روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

والد آدم السيوفي، اللي مات من سنين!

اتجمدت مكاني.

إزاي صوته موجود في تسجيل حديث نسبيًا؟

وهل وفاة والد آدم كانت فعلًا زي ما كل الناس قالت؟

ولا فيه سر أكبر اتخبّى طول السنين دي؟

يتبع في الجزء الخامس والأخير…
الجزء الخامس والأخير: التسجيل اللي كشف أكبر كذبة… والنهاية اللي ماكانش آدم يتخيلها

فضلت قاعدة قدام التليفون، وبعيد التسجيل مرة ورا التانية.

الصوت كان واضحًا جدًا.

صوت والد آدم، الحاج محمود السيوفي، اللي كل العيلة أعلنت وفاته من عشر سنين.

إزاي صوته موجود في تسجيل بيحكي عن يوسف؟

وإزاي سلمى كانت بتتكلم معاه عن ابني بالطريقة دي؟

اتصلت بآدم فورًا.

رد بعد المحاولة التانية، وكان واضح إنه مشغول بالمواجهة مع سلمى.

قلت له من غير مقدمات:

«آدم، لازم ترجع لي حالًا. عندي تسجيل لازم تسمعه».

سألني بقلق:

«حصل إيه؟ يوسف كويس؟».

قلت:

«يوسف بخير، لكن الموضوع أكبر مما تخيلنا».

بعد حوالي ساعة، وصل آدم.

شغلت له التسجيل.

أول ما سمع صوت والده، وشه شحب، وقعد على أقرب كرسي.

قال بصوت منخفض:

«ده صوت أبويا… مستحيل!».

قلت له:

«أنا كمان مش فاهمة».

طلب مني أعيد التسجيل، وفضل يسمعه لحد نهايته.

وبعدها قال:

«أنا لازم أعرف التسجيل ده اتسجل إمتى، ومين اللي كان موجود».

اتصل بمساعده وطلب منه يتواصل مع محاميه، ويفحص مصدر التسجيل بطريقة قانونية.

وفي نفس الوقت، وصلتنا رسالة جديدة من مريم.

كانت كاتبة:

«أنا لازم أعترف بالحقيقة كاملة. الحاج محمود ماكانش متوفي وقت التسجيل. التسجيل ده اتعمل قبل وفاته بفترة قصيرة، وسلمى كانت بتزوره باستمرار».

آدم قرأ الرسالة وهو مش مصدق.

اتصل بمريم وسألها:

«إنتِ كنتِ عارفة إن أبويا كان داخل في الموضوع؟».

ردت وهي بتعيط:

«أيوه. وأنا سكت سنين، لكن مش هقدر أسكت أكتر من كده».

وبدأت تحكي.

قبل وفاة الحاج محمود، كان اكتشف إن سلمى بتستغل اسم العيلة علشان تدخل في صفقات مالية مشبوهة، وإنها بتحاول تضمن لنفسها مكانة داخل العيلة عن طريق الزواج من آدم.

ولما عرف إن آدم متجوزني في السر، قرر يعترف بجوازي قدام العيلة، وطلب من المحامي يجهز الأوراق اللازمة لحماية حقوقي.

لكن سلمى وصلت للمعلومة قبل تنفيذ القرار.

بدأت تضغط على بعض الأشخاص، واستغلت خوف آدم من المشاكل العائلية، وأقنعته إن استمرار جوازنا هيعرضني للخطر.

والأخطر إنها كانت بتراقب أخباري من خلال مريم، وبتحاول تعرف إذا كنت حاملًا أم لا.

أما والد آدم، فقد اكتشف جزءًا من الحقيقة قبل وفاته، وترك مستندات وتسجيلات تكشف تصرفات سلمى.

لكن سلمى أخفت المستندات، وفضلت تستغل غياب الحقيقة علشان تسيطر على جزء من مصالح العيلة.

آدم سمع الكلام كله في صمت.

وبعد ما انتهت مريم، قال:

«يعني أبويا كان عارف إن ليلى مراتي، وكان بيحاول يحمي حقوقها؟».

ردت:

«أيوه. وكان ناوي يصلح كل حاجة، لكنه توفى قبل ما يقدر ينفذ اللي كان بيخطط له».

آدم قفل المكالمة، وحط إيده على عينه.

لأول مرة شفته منهار بالشكل ده.

قال لي:

«أنا ظلمتك يا ليلى. ظلمتك بسبب خوفي، وبسبب إني صدقت الناس بدل ما أسمع منك».

ما رديتش.

لأن الاعتذار مهما كان صادقًا، مش هيقدر يرجع عشر سنين من عمري.

في اليوم التالي، قرر آدم يواجه سلمى بحضور محاميه.

كانت قاعدة في مكتبه، لابسة أفخم ملابسها، وبتتصرف كأنها صاحبة المكان.

أول ما شافته قالت بابتسامة:

«أخيرًا رجعت يا آدم. أنا كنت مستنياك».

رد عليها ببرود:

«أنا مش جاي أتكلم عن الماضي. أنا جاي أعرف إنتِ عملتي إيه بالضبط».

ابتسمت وقالت:

«مش فاهمة تقصد إيه».

حط قدامها صور المستندات والتسجيلات.

اتغيرت ملامحها.

قالت بعصبية:

«إنت مصدق الكلام ده؟ دي كلها أوراق ممكن تكون متفبركة».

رد آدم:

«المستندات هتتراجع رسميًا، والتسجيل هيتفحص، وأي حق هيتثبت هيرجع لصاحبه».

ضحكت بسخرية:

«علشان ليلى؟ بعد عشر سنين لسه بتفكر فيها؟».

قال بهدوء:

«الموضوع مش ليلى بس. الموضوع إني اكتشفت إن ناس كنت بثق فيهم كانوا بيكذبوا عليا، وإني ضيعت أسرتي بإيدي».

سلمى حاولت تغير الكلام.

«أنا كنت بحبك يا آدم».

بصلها وقال:

«الحب مش معناه إنك تدمري حياة إنسانة تانية، ولا تخفي الحقيقة عن طفل علشان تحققي مصالحك».

وبعدها أنهى اللقاء، وترك محاميه يتولى الإجراءات القانونية المتعلقة بالمستندات والحقوق المالية.

ومع ظهور الأدلة، بدأت حقيقة تصرفات سلمى تتكشف، وانتهى نفوذها اللي كانت بتحاول تبنيه على حساب الآخرين.

بعد أسبوع، آدم طلب يقابلني في مكتبي.

المرة دي ماجاش علشان يطلب مني أرجع له.

دخل بهدوء، وحط ملف على المكتب.

قال:

«دي كل الأوراق اللي تثبت جوازنا وحقوقك القانونية، ومعاها مستندات تثبت إنك مالكيش أي علاقة بالاتهامات اللي اتقالت عنك».

فتحت الملف، وراجعت الأوراق مع محاميّ.

وبعدها قلت له:

«شكرًا».

ابتسم بحزن.

«أنا عارف إن كلمة شكرًا مش كفاية، وإن مافيش حاجة هترجع السنين اللي ضاعت».

سكت شوية، وبعدها قال:

«أنا مش هطلب منك ترجعي مراتي. لكن نفسي تسمحي لي أكون أب ليوسف».

بصيت له طويلًا.

قلت:

«يوسف مش وسيلة علشان تصلح بيها أخطاء الماضي يا آدم. هو طفل عنده مشاعر، وعاش عشر سنين من غير أب. لو عايز تدخل حياته، لازم تكون موجود بجد، مش أسبوعين وتختفي».

رد فورًا:

«أنا موافق على أي شروط تحطيها».

قلت له:

«مش شروط مني. دي حقوق يوسف. لازم يعرفك بالتدريج، ولازم تثبت له إنك شخص يقدر يعتمد عليه».

هز رأسه وقال:

«هعمل كده».

مرت الشهور.

بدأ آدم يشوف يوسف في مواعيد منتظمة، الأول في وجودي، وبعدها بقى ياخده أماكن عامة، ويقضي معاه وقت في اللعب والحديث.

في البداية، يوسف كان متحفظ.

كان بيناديه باسمه، ومش قادر يتعامل معاه كأب.

لكن آدم ما استعجلش.

كان بيحضر حفلات المدرسة، ويسأله عن دراسته، ويسمع حكاياته الصغيرة، ويحتفل بنجاحه.

وفي يوم، رجع يوسف من المدرسة فرحان جدًا.

جري عليا وقال:

«ماما! آدم وعدني يحضر ماتش الكرة بتاعي يوم الجمعة».

ابتسمت وسألته:

«وإنت مبسوط؟».

قال:

«أيوه، هو قال لي إنه عمره ما هيفوّت ماتش ليا تاني».

بصيت له وابتسمت.

كنت عارفة إن وجود آدم في حياته مش هيعوض كل حاجة، لكنه ممكن يكون بداية لعلاقة جديدة وصحية.

وفي يوم الجمعة، حضر آدم الماتش قبل ميعاده بنص ساعة.

فضل يشجع يوسف، ولما ابني سجل هدف، قام من مكانه وصفق بحرارة.

بعد الماتش، يوسف جري عليه وحضنه.

وقال له لأول مرة:

«شكرًا يا بابا».

آدم دمعت عينه.

أما أنا، فحسيت براحة كبيرة.

مش علشان آدم رجع لحياتي، لكن علشان ابني بدأ يحصل على جزء من الحب اللي كان يستحقه من البداية.

بعد سنة تقريبًا، كنت واقفة في افتتاح الفرع الجديد من سلسلة الكافيهات بتاعتي.

مشروعي كبر، وبقى عندي فروع في القاهرة والإسكندرية والمنصورة.

آدم حضر الافتتاح مع يوسف، ووقف بعيد شوية علشان مايحسسنيش بأي ضغط.

بعد انتهاء الحفل، قرب مني وقال:

«مبروك يا ليلى. إنتِ عملتي حاجة عظيمة».

ابتسمت وقلت:

«الحمد لله. تعبت كتير علشان أوصل لهنا».

قال:

«وأنا فخور بيكي».

شكرته، وبعدها سكتنا للحظات.

ثم قال:

«عارفة؟ أنا كنت فاكر إن القوة معناها إن محدش يقدر يعترض على قراراتي، وإن الفلوس والنفوذ يقدروا يحلوا أي مشكلة. لكن اكتشفت إن أصعب حاجة في الدنيا إنك تخسر ثقة إنسان كان بيحبك بصدق».

بصيت له وقلت:

«الثقة لما بتتكسر، مش بترجع بنفس الشكل. لكن الإنسان ممكن يتعلم ويبدأ من جديد».

هز رأسه.

وبعدين سألني:

«إنتِ سعيدة دلوقتي؟».

بصيت ناحية يوسف، كان واقف مع أصحابه بيضحك ويلعب.

وبعدين رديت:

«أيوه. لأول مرة من سنين طويلة، أنا سعيدة بحياتي، ومش مستنية حد يقرر إذا كنت أستحق السعادة ولا لأ».

آدم ابتسم، وماحاولش يطلب أكتر من كده.

أما مريم، فبعد فترة بعتت لي رسالة طويلة بتعتذر فيها عن كل اللي عملته.

سامحتها من جوايا، لكن ما رجعتش علاقتنا زي الأول.

لأن فيه فرق كبير بين إنك تسامح إنسان، وبين إنك تسمح له يرجع لنفس المكان اللي كان فيه.

وأما سلمى، فقد واجهت نتائج تصرفاتها من خلال الإجراءات القانونية، وخسرت النفوذ اللي كانت بتحاول تحصل عليه بالخداع.

وفي آخر يوم من السنة، كنت قاعدة مع يوسف في البيت.

كان بيقلب في ألبوم صور قديم، وفجأة وقف عند صورة ليا وأنا في بداية شبابي.

سألني:

«ماما، إنتِ كنتِ بتحبي بابا زمان؟».

ابتسمت وقلت:

«أيوه يا حبيبي، كنت بحبه».

سألني:

«طب ليه ماكملتوش مع بعض؟».

مسحت على شعره وقلت:

«علشان الحب مش مجرد مشاعر. لازم يكون فيه صدق واحترام وأمان. وساعات الناس بتغلط، وبتدفع تمن أخطائها».

فكر شوية، وبعدين قال:

«بس أنا مبسوط إنه بقى بييجي يشوفني».

حضنته وقلت:

«وأنا مبسوطة إنك مبسوط يا حبيبي».

وبعدين سألني سؤال خلاني أبتسم:

«ماما، لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتعملي إيه؟».

بصيت من الشباك، وافتكرت البنت اللي كنتها من عشر سنين؛ البنت اللي كانت بتعيط لوحدها، وبتفتكر إن حياتها انتهت بعد الطلاق.

وبعدين بصيت لابني وقلت:

«كنت هختار نفسي بدري. كنت هفهم إن قيمتي مش مرتبطة بوجود حد في حياتي، وإن ربنا ممكن يقفل باب علشان يفتح لنا أبواب أحسن بكتير».

يوسف ابتسم وحضني.

وفي اللحظة دي فهمت إن أجمل انتصار حققته ماكانش إن آدم عرف الحقيقة، ولا إن سلمى خسرت خططها، ولا حتى إن جوازي السري اتكشف بعد عشر سنين.

أجمل انتصار كان إني قدرت أقف على رجلي من جديد، وأربي ابني في أمان، وأبني حياة محدش يقدر يتحكم فيها غيري.

النهاية.

العبرة من الحكاية: ماتخليش حبك لإنسان يخليك تنسى قيمتك، وماتفتكرش إن اللي بيخدعك كسبان لمجرد إنه قدر يخفي الحقيقة فترة طويلة. الأيام كفيلة تكشف كل شيء، وأحيانًا أجمل بداية في حياتك بتبدأ بعد أصعب نهاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى