روايات وقصص

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

قبل ما أقابل بابا أحمد، كنت مسؤولة عن طفلة صغيرة اسمها مريم.

مريم مش مجرد بنت عرفتها في حياتي، دي بنتي من علاقة قديمة انتهت قبل ما أعرف والدك.

لما اتجوزت أحمد، كنت فاكرة إن الماضي انتهى، لكن الحقيقة إن مريم فضلت جزء من قلبي، وكنت بحاول أوصل لها من بعيد.

ماقدرتش أقول لبابا أحمد كل التفاصيل وقتها، خوفاً من إن حياتنا تتأثر، وكنت ناوية أحكيله الحقيقة لما ألاقي مريم وأتأكد إنها بخير.

لكن المرض سبقني.

ملك، أنا عايزاكي تعرفي إن وجود مريم في حياتك مش معناه إن حبّي ليكي أقل، ولا إنك كنتِ يوم من الأيام أقل أهمية عندي.

إنتِ ومريم جزء من قلبي.

ولو قدرتوا تتقابلوا في يوم، أتمنى تفتحي لها قلبك، لكن من غير ما تسمحي لأي حد يفرض عليكي مشاعر مش حاساها.

وأهم حاجة، افتكري إن العيلة مش دايماً اللي بنولد وسطها، العيلة كمان هي الناس اللي بتختار تحمينا وتفضل جنبنا وقت الشدة.

بحبك يا بنتي.

ماما.»

ملك خلصت القراءة، وفضلت ساكتة وهي بتبص للصورة.

أنا كنت مصدوم.

مش بس لأن مراتي كان عندها بنت من قبل جوازنا، لكن لأنها فضلت شايلة السر ده لوحدها طول السنين.

نهى مدت إيدها ومسكت إيد ملك.

وقالت:

«إنتِ مش مضطرة تاخدي أي قرار دلوقتي. خدي وقتك.»

ملك بصتلها وقالت:

«إنتِ لو مكاني، كنتِ هتدوري عليها؟»

نهى ابتسمت وقالت:

«لو كنت مكانك، كنت هحاول أعرف الحقيقة، لكن مش هضغط على نفسي ولا على حد.»

في اليوم التالي، قررنا نروح العنوان الموجود في المستندات.

كان العنوان في مدينة الإسكندرية، في منطقة سموحة.

وصلنا هناك بعد الظهر.

طلعنا للدور التالت في عمارة قديمة، ووقفنا قدام شقة رقم 12.

ملك كانت ماسكة الصورة القديمة بقوة.

خبطت على الباب.

بعد لحظات، فتحته بنت في منتصف العشرينات.

كانت ملامحها قريبة جداً من ملامح مراتي.

بصت لنا باستغراب وسألت:

«أيوه، حضرتكم مين؟»

ملك حاولت تتكلم، لكن صوتها خانها.

أنا اتدخلت وقلت:

«إحنا بندور على مريم.»

البنت بصتلي بقلق.

«أنا مريم.»

ملك طلعت الصورة من شنطتها ورفعتها قدامها.

«إنتِ تعرفي الست دي؟»

مريم أول ما شافت الصورة، وشها اتغير.

وبصوت مرتعش قالت:

«دي… دي أمي.»

ملك دموعها نزلت، وقالت:

«وأنا ملك… أختك.»

مريم فضلت واقفة مكانها مش قادرة تنطق.

وبعد ثواني، فتحت الباب بالكامل وقالت:

«اتفضلوا.»

دخلنا الشقة، وقعدنا معاها.

بدأت مريم تحكي إنها كانت عارفة إن ليها أخت صغيرة، وإن أمها كانت بتحاول تتواصل معاها من وقت للتاني، لكن التواصل انقطع بعد فترة.

وقالت إنها كانت محتفظة بصورة قديمة لأمها، وكانت بتتمنى تعرف إذا كان عندها عيلة تانية.

ملك حضنتها، والاتنين فضلوا يعيطوا.

لكن وسط اللحظة دي، رن تليفوني.

كان الضابط المسؤول عن القضية.

قال لي:

«أستاذ أحمد، محتاجين حضرتك تحضر القسم، لأننا اكتشفنا معلومة جديدة في التحقيق.»

سألته:

«معلومة إيه؟»

رد بصوت جاد:

«كريم اعترف إن سعاد ماكنتش الشخص الوحيد اللي على تواصل معاه. فيه شخص تاني كان بيدفع له فلوس علشان يمنع ملك من الوصول للجواب.»

سألته:

«مين الشخص ده؟»

الضابط سكت لحظة، وبعدها قال:

«الشخص ده اسمه فؤاد السيوفي… أخوك إنت يا أستاذ أحمد.»

حسيت إن الدنيا كلها وقفت.

أخويا؟

أخويا اللي كان بيزورنا، وبيسأل على ملك، وبيتعامل معاها كأنها بنته؟

إيه علاقته بكل ده؟

وليه عايز يمنع بنتي من معرفة الحقيقة؟

يتبع في الجزء الأخير…
### الجزء الأخير: الحقيقة اللي قلبت العيلة كلها… والسر اللي كان أخويا بيخبيه عني!

فضلت واقف في مكاني بعد ما سمعت اسم أخويا من الضابط.

فؤاد؟

أخويا اللي كنت بثق فيه أكتر من أي حد؟

أخويا اللي كان بيزور ملك في أعياد ميلادها، وبيجيبلها الهدايا، ودايماً يقول إنها أغلى بنت عنده؟

قلت للضابط بصوت مش قادر أتحكم فيه:

«إنت متأكد من الكلام ده؟ فؤاد أخويا؟»

رد الضابط:

«إحنا عندنا أدلة مبدئية على تحويلات مالية بينه وبين كريم، وكمان رسائل بتوضح إن فيه اتفاق حصل بينهم. محتاجين حضرتك تيجي علشان تسمع التفاصيل.»

قفلت المكالمة وبصيت لملك.

كانت قاعدة جنب مريم، ولاحظت إن وشي اتغير.

سألتني:

«بابا، فيه إيه؟»

اترددت لحظة، وبعدها قلت:

«لازم نرجع القاهرة. فيه حاجة جديدة ظهرت في القضية.»

نهى فهمت من نظراتي إن الموضوع خطير، لكنها ما ضغطتش عليا بأسئلة.

بعد ما ودعنا مريم، اتفقنا إنها تزورنا قريب، وإننا هنفضل على تواصل.

ملك حضنت أختها الجديدة وقالت:

«أنا استنيت سنين من غير ما أعرف إن عندي أخت، ومش عايزة أخسر وقت تاني.»

مريم ابتسمت وسط دموعها وقالت:

«وأنا كمان يا ملك.»

رجعنا القاهرة، واتجهت للقسم مباشرة.

هناك، الضابط عرض عليا مجموعة من الرسائل والتحويلات المالية.

كان واضح إن فؤاد حول مبلغ كبير لكريم على دفعتين، وإن كريم كان بيبعت له تحديثات عن محاولاته للوصول للجواب.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في رسالة كتبها فؤاد:

«المهم إن البنت ما تعرفش أي حاجة عن مريم، ولازم الورق يفضل بعيد عنها لحد ما نتصرف.»

سألت الضابط:

«هو إيه اللي يخوف أخويا من إن بنتي تعرف أختها؟»

رد الضابط:

«ده اللي هنحاول نعرفه منه.»

بعد أقل من ساعة، وصل فؤاد للقسم.

أول ما شافني، قرب مني وقال:

«أحمد، إنت فاهم الموضوع غلط.»

بصيت له بغضب وقلت:

«أنا مش عايز تبريرات. عايز أعرف ليه دفعت فلوس لولد علشان يأذي بنتي؟»

فؤاد نزل عينيه.

«أنا ماكنتش عايزه يأذيها.»

صرخت فيه:

«أمال كنت عايزه يعمل إيه؟ يحط مادة في مشروبها؟ يخوفها؟ يفضحها قدام صحابها؟ إنت كنت مستني يحصل لها إيه؟»

قال بصوت مكسور:

«أنا كنت بحاول أحمي العيلة.»

ضحكت بسخرية وقلت:

«تحمي العيلة من إيه؟ من أخت بنتي؟»

فؤاد بصلي وقال:

«إنت مش فاهم حاجة يا أحمد. الموضوع أكبر من كده.»

الضابط طلب منه يشرح كل التفاصيل.

وبعد ضغط الأسئلة، بدأ فؤاد يعترف.

قال إنه عرف من سعاد بوجود مريم والجواب القديم، وإنه كان خايف إن ظهور مريم يفتح مشاكل عائلية قديمة.

لكن لما الضابط سأله عن السبب الحقيقي، ظهر السر اللي كان مخبيه.

قبل وفاة مراتي، كانت سايبة مستندات تخص شقة قديمة في الإسكندرية، وكانت الشقة دي جزء من ممتلكات مريم، بالإضافة إلى مبلغ مالي كانت أمها حاطاه باسمها علشان مستقبلها.

فؤاد كان عارف بوجود المستندات، وكان بيحاول يوصل لها من سنين.

وكان فاكر إن اختفاء مريم وانقطاع أخبارها هيسمح له يسيطر على الأوراق والممتلكات دي.

لكن لما عرف إن ملك ممكن تكتشف الحقيقة وتوصل لأختها، خاف إن كل حاجة تظهر.

قلت له وأنا مش مصدق:

«يعني كل اللي عملته ده كان علشان الفلوس؟»

فؤاد رد بصوت واطي:

«أنا كنت محتاج الفلوس، وعليّ ديون كتير.»

قلت له:

«فبعت أخوك وبنت أخوك علشان كام جنيه؟»

ماقدرش يرد.

الضابط وضح له إن اعترافه مش كفاية لإعفائه من المسؤولية، وإن التحقيق هيكمل مع كل المتورطين.

وفي الأيام اللي بعدها، ظهرت تفاصيل أكتر.

كريم اعترف إنه اتفق مع فؤاد وسعاد على تخويف ملك ومنعها من الوصول للمستندات، لكنه حاول في البداية يقلل من خطورة اللي عمله.

أما يوسف، فاعترف بمشاركته في وضع المادة داخل الكوباية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحقه.

وسعاد اعترفت إنها سلمت بعض المعلومات لفؤاد، وإنها وافقت على الخطة لأنها كانت خايفة من ظهور أسرار قديمة تخص أختها.

لكنها أكدت إنها ماكنتش عايزة ملك تتعرض لأذى جسدي.

كل ده كان مؤلم، لكن أكتر حاجة كسرتني كانت إني اكتشفت إن أقرب الناس لينا ممكن يكونوا هما نفسهم مصدر الخطر.

بعد حوالي أسبوع، ملك طلبت مني أروح معاها نزور مريم.

ومن يومها بدأنا نتقابل باستمرار.

مريم كانت إنسانة طيبة وهادية، وكانت بتحاول تعوض السنين اللي فاتتها مع أختها.

وفي أول زيارة ليها لبيتنا، وقفت قدام صورة أم ملك الموجودة في الصالة، وفضلت تبصلها وقت طويل.

قالت بصوت منخفض:

«كنت فاكرة إني مش هشوف وشها تاني غير في الصور.»

ملك قربت منها وقالت:

«دلوقتي تقدري تشوفيها كل يوم.»

وبعدها حضنتها.

أما نهى، فكانت واقفة في المطبخ بتحضر لهم الغدا.

ملك راحت لها وقالت:

«نهى، ممكن أساعدك؟»

نهى ابتسمت وقالت:

«تعالي يا حبيبتي.»

وبينما كانوا بيجهزوا الأكل، سمعت ملك بتقول لها:

«أنا عايزة أعتذرلك عن اللي حصل في الحفلة.»

نهى ردت:

«الموضوع انتهى يا ملك.»

لكن ملك أصرت:

«لأ، أنا كنت قاسية معاكي. إنتِ كنتِ بتحاولي تحميني، وأنا افتكرت إنك بتكرهي فرحتي.»

نهى سابت اللي في إيدها وبصتلها.

«أنا مش زعلانة منك. إنتِ كنتِ مصدومة ومش فاهمة اللي بيحصل. المهم إنك بخير.»

ملك حضنتها وقالت:

«أنا عارفة إنك مش أمي، ومش هطلب منك تاخدي مكانها، لكن أنا مبسوطة إنك موجودة في حياتي.»

نهى عيطت وهي بتحضنها.

وأنا كنت واقف عند باب المطبخ، بتفرج عليهم وقلبي مليان امتنان.

بعد شهرين، احتفلنا بعيد ميلاد ملك الثامن عشر.

كانت مريم موجودة، ونهى كانت جنبها، وسلمى حضرت من بدري، وحتى بعض أصحاب ملك القدامى جم يشاركوها الفرحة.

على الترابيزة كانت فيه صورة أمها، وبجانبها الإسورة الفضية اللي كانت لابساها ليلة الحفل.

ملك رفعت الكوباية، وبصت لكل الموجودين وقالت:

«النهارده أنا مش بحتفل بس إني بقيت 18 سنة. أنا بحتفل إني عرفت إن الحقيقة مهما كانت موجعة، أحسن من إننا نعيش طول عمرنا في خوف منها.»

وبصت لنهى وكملت:

«وبشكر الإنسانة اللي ضحت بفرحتي في ليلة واحدة علشان تحميني من خطر ماكنتش شايفاه.»

نهى نزلت دموعها وهي بتبتسم.

وبعد الحفلة، ملك قربت مني وقالت:

«بابا، فاكر لما اتخانقت مع نهى وقلت لها إنها مش أمي؟»

هزيت راسي.

قالت:

«أنا وقتها كنت فاكرة إن الأمومة معناها إن الشخص يكون موجود من يوم ما اتولدت. لكن دلوقتي فهمت إن فيه ناس بتختار تحبنا وتحافظ علينا من غير ما تكون مضطرة.»

حضنتها وقلت:

«أمك الله يرحمها كانت هتبقى فخورة بيكي.»

ملك ابتسمت وبصت ناحية نهى ومريم.

وقالت:

«وأنا عندي حظ إني بقيت محاطة بناس بتحبني.»

في اللحظة دي فهمت درس عمري ما هنساه.

أنا كنت فاكر إن نهى أفسدت أجمل ليلة في حياة بنتي، لكن الحقيقة إنها أنقذتها من ليلة كان ممكن تغير حياتها بالكامل.

والأهم إني اتعلمت إن الحب مش دايماً بيظهر في صورة حضن أو كلمة حلوة.

أحياناً بيظهر في قرار صعب، وفي موقف يخلي الناس كلها تفتكرك غلطان، بينما إنت الوحيد اللي عارف إنك بتحاول تحمي شخص بتحبه.

أما فؤاد، فخسر ثقتي للأبد، وبدأ يتحمل نتيجة اختياراته قدام القانون.

وسعاد، رغم إن ملك ما قطعتش علاقتها بيها تماماً، إلا إنها احتاجت وقت طويل علشان ترجع تثق فيها.

ومن يومها، بقى عندي يقين واحد: مش كل اللي بيحافظ على شكل العيلة بيكون بيحافظ على أفرادها، ومش كل اللي بيزعّلنا في لحظة بيكون عايز يأذينا. أحياناً أكتر شخص بنلومه هو نفسه الشخص اللي أنقذنا.
تمت

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى