
جلست في الزاوية نفسها التي جلست فيها مع كريم أول مرة.
بعد عشر دقائق، اقترب مني رجل في أواخر الخمسينيات.
قال:
— أنتِ سلمى؟
— نعم.
جلس أمامي دون استئذان.
— أنا فؤاد رشدي.
لم أعرف الاسم.
سألته:
— لماذا طلبت مقابلتي؟
أخرج ظرفًا بنيًا ووضعه أمامي.
— لأن والدك طلب مني منذ سنوات أن أعطيك هذا إذا اكتشفتِ أن كريم يخونك.
شعرت بقشعريرة.
— والدي؟
أومأ.
— والدك كان يشك في كريم منذ البداية.
فتحت الظرف بيد مرتجفة.
وجدت صورًا قديمة.
صور لكريم وهو يدخل مبنى شركة والدتي.
وصورة أخرى له مع حسام.
وصورة ثالثة التقطت قبل زواجنا بأشهر.
لكن أكثر ما صدمني كان مستندًا مؤرخًا قبل زواجنا بستة أشهر.
قرأته.
ثم رفعت عيني إليه.
— ما هذا؟
قال:
— اتفاق استثماري.
— باسم كريم؟
— لا.
وأشار إلى اسم آخر.
حسام نادر.
بدأت أفهم.
حسام لم يدخل حياة كريم بعد زواجنا.
كان يعرفه قبل زواجنا.
قلت:
— لماذا؟
أجاب فؤاد:
— لأن كريم لم يتعرف عليكِ صدفة كما كنتِ تعتقدين.
شعرت وكأن الأرض تحركت من تحتي.
— ماذا تقصد؟
فتح ملفًا آخر.
— قبل أن يتقدم لكِ، كان يعرف أن عائلتك تملك شركة كبيرة.
— هذا مستحيل.
— والدك اكتشف ذلك متأخرًا.
ثم أخرج ورقة.
— كريم كان يعمل في شركة صغيرة، لكن حسام كان يزوده بمعلومات عن عائلتك.
بدأت الصور تتضح في رأسي.
الأسئلة الكثيرة التي كان كريم يطرحها في بداية علاقتنا.
اهتمامه المفاجئ بعمل والدي.
محاولاته معرفة تفاصيل عن العقارات.
ثم حديثه المستمر عن “الاستقرار” و”المستقبل”.
سألت:
— هل كان يريد الزواج مني بسبب المال؟
قال فؤاد:
— في البداية ربما كان يريد الوصول إلى الشركة.
ثم سكت لحظة.
— لكن الأمور تغيرت بعد ذلك.
نظرت إليه.
— كيف؟
— والدك اكتشف أن كريم حاول الحصول على مستندات سرية تخص الشركة.
شعرت بالغضب.
— ولماذا لم يخبرني؟
— لأنه كان يخشى أن يؤذيك الأمر.
أغلقت الملف.
— وماذا حدث بعد ذلك؟
قال:
— والدك قرر ألا يتدخل طالما أن كريم لم يثبت عليه شيء مباشر.
ثم نظر إليّ بجدية.
— لكنه ترك تعليمات.
— ما هي؟
أخرج ورقة أخيرة.
كانت مكتوبة بخط والدي.
قرأت:
“إذا وصل الأمر إلى محاولة السيطرة على أصول سلمى أو استخدامها دون إذنها، يجب أن تعرف الحقيقة كاملة.”
لم أستطع منع دموعي هذه المرة.
ليس بسبب كريم.
بل بسبب والدي.
حتى بعد رحيله، كان يحاول حمايتي.
سألت فؤاد:
— لماذا تظهر الآن؟
قال:
— لأنني تلقيت قبل أسبوع رسالة من شخص يخبرني أن كريم بدأ يحاول نقل أصول.
— من أرسل لك؟
هز رأسه.
— لا أعرف.
ثم أضاف:
— لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
— ماذا؟
— الشخص الذي أرسل لي الرسالة كان يستخدم حسابًا تابعًا للشركة.
تجمدت.
— هل تقصد أن هناك شخصًا آخر؟
أومأ.
— نعم.
في تلك اللحظة رن هاتفي.
كانت داليا.
أجبت فورًا.
— داليا؟
جاء صوتها سريعًا:
— سلمى، لا تعودي إلى الشركة الآن.
— لماذا؟
— اكتشفنا محاولة للدخول إلى حسابات الاستثمار.
— من؟
صمتت لثوانٍ.
ثم قالت:
— الحساب المستخدم يحمل بيانات دخول موظف قديم.
— من؟
قالت اسمًا جعل قلبي يتوقف.
والدتي.
نظرت إلى فؤاد.
ثم إلى الملف أمامي.
قلت:
— أمي توفيت منذ سنوات.
— أعرف.
— إذن كيف استُخدمت بياناتها؟
قالت داليا:
— هذا ما نحاول معرفته.
ثم أضافت:
— وهناك شيء آخر.
— ماذا؟
— محاولة الدخول تمت من جهاز موجود داخل منزل المعادي.
شعرت بالبرودة تسري في جسدي.
كريم لم يكن يحاول فقط السيطرة على أموالي.
كان يبحث عن شيء تركه والدي داخل المنزل.
شيء ربما كان أهم من المال نفسه.
وقبل أن أغادر المقهى، أمسك فؤاد بذراعي وقال:
— سلمى… هناك شيء لم أخبرك به.
نظرت إليه.
— ماذا؟
قال بصوت منخفض:
— والدك لم يكن يخشى كريم وحده.
— من كان يخشى؟
نظر حوله ثم قال:
— كان يخشى أن يكون كريم مجرد واجهة لشخص آخر.
تجمدت في مكاني.
— شخص آخر؟
أومأ.
— شخص لديه نفوذ كبير… وكان يريد الوصول إلى الشركة منذ سنوات.
خرجت من المقهى وأنا أشعر أن حياتي كلها كانت مبنية على أسرار لم أعرف عنها شيئًا.
وعندما وصلت إلى السيارة، وجدت رسالة جديدة على هاتفي.
هذه المرة لم تكن من رقم مجهول.
كانت من كريم.
كتب:
“سلمى، أعرف أنك قابلتِ فؤاد. لا تحاولي معرفة المزيد. لأنك إذا فتحتِ هذا الملف، لن تكوني أنتِ الوحيدة التي ستخسر كل شيء.”
قرأت الرسالة مرتين.
ثم ابتسمت.
لأنني فهمت أخيرًا.
كريم لم يعد يحاول إخافتي.
كان خائفًا مني.
لكن ما لم أكن أعرفه بعد…
أنني عندما عدت إلى المنزل في تلك الليلة، وجدت باب شقتي مفتوحًا.
وعلى الطاولة كان هناك ظرف أبيض.
وفوقه جملة واحدة بخط والدي:
“إذا وصلتِ إلى هنا، فاعلمي أن الحقيقة أخطر مما توقعتِ.”
الجزء الخامس — الحقيقة التي تركها أبي
وقفتُ أمام باب شقتي المفتوح، ولم أتحرك.
كل شيء بدا طبيعيًا من الخارج، لكنني كنت أعرف أن شخصًا دخل المكان.
أشرت للحارس أن يبقى خلفي، ثم دخلت بحذر.
لم يكن هناك شيء مفقود.
لا المجوهرات.
لا المال.
لا أجهزة الكمبيوتر.
كل شيء في مكانه.
إلا الظرف الأبيض الموجود فوق الطاولة.
اقتربت منه، لكنني لم ألمسه.
اتصلت بداليا.
— أنا في الشقة.
— لا تفتحي الظرف.
— لماذا؟
— لأننا لا نعرف من وضعه هناك.
نظرت إليه.
— لكن الخط خط أبي.
سكتت داليا.
ثم قالت:
— انتظري حتى أصل.
بعد نصف ساعة وصلت.
ارتدت قفازات، ثم فتحت الظرف بحذر.
في داخله كان هناك مفتاح صغير وذاكرة إلكترونية ورسالة قصيرة.
أخذت الرسالة وقرأت:
“يا سلمى، إذا كنتِ تقرئين هذا، فهذا يعني أن الشخص الذي وثقتِ به حاول الوصول إلى ما لم يكن من حقه.”
ارتجفت يدي.
أكملت:
“لا تبحثي عن المال أولًا. ابحثي عن الملف الأزرق.”
نظرت إلى داليا.
— ما الملف الأزرق؟
قالت:
— لا أعرف.
فتشت ذاكرتي.
وفجأة تذكرت شيئًا.
منذ سنوات، كان أبي يحتفظ بخزانة صغيرة في مكتبه القديم.
وكان دائمًا يمنع أي شخص من الاقتراب منها.
أخرجت المفتاح.
كان عليه رقم صغير:
17.
قلت:
— خزانة والدي.
—
في صباح اليوم التالي، ذهبنا إلى المكتب القديم.
كان المبنى جزءًا من أحد العقارات التي تملكها العائلة.
دخلت إلى غرفة أبي.
رائحة المكان أعادت إليّ ذكريات كثيرة.
مكتبه.
صوره.
الكتب.
والخزانة القديمة.
وضعت المفتاح في القفل.
فتح الباب.
كان هناك صندوق معدني صغير.
فتحت الصندوق.
وفي داخله…
كان الملف الأزرق.
أخرجته ببطء.
فتحته.
كانت الصفحة الأولى تحمل أسماء أشخاص.
أسماء موظفين.
مستثمرين.
وشركات.
ثم رأيت اسمًا أعرفه جيدًا.
كريم.
لكن بجانبه لم يكن هناك رقم حساب أو مبلغ.
كان هناك تعليق بخط أبي:
“ليس هو العقل المدبر.”
توقفت.
قلبت الصفحة.
كان هناك اسم آخر.




