روايات وقصص

الجزء الاول بقلم محمد عبده

أغلقت الرسالة.

وضعت يدي فوقها.

وقلت:

«أنا كنت محتاجة أسمع الكلام ده من زمان.»

—

في تلك الليلة، وصلني اتصال من رقم مجهول.

رددت.

جاءني صوت رجل:

«ليلى، لازم نتكلم.»

قلت:

«مين؟»

قال:

«أنا سامي.»

تذكرت الاسم فورًا.

الوسيط العقاري الذي كان يتعامل مع مازن.

سألته:

«عايز إيه؟»

قال:

«أنا ما كنتش أعرف إن التوقيع مزور.»

قلت:

«لكن كنت تعرف إن مازن بيحاول يبيع البيت من ورايا.»

سكت.

ثم قال:

«أنا عرفت بعدين.»

«وبعدين؟»

قال:

«عندي نسخة من تسجيلات كاميرات المكتب.»

تجمدت.

«أي تسجيلات؟»

قال:

«التسجيل اللي يظهر فيه مازن وهو بيتكلم مع شخص تاني عن البيت والتمويل.»

سألته:

«مين الشخص التاني؟»

صمت طويل.

ثم قال:

«والدته.»

شعرت أن قلبي توقف.

سألته:

«سعاد كانت معاه؟»

قال:

«مش بس كانت معاه.»

ثم أضاف:

«هي اللي أعطته بعض المستندات القديمة الخاصة بوالدك.»

وضعت يدي على فمي.

كان معنى ذلك شيئًا واحدًا.

سعاد لم تكن تحاول الاستفادة من أموال ابنها.

كانت تعرف أسرارًا عن عائلتي منذ البداية.

وقبل أن أنهي المكالمة، قال سامي:

«وفي حاجة تانية…»

«إيه؟»

قال:

«الصفقة اللي كان مازن بيخطط لها ما كانتش علشان يسدد ديونه.»

سألته:

«أمال علشان إيه؟»

قال بصوت منخفض:

«كان فيه شخص مستعد يدفع مبلغ ضخم مقابل السيطرة على الشركة اللي ورثتيها من والدك.»

ثم أغلق الهاتف.

جلست في الظلام.

لم أعد أفكر في المنزل.

ولا في المال.

ولا حتى في مازن.

كان السؤال الوحيد الذي يدور في رأسي:

من هو الشخص الذي كان مستعدًا لدفع الملايين للحصول على شركة والدي؟

وفي صباح اليوم التالي…

جاءت الإجابة بنفسها إلى باب منزلي.
الجزء السادس

في التاسعة صباحًا، رن جرس الباب.

فتحت شاشة كاميرا المراقبة، فرأيت رجلًا في الخمسين تقريبًا، يرتدي بدلة داكنة ويحمل حقيبة جلدية.

لم أتعرف عليه.

قالت ريم من خلفي:

«مين ده؟»

أجبت:

«معرفش.»

رن الجرس مرة أخرى.

ثم قال الرجل من خلف الباب:

«الأستاذة ليلى؟ أنا حسام فؤاد. لازم نتكلم في موضوع يخص والدك.»

نظرت إلى ندى التي كانت تجلس معنا.

هزت رأسها.

«ما تفتحيش غير لما نعرف هو مين.»

طلبت منه أن يعرّف نفسه.

أخرج بطاقة من جيبه ورفعها أمام الكاميرا.

كان مستشارًا قانونيًا لإحدى الشركات الاستثمارية الكبرى.

لكن الاسم الموجود على البطاقة جعلني أتذكر شيئًا.

شركة النور للاستثمارات.

كانت نفس الشركة التي رأيتها في مستندات والدي القديمة.

فتحت الباب، لكنني أبقيته على السلسلة.

قال حسام:

«أنا مش جاي أضغط عليكِ. أنا جاي أحذرك.»

قالت ندى:

«من إيه؟»

نظر إليّ حسام.

«من الشخص اللي بيحاول يشتري حصتك في الشركة.»

سألته:

«مين؟»

أجاب:

«رجل اسمه فارس الكيلاني.»

تجمدت.

فقد سمعت هذا الاسم من والدي وأنا طفلة.

قلت:

«إيه علاقته بأبويا؟»

قال حسام:

«كان شريكه السابق.»

ثم أضاف:

«وهو الشخص اللي بدأ يشتري ديون عائلة مازن خلال السنة الماضية.»

فهمت فجأة.

مازن لم يكن يعمل وحده.

والدته كانت غارقة في الديون.

ووالده ترك وراءه مشاكل مالية قديمة.

وشخص آخر كان يشتري كل تلك الديون بهدوء.

لكن لماذا؟

قال حسام:

«فارس مش عايز فلوسك.»

نظرت إليه.

«أمال عايز إيه؟»

قال:

«عايز الشركة.»

وضعت ندى يدها على الملف.

«وليه الشركة مهمة للدرجة دي؟»

فتح حسام حقيبته وأخرج مجموعة مستندات.

«لأن الشركة تملك قطعة أرض ضخمة في قلب الإسكندرية، ووالدك كان رافض بيعها.»

نظرت إلى الأوراق.

كانت الأرض مسجلة باسم الشركة منذ سنوات.

قال:

«فارس حاول يشتري والدك، لكنه رفض. وبعد وفاة والدك، حاول الوصول إلى الورثة.»

قلت:

«وأنا الوريثة.»

هز رأسه.

«بالضبط.»

ثم قال جملة جعلتني أشعر بالقشعريرة:

«ولما فشل في الوصول إليكِ مباشرة، بدأ يبحث عن شخص قريب منك.»

رفعت عيني إليه.

«مازن.»

لم يجب.

لكن صمته كان كافيًا.

—

في ذلك المساء، طلبت مني ندى ألا أتحرك وحدي.

قالت:

«القصة أكبر من محاولة الاستيلاء على البيت. لازم نعرف كل الأطراف.»

وبينما كنا نراجع المستندات، وصلني بريد إلكتروني.

كان من عنوان مجهول.

المرفق عبارة عن صورة.

فتحتها.

كانت صورة قديمة لي وأنا في العشرين من عمري.

وبجانبي والدي.

وفي الخلفية، كان يقف مازن.

لكن المفاجأة لم تكن وجود مازن.

بل التاريخ المكتوب أسفل الصورة.

قبل أن أتعرف إليه بثلاث سنوات.

نظرت إلى ريم.

«إزاي كان يعرف بابا قبل ما أقابل مازن؟»

قالت:

«يمكن صدفة.»

لكن ندى لم تقتنع.

قالت:

«مش بعد كل اللي اكتشفناه.»

ثم ظهرت رسالة أخرى في البريد:

«اسألي زوجك لماذا كان والدُه يتابع تحركات والدك قبل وفاته.»

شعرت بالبرد.

فأرسلت الصورة إلى يوسف، المحامي القديم لوالدي.

جاء رده بعد دقائق:

«كنت أتمنى ألا تضطري لمعرفة هذا الآن.»

اتصلت به فورًا.

قلت:

«يوسف، إيه اللي حصل بين أبويا ووالد مازن؟»

صمت طويل.

ثم قال:

«والد مازن لم يكن مجرد شريك سابق.»

«أمال كان إيه؟»

قال:

«كان يعمل معه في إدارة إحدى الشركات.»

ثم أضاف:

«لكن والدك اكتشف أنه كان يسرّب معلومات عن الشركة إلى منافسين.»

سألته:

«هل كان مازن يعرف؟»

قال:

«لا أعرف.»

ثم سكت.

«لكن هناك شيء آخر.»

قلت:

«إيه؟»

قال:

«قبل وفاة والدك بشهر، جاء والد مازن إلى مكتبي.»

توقفت أنفاسي.

«وقال إيه؟»

قال:

«طلب نسخة من وصية والدك.»

«وإنت اديتهاله؟»

«طبعًا لا.»

ثم قال:

«لكنه لم يأتِ وحده.»

«كان معاه مين؟»

جاءت الإجابة ببطء:

«كان معاه ابنه… مازن.»

وضعت الهاتف على الطاولة.

لم أعد أسمع شيئًا.

كل شيء بدأ يعيد نفسه أمام عيني.

الزواج.

إصراره على إعادة تمويل المنزل.

محاولته الحصول على توقيعي.

ديون والدته.

والشركة التي ورثتها.

ثم صورة مازن مع والدي قبل أن أعرفه بسنوات.

لم يكن زواجنا مجرد زواج فاشل.

ربما كان جزءًا من خطة بدأت قبل أن ألتقي به أصلًا.

وفجأة، وصلني اتصال.

كان من الشرطة.

قال الضابط:

«الأستاذة ليلى، عندنا تطور مهم في قضية زوجك.»

سألته:

«إيه اللي حصل؟»

قال:

«أمسكنا شخصًا كان على اتصال بمازن.»

«مين؟»

تردد قليلًا.

ثم قال:

«والد مازن.»

شعرت أن الدم توقف في عروقي.

قلت:

«لكن والد مازن متوفى من سنين.»

ساد الصمت على الطرف الآخر.

ثم قال الضابط:

«وده بالضبط سبب اتصالنا بك.»

«لأن الرجل اللي قبضنا عليه بيقول إن اسمه الحقيقي مش والد مازن… وإنه كان يستخدم هويته.»

ولأول مرة…

بدأت أشك أنني لا أعرف حتى من هو زوجي الحقيقي.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى