصيت من الشباك وقلت:

«هعيش لنفسي شوية. هسافر، وأحقق الحاجات اللي أجلتها، وهساعد الناس اللي فعلًا محتاجة المساعدة.»

وبالفعل، خصصت جزءًا من أرباح شركتي لإنشاء صندوق لمساعدة المرضى غير القادرين، لكن المرة دي من خلال مؤسسة رسمية وحسابات واضحة، عشان كل جنيه يوصل لصاحبه.

وفي يوم افتتاح المؤسسة، وقفت قدام الحضور وقلت:

«فيه ناس بتفتكر إن القوة معناها إنك تقدر تاخد من غيرك، وإن الذكاء إنك تعرف تستغل ثقة الناس. لكن الحقيقة إن القوة الحقيقية إنك تقدر تبدأ من جديد بعد ما حد يحاول يكسرك.»

وفي المساء، رجعت بيتي، وفتحت درج صغير كنت محتفظة فيه بصورة قديمة لوالدي.

ابتسمت وأنا ببص للصورة وقلت:

«كنت عندك حق يا بابا… مش كل الناس اللي بتقرب مننا بتكون بتحبنا.»

حطيت الصورة مكانها، وقفلت الدرج.

كنت خسرت خمس سنين من عمري، لكني كسبت نفسي من جديد.

أما أدهم، فكان عنده كل الفرص إنه يعيش حياة محترمة، لكنه اختار الطمع والكذب، وفي النهاية واجه نتائج اختياراته.

والدرس اللي اتعلمته كان بسيط:

مش كل خسارة تبقى نهاية، ومش كل شخص يخرج من حياتك يكون خسارة ليك.

أحيانًا ربنا بيبعد عنك ناس كنت فاكر إنك مش هتعرف تعيش من غيرهم، عشان تكتشف إن حياتك الحقيقية بتبدأ بعد رحيلهم.

تمت بحمد الله.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى