روايات وقصص

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

«أنا كنت متابعة الحفلة كلها يا ملك، وكنت ببص عليكي من وقت للتاني علشان أطمن إنك مبسوطة.»

ملك نزلت عينيها.

«أنا آسفة إني قلتلك إنتِ مش أمي.»

نهى سكتت لحظة، وبعدها قالت:

«مش لازم تعتذري يا حبيبتي. أنا عارفة إن مكان مامتك محدش يقدر ياخده. أنا مش بحاول أبقى مكانها، أنا بس عايزة أكون حد تقدري تعتمدي عليه لما تحتاجيني.»

ملك بدأت تعيط، والمرة دي نهى حضنتها.

وأنا كنت قاعد قدامهم، حاسس إن فيه حاجات كتير كنت محتاج أراجعها في نفسي.

وصلنا القسم، وهناك طلب الضابط إننا نستنى شوية لحد ما يوصل يوسف ووالده.

بعد حوالي نصف ساعة، دخل يوسف ومعاه والده.

كان باين عليه الخوف، وعينيه في الأرض.

الضابط سأله مباشرة:

«إنت حطيت حاجة في كوباية ملك؟»

يوسف سكت.

والده قال بعصبية:

«رد يا يوسف!»

يوسف رفع عينيه أخيراً وقال:

«أيوه… أنا قربت من الكوباية.»

ملك شهقت، ومسكَت إيد نهى بقوة.

الضابط سأله:

«مين طلب منك تعمل كده؟»

يوسف بص لوالده، وبعدها بص للضابط.

وقال:

«واحد اسمه كريم.»

الضابط سأله:

«كريم مين؟»

رد يوسف:

«كريم شريف، طالب معانا في المدرسة. هو اللي اداني الحاجة وقال لي أحطها في الكوباية.»

سألته:

«وليه وافقت تعمل كده؟»

يوسف بدأ يتكلم بصعوبة:

«هو قال لي إنها حاجة هتخلي ملك تحس بدوخة وتبقى مش قادرة تركز، وإنه عايز يخوفها بس علشان تندم إنها رفضته.»

أنا فقدت أعصابي.

قمت من مكاني وقلت:

«إنتوا بتتكلموا عن بنتي كأنها لعبة؟!»

الضابط طلب مني أهدى، وبعدها كمل استجوابه.

يوسف اعترف إنه كان عارف إن كريم بيضايق ملك من فترة، وإن ملك رفضت تتكلم معاه أكتر من مرة.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.

الضابط سأله:

«هو كريم كان عايز يعمل كده لوحده؟»

يوسف هز راسه بالنفي.

«لأ.»

«أمال مين معاه؟»

يوسف بلع ريقه وقال:

«أنا سمعت كريم وهو بيتكلم في التليفون مع واحدة ست، وكان بيقول لها إن كل حاجة هتخلص في الحفلة.»

الضابط سأله:

«سمعت اسمها؟»

يوسف سكت شوية، وبعدها قال:

«أيوه… قال اسم نهى.»

في اللحظة دي، حسيت إن الدم انسحب من جسمي.

لفيت ناحية نهى.

كانت واقفة في مكانها، ووشها اتغير تماماً.

ملك بصت لها بصدمة وقالت:

«نهى؟!»

يوسف اتكلم بسرعة لما لاحظ رد فعلنا:

«أنا مش بقول إنها هي اللي طلبت مني! أنا بس سمعت الاسم. ومش عارف إذا كانت هي نفس نهى اللي معاكم ولا لأ.»

الضابط طلب منه يشرح أكتر.

يوسف قال إنه سمع كريم بيقول:

«ما تقلقش، نهى قالت إن البنت لازم تتعلم تبعد عن اللي مش من حقها.»

الكلام كان غريب ومش مفهوم.

أنا بصيت لنهى وقلت:

«إنتِ تعرفي كريم؟»

نهى ردت بسرعة:

«لأ. عمري ما شفته قبل كده.»

سألتها:

«طب إيه حكاية اسمك اللي ظهر في كلامه؟»

قالت وهي بتحاول تحافظ على هدوئها:

«مش عارفة يا أحمد، لكن أنا مستعدة أساعد في أي تحقيق.»

الضابط طلب تسجيلات الكاميرات مرة تانية، وطلب من يوسف يحدد الشخص اللي كان بيتكلم عنه.

وبعد شوية، ظهر في التسجيلات كريم وهو بيتكلم مع واحدة عند مدخل الفندق قبل بداية الحفل.

الصورة ماكنتش واضحة بشكل كافي لتحديد ملامح الست.

لكن لما كبروا الصورة، ملك شهقت فجأة.

«استنوا!»

الكل بص ناحيتها.

كانت بتشاور على الشاشة.

وقالت بصوت مرتعش:

«أنا أعرف الشنطة دي…»

الضابط قرب الصورة وسألها:

«متأكدة؟»

ملك هزت راسها.

«أيوه. دي نفس الشنطة اللي كانت مع واحدة جات بيتنا من حوالي أسبوعين.»

سألتها:

«مين؟»

ملك بصتلي، وبعدها قالت:

«عمتو سعاد… أخت ماما.»

حسيت بصدمة أكبر من كل اللي فات.

سعاد كانت أخت مراتي الراحلة، وكانت من أقرب الناس لملك بعد وفاة أمها.

كانت بتزورنا باستمرار، وبتقول دايماً إنها مستعدة تعمل أي حاجة علشان بنت أختها.

لكن السؤال اللي كان بيخوفني دلوقتي:

إيه اللي يخليها تتفق مع طالب علشان يحط حاجة في كوباية ملك؟

الضابط طلب رقمها واتصل بيها.

ردت بعد رنتين.

«أيوه يا أحمد، خير؟»

الضابط طلب منها تحضر القسم علشان تدلي بأقوالها في واقعة تخص بنت أختها.

سعاد ارتبكت وسألت:

«ملك حصل لها حاجة؟»

الضابط رد:

«حضرتك تعالي وهتعرفي كل التفاصيل.»

بعد حوالي أربعين دقيقة، دخلت سعاد القسم.

كانت لابسة نفس الشنطة اللي ظهرت في تسجيلات الكاميرات.

أول ما شافتني، قالت:

«أحمد، إيه اللي حصل؟ ملك كويسة؟»

ما رديتش.

الضابط عرض عليها صورة من التسجيلات وسألها:

«حضرتك كنتِ في الفندق الليلة دي؟»

سعاد بصت للصورة، ووشها اتغير.

قالت بسرعة:

«أيوه، كنت هناك شوية.»

سألها:

«قابلتي كريم شريف؟»

ردت:

«لأ.»

الضابط أشار للصورة.

«إحنا عندنا تسجيل بيظهر حضرتك واقفة معاه.»

سعاد سكتت.

وبعد لحظات، بدأت تعيط.

لكن اللي قالته بعد كده كان أبشع من مجرد اعتراف إنها قابلت كريم.

قالت بصوت مكسور:

«أنا ماكنتش عايزة أذي ملك… أنا كنت عايزة أمنعها من إنها تكتشف الحقيقة.»

بصيت لها وقلت:

«حقيقة إيه؟»

سعاد رفعت عينيها ناحيتي، وبعدها بصت لملك.

وقالت:

«أمك قبل ما تموت بأيام، سابتلي جواب ووصتني ما أقولكيش عليه غير لما تتمي 18 سنة… واللي حصل النهارده كان بسبب إن كريم اكتشف إن الجواب ده موجود.»

ملك مسكت إيدي وهي بتترعش.

«جواب إيه يا عمتو؟»

سعاد أغمضت عينيها وقالت:

«جواب فيه سر عن أبوكي… سر أمك فضلت مخبياه عنك طول السنين اللي فاتت.»

في اللحظة دي، بصيت لملك، وبعدها لسعاد.

لأول مرة من سنين، حسيت إن ذكرى مراتي اللي افتكرتها إني عارف كل تفاصيلها، لسه مخبية حاجات كتير عني.

يتبع في الجزء القادم…
سكتت في القسم لحظات طويلة، محدش فينا كان قادر يستوعب الكلام اللي سمعناه.

بصيت لسعاد وقلت بصوت مليان غضب:

«إنتِ بتقولي إيه؟ سر عني أنا؟ مراتي كانت مخبية عني إيه؟»

سعاد كانت بتعيط، وبتحاول تتكلم، لكن الكلمات كانت بتخرج منها بصعوبة.

ملك قربت منها وقالت:

«عمتو، أنا عايزة أعرف الحقيقة. ماما سابتلي إيه؟»

سعاد بصت لها وقالت:

«أمك قبل وفاتها كانت عارفة إن فيه مشكلة كبيرة في العيلة، وكانت خايفة إنك تكبري وتكتشفيها بالطريقة الغلط.»

سألتها:

«مشكلة إيه؟»

سعاد طلعت منديل من شنطتها ومسحت دموعها، وبعدها قالت:

«أختك…»

ملك عقدت حاجبيها باستغراب.

«أختي؟ أنا معنديش إخوات!»

سعاد هزت راسها وقالت:

«عارفة إنك طول عمرك فاكرة كده، لكن أمك قبل ما تتجوز أحمد كانت مرتبطة بموضوع قديم، وفيه طفلة اتولدت واتسجلت باسم عيلة تانية.»

حسيت إن الكلام بقى أصعب من إني أستوعبه.

قلت لها:

«إنتِ بتتهمي مراتي بحاجة زي دي؟»

سعاد ردت بسرعة:

«أنا مش بتهمها. أنا بقولك الحقيقة اللي كانت مخبياها عن الكل.»

ملك بدأت تعيط.

«يعني عندي أخت؟ فين هي؟»

سعاد سكتت شوية، وبعدها قالت:

«البنت دي اسمها مريم، وعمرها دلوقتي حوالي 24 سنة.»

الضابط طلب منها تهدى وتشرح كل حاجة من البداية.

سعاد قالت إن أم ملك كانت تعرف مريم من قبل ما تتجوزني، وإنها كانت بتحاول تساعدها بعد ما اتعرضت لظروف عائلية صعبة.

لكن مريم اختفت من حياتهم من سنين، ومحدش عرف مكانها.

أما الجواب اللي كانت أم ملك سايباه، فكان فيه اسم مريم وعنوان قديم، ومعاه مستندات بتوضح حقيقة علاقتها بالعيلة.

سألت سعاد:

«طب كريم دخل في الموضوع إزاي؟»

سعاد نزلت عينيها وقالت:

«كريم عرف إن فيه ورق مهم موجود عندي. هو قريب لواحدة من معارف مريم، وكان بيدور على أي معلومة تخصها.»

الضابط سألها:

«وإنتِ طلبتي منه يحط حاجة في كوباية ملك؟»

سعاد انهارت في العياط.

«أنا ماكنتش عايزة يحصل لها أذى. كريم قال لي إنه هيخوفها بس، وإنه هيخليها تسيب الموضوع وما تسألش عن الجواب.»

أنا صرخت فيها:

«إنتِ فاهمة إن بنتي كان ممكن يحصل لها إيه؟!»

قالت وهي بتعيط:

«عارفة… وأنا غلطانة. غلطانة جداً.»

الضابط وضح لها إن أي شخص شارك في الواقعة لازم يتحاسب، وإن الكلام ده مش هيعفيها من مسؤوليتها.

وبعدها طلب منها تسلم الجواب والمستندات اللي معاها.

سعاد فتحت شنطتها وطلعت ظرف أبيض قديم.

كان مكتوب عليه بخط مراتي:

«إلى ابنتي ملك… يُفتح يوم عيد ميلادها الثامن عشر.»

ملك مدت إيدها ناحية الظرف، لكن نهى مسكت إيدها برفق وقالت:

«استني يا حبيبتي. خدي وقتك. مش لازم تفتحيه هنا وإنتِ متوترة.»

ملك بصتلها، وبعدها هزت راسها بالموافقة.

في اللحظة دي، حسيت إن نهى كانت أكتر شخص ثابت وسط الفوضى كلها.

بعد انتهاء الإجراءات الأولية، رجعنا البيت.

ملك دخلت أوضتها، وحطت الظرف على مكتبها جنب صورة أمها.

أما أنا، فطلبت من نهى نتكلم لوحدنا.

قعدنا في الصالة، وقلت لها:

«أنا مش عارف أبدأ منين.»

ردت بهدوء:

«ابدأ من اللي مضايقك.»

بصيت لها وقلت:

«أنا ظلمتك النهارده.»

نهى ما ردتش.

كملت:

«شفت الفيديو، وحكمت عليكي من غير ما أسمعك. وقلتلك كلام قاسي قدام الناس.»

نهى بصت للأرض وقالت:

«أنا زعلت يا أحمد. مش عشان الفيديو، لكن عشان إنت عارف إني بحب ملك، وبرغم كده أول حاجة فكرت فيها إني ممكن أكون بأذيها.»

قلت لها:

«أنا آسف.»

سكتت شوية، وبعدها قالت:

«أنا مش مستنية منك تعتبرني أمها. أنا بس كنت أتمنى لما يحصل موقف زي ده، تديني فرصة أشرح.»

الكلام ده فضل يرن في وداني.

في اليوم التالي، اتصلت بينا الشرطة وقالوا إنهم قدروا يوصلوا لكريم، وإنه هيتم استكمال التحقيقات معاه ومع يوسف.

كما طلبوا فحص المشروب في المعمل الجنائي لتحديد المادة اللي كانت موجودة فيه.

وبعد يومين، ظهرت نتيجة الفحص.

النتيجة أكدت وجود مادة مهدئة غير معروفة المصدر، وكان من الممكن تسبب دوخة واضطراب في الوعي لو ملك شربت منها.

لما سمعت النتيجة، حسيت برعشة في جسمي.

تخيلت بنتي وهي واقفة في الحفلة، بتضحك ومبسوطة، ومش عارفة إن فيه حد بيحاول يستغلها.

في نفس اليوم، ملك نزلت من أوضتها وهي ماسكة الظرف.

قالت:

«بابا، أنا عايزة أفتح جواب ماما.»

قعدت جنبها، ونهى كانت قاعدة قصادنا.

ملك فتحت الظرف بحرص شديد.

كان جواه جواب طويل، وصورة قديمة لمراتي وهي شايلة طفلة صغيرة.

بدأت ملك تقرأ بصوت مرتعش:

«ملك حبيبتي…

لو إنتِ بتقرئي الكلام ده، فده معناه إنك كبرتي وبقيتي قادرة تفهمي حاجات كتير كنت خايفة أحكيهالك.

فيه حقيقة فضلت مخبياها سنين، مش علشان كنت عايزة أخدعك، لكن علشان كنت بحاول أحميكي من وجع مش ذنبك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى