منوعات

الجزء الاخير

نظرت إلى الأرقام.

وجدت تحويلات مالية باسم شركة مرتبطة باسم أمي.

قلت:

—لكن أمي لا علاقة لها بأي شركة.

—عارف.

—إذن من استخدم اسمها؟

قال رامي:

—حسام.

صمتُّ.

ثم سألته:

—وليه؟

—لأن اسمها كان نظيفًا. لا ديون، لا مشاكل قانونية، ولا ارتباطات تجارية سابقة.

ثم قال:

—لكن هناك شيء أخطر.

—إيه؟

أشار إلى تاريخ إنشاء الشركة.

كان قبل زواجي من ياسر بشهور قليلة.

ثم قال:

—الشركة أُنشئت باستخدام نسخة من بطاقة هوية والدتك.

شعرت بصدمة.

—ده مستحيل.

—أنا عارف.

—أمي كانت وقتها في المستشفى لفترة طويلة.

نظر إليّ.

—بالضبط.

رفعت عيني إليه.

فهمت فجأة.

شخص ما كان لديه وصول إلى أوراق أمي.

لكن من؟

قبل أن أسأل، دخل عمر المكتب.

كان وجهه متوترًا.

—مريم، لازم نمشي.

نظرت إليه.

—ليه؟

—وصلني اتصال من النيابة.

—إيه اللي حصل؟

—تم فتح تحقيق رسمي في حسابات شركة ياسر.

ابتسم رامي.

—وأخيرًا بدأوا يتحركوا.

نظر إليه عمر باستغراب.

—إنت عارفني؟

قال رامي:

—أعرف أخوك أكثر مما تتخيل.

ثم مد إليه ظرفًا.

—ده كان لكمال.

فتح عمر الظرف.

خرجت منه ذاكرة إلكترونية صغيرة.

قال رامي:

—كمال طلب مني ألا أسلمها إلا لك.

نظر عمر إليّ.

—إيه اللي عليها؟

رامي أجاب:

—كل شيء.

أخذنا الذاكرة وغادرنا.

في السيارة، وصلني اتصال من ياسر.

لم أرغب في الرد.

لكنني أجبت.

جاء صوته مختلفًا تمامًا.

لم يكن غاضبًا.

كان خائفًا.

—مريم… لازم نتكلم.

—مفيش كلام بيننا.

—أنتِ مش فاهمة اللي بيحصل.

—أنا فاهمة أكتر منك.

سكت.

ثم قال:

—لو فتحتِ الملفات دي، مش أنا بس اللي هتأذى.

—مين كمان؟

قال:

—أنتِ.

ثم أغلق الهاتف.

نظرت إلى عمر.

—هو بيهددني؟

قال:

—أو بيحذرك.

وصلنا إلى مكتبه.

فتحنا الذاكرة على جهاز غير متصل بالإنترنت.

كان بداخلها عشرات الملفات.

صور.

حسابات.

مراسلات.

تسجيلات صوتية.

وعقود.

لكن ملفًا واحدًا كان يحمل اسمًا لافتًا:

“مريم — الحقيقة الكاملة”.

فتحت الملف.

ظهر مستند واحد فقط.

وفي نهايته جملة كتبت بخط يد كمال:

“إذا وصلتِ إلى هنا، فلا تثقي في الرجل الذي يطلب منكِ أن تسامحيه.”

تحتها كان هناك اسم.

لم يكن اسم ياسر.

ولم يكن اسم حسام.

كان اسم شخص لم أتوقعه إطلاقًا.

نوال.

حدقت في الشاشة.

قلت:

—حماتي؟

وفي اللحظة نفسها، وصلني منها تسجيل صوتي.

ضغطت تشغيل.

سمعت صوتها المرتجف:

—مريم… أنا آسفة.

ثم صمتت لثوانٍ.

وأضافت:

—أنا ما قلتلكيش الحقيقة كلها.

توقفت أنفاسي.

ثم قالت:

—أنا كنت موجودة يوم اختفاء كمال.

وسقطت السماعة من يدي.

الجزء الخامس

ظللت أحدق في الهاتف بعد انتهاء التسجيل.

لم أستطع تحريك يدي.

كانت الجملة الأخيرة تدور في رأسي:

“أنا كنت موجودة يوم اختفاء كمال.”

قال عمر:

—مريم… لازم نسمع التسجيل مرة تانية.

شغلته من البداية.

جاء صوت نوال:

—أنا ما قلتلكيش الحقيقة كلها.

ثم صمت قصير.

—أنا كنت موجودة يوم اختفاء كمال… لكني ما كنتش لوحدي.

انتهى التسجيل.

قلت:

—لازم نروح لها.

اعترض عمر فورًا:

—مش دلوقتي.

—ليه؟

—لأن لو هي فعلًا كانت موجودة، يبقى في احتمال إن حسام يعرف إنها بتتكلم.

—لكن لازم أعرف الحقيقة.

—هتعرفيها، بس مش بطريقة تعرضك للخطر.

في تلك اللحظة، وصلني إشعار جديد.

كان من البنك.

تمت محاولة تحويل مبلغ كبير من حساب استثماري باسم مريم.

تجمدت.

قلت:

—أنا ما عملتش أي تحويل.

فتح عمر الإشعار.

—مين عنده صلاحية على الحساب؟

—أنا فقط.

ثم نظر إليّ.

—إذن حد حصل على بيانات الدخول.

اتصلت بالبنك فورًا، وطلبت إيقاف جميع العمليات.

بعد دقائق، أكد الموظف أن محاولة التحويل جاءت من جهاز مسجل باسم…

ياسر.

أغلقت الهاتف.

—هو بيحاول يوصل لفلوسي.

قال عمر:

—يبقى لازم نتحرك بسرعة.

في مساء اليوم نفسه، قررت الذهاب إلى منزل نوال.

لكن عندما وصلنا، كان الباب مفتوحًا.

ناديت:

—نوال؟

لم يجب أحد.

دخلنا بحذر.

كان المنزل مرتبًا بشكل غريب.

لا توجد فوضى.

لا يوجد شيء مكسور.

لكن غرفة نوال كانت فارغة.

وعلى الطاولة كان هناك ظرف أبيض.

مكتوب عليه اسمي.

فتحت الظرف.

وجدت بداخله مفتاحًا صغيرًا وورقة.

“مريم، لو وصلتي للورقة دي، يبقى أنا اضطررت أمشي.”

ثم:

“المفتاح ده هيفتح خزنة في مكان ما يعرفوش حسام.”

وتحتها عنوان.

كان العنوان في الإسكندرية.

قال عمر:

—إحنا رايحين هناك.

في صباح اليوم التالي، وصلنا إلى العنوان.

كان مبنى قديمًا قريبًا من البحر.

دخلنا إلى الطابق الثاني.

وجدنا بابًا حديديًا صغيرًا.

أدخلت المفتاح.

انفتح الباب.

كانت هناك خزنة كبيرة.

فتحناها.

بداخلها مجموعة من الملفات، وصور قديمة، وتسجيلات صوتية.

لكن أهم شيء كان ظرفًا يحمل اسم ياسر.

فتحته.

وجدت رسالة بخط يد نوال:

“ياسر لم يكن يعرف الحقيقة كاملة.”

توقفت.

واصلت القراءة:

“والدك أجبرني على مساعدته في إنشاء بعض الشركات بأسماء أشخاص آخرين. كنت خائفة على أولادي.”

ثم:

“لكن بعد أن كبر ياسر، اكتشف جزءًا من الحقيقة.”

رفعت رأسي.

—يعني ياسر كان عارف؟

قال عمر:

—جزءًا منها.

قرأت بقية الرسالة.

“ياسر حاول إصلاح ما فعله والده، لكنه لم يكن قادرًا على مواجهته.”

ثم وجدت جملة جعلتني أشعر بالصدمة:

“زواج ياسر منك لم يكن صدفة.”

وضعت الورقة على الطاولة.

—إيه؟

قال عمر:

—كملي.

تابعت:

“حسام عرف أنك متخصصة في المحاسبة والمراجعة، وعرف أنك ذكية. كان يريد شخصًا يستطيع الاعتماد عليه داخل العائلة.”

شعرت بالغضب.

—يعني اتجوزني عشان شغلي؟

لكن الرسالة لم تنتهِ.

“في البداية كان هذا هو السبب.”

ثم:

“لكن ياسر أحبك فعلًا.”

صمتت.

لم أكن أعرف ماذا أشعر.

كل اللحظات التي عشتها معه.

كل الضحكات.

كل الوعود.

كل شيء أصبح فجأة موضع شك.

لكنني أكملت.

“ياسر حاول إبعادك عن حسابات الشركة لأنه كان يعرف أن الحقيقة ستؤذيك.”

“وحين بدأ حسام يشك في أنك اكتشفتِ شيئًا، طلب من ياسر أن يسيطر عليك بأي طريقة.”

أغمضت عيني.

ثم جاءت الجملة الأخيرة:

“الصفعة لم تكن في الخطة.”

نظرت إلى عمر.

—إيه معنى ده؟

قال:

—معناه إن ياسر فقد السيطرة.

فجأة رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة.

ثم قال:

—دي النيابة.

أجاب.

استمع لثوانٍ.

ثم أغلق الهاتف.

—في أمر تفتيش صدر ضد شركة ياسر.

قلت:

—وأحنا؟

—إحنا لازم نسلم كل الملفات.

نظرت إلى الخزنة.

—لسه في حاجة.

كان هناك ملف صغير في الأسفل.

فتحته.

وجدت بداخله صورة.

صورة لياسر وأنا في يوم زفافنا.

لكن خلف الصورة كان هناك تاريخ مكتوب.

قبل زواجنا بثلاثة أشهر.

وبجانب التاريخ جملة:

“في هذا اليوم بدأ ياسر يرفض تنفيذ أوامر والده.”

ثم صورة أخرى.

كان ياسر واقفًا أمام مكتب كمال.

وبجواره رجل لم أتعرف عليه.

لكن عمر عرفه فورًا.

قال:

—ده أخويا.

ثم نظر إلى الصورة طويلًا.

—ودي آخر صورة له قبل اختفائه.

فجأة سمعنا صوت سيارة تتوقف أسفل المبنى.

ثم صوت خطوات تصعد السلم.

نظر عمر إليّ.

—حد لحقنا.

أغلقنا الخزنة.

أمسكت بالملفات.

وانطفأت الأنوار.

ثم سمعنا طرقًا قويًا على الباب.

وصوت رجل من الخارج:

—مريم… افتحي.

كان صوت ياسر.

لكن المفاجأة لم تكن في وجوده.

المفاجأة كانت في الشخص الذي كان يقف بجانبه.

عندما فتح عمر جزءًا صغيرًا من الباب، ظهر رجل آخر خلف ياسر.

رجل ظننته مات منذ سبع سنوات.

كمال رؤوف.

الجزء السادس

تجمدت في مكاني.

حدقت في الرجل الواقف خلف ياسر، وكأن عقلي يرفض تصديق ما تراه عيناي.

كان وجهه أكبر سنًا مما ظهر في الصور، وشعره غزاه الشيب، لكنني لم أكن بحاجة إلى أي دليل آخر.

كان هو.

كمال رؤوف.

الرجل الذي قيل لنا إنه مات قبل سبع سنوات.

نظر إليّ وقال بهدوء:

—مريم، لازم نخرج من هنا فورًا.

لم أتحرك.

—إنت كمال؟

أومأ.

—أيوه.

قلت بغضب:

—سبع سنين وإنت عايش؟! ليه اختفيت؟

خفض عينيه.

—لأن لو ظهرت وقتها، ناس كتير كانت هتختفي معايا.

دخل ياسر إلى الغرفة.

كان وجهه شاحبًا.

قلت له:

—كنت تعرف إنه حي؟

—عرفت من فترة قصيرة.

—وأبوك؟

سكت.

عرفت الإجابة من صمته.

قلت:

—حسام عارف؟

قال كمال:

—هو اللي كان بيدور عليّ من سبع سنين.

ثم أخرج هاتفًا قديمًا.

—لكن عندي حاجة أهم.

فتح تسجيلًا صوتيًا.

ظهر صوت حسام بوضوح.

كان يتحدث مع شخص آخر عن تحويلات مالية وشركات بأسماء وهمية.

ثم قال:

—لازم الـ46 مليون يخرجوا قبل الإعلان عن الصفقة.

توقفت أنفاسي.

كمال أوقف التسجيل.

—المبلغ ده كان المفروض يختفي قبل الطرح العام.

قلت:

—لكن ليه؟

أجاب:

—لأن الأموال دي لم تكن ملك الشركة من الأساس.

ثم نظر إلى ياسر.

—والدك كان يستخدم أموال المستثمرين والعملاء لسداد التزامات قديمة.

قلت:

—وياسر كان يعرف؟

قال ياسر:

—عرفت جزءًا من الحقيقة متأخرًا.

صرخت:

—وكان المفروض تعمل إيه؟ تضربني؟

خفض رأسه.

—أنا غلطت.

—غلطت؟ أنت خفت من أبوك فطلعت غضبك عليّ!

لم يدافع عن نفسه.

لأول مرة رأيته بلا غرور.

بلا ثقة.

فقط رجل يعرف أنه خسر كل شيء.

قال كمال:

—ياسر حاول إيقاف والده، لكن حسام هدده بتدمير الشركة وإدخاله في القضية.

قلت:

—وده سبب إنك جمدت حساباتي؟

ياسر نظر إليّ.

—كنت عايز أمنعك من الوصول للحسابات.

—وليه؟

—لأن حسام كان يراقبك.

ضحكت بمرارة.

—يعني بدل ما تحميني، عاقبتني؟

لم يرد.

ثم قال:

—كنت جبانًا.

ساد الصمت.

لكنني لم أنسَ شيئًا.

—فين نوال؟

نظر كمال إلى ياسر.

ثم قال:

—هي في مكان آمن.

—إنت عارف مكانها؟

—أيوه.

قبل أن يكمل، رن هاتف ياسر.

نظر إلى الشاشة.

تغير وجهه.

—أبي.

لم يجب.

رن الهاتف مرة ثانية.

ثم وصلت رسالة.

قرأها بصوت مرتجف:

“أمامك ساعة واحدة لتعيد الملفات، وإلا ستدفع أنت الثمن.”

قلت:

—هو عارف إن الملفات معانا.

كمال قال:

—لا.

ثم أضاف:

—هو يعرف أنني ظهرت.

وهنا فهمت شيئًا.

حسام لم يكن يخاف من الأموال.

كان يخاف من الشهادة.

لأن كمال هو الشخص الوحيد الذي يستطيع ربط الحسابات بالشركات الوهمية.

لكن كان لدينا مشكلة أخرى.

قلت:

—لو سلمنا كل الملفات للنيابة، ممكن ياسر يتورط.

قال ياسر:

—أنا مستعد.

نظرت إليه.

—دلوقتي؟

—دلوقتي.

—بعد ما ضربتني؟

خفض رأسه.

—أنا مش بطلب منك تسامحيني.

ثم قال:

—بس بطلب منك ما تخلينيش أكرر نفس جبني وأسيب أبويا يدمّر ناس تانية.

لم أجب.

في اليوم التالي، ذهبنا إلى النيابة.

قدمت الملفات التي جمعتها خلال الأشهر الستة الماضية.

وقدّم كمال تسجيلاته ومستنداته.

وقدّم عمر الأدلة المتعلقة باختفاء أخيه.

أما ياسر، فقدم سجلات الشركة كاملة.

وبعد ساعات من التحقيق، صدر قرار بتجميد عدد من الأصول المرتبطة بالقضية.

لكن حسام لم يكن في منزله.

كان قد اختفى.

مرت ثلاثة أيام.

ثم أربعة.

وفي اليوم الخامس، تلقيت اتصالًا من رقم مجهول.

—مريم؟

—مين؟

—أنا حسام.

شعرت بالغضب.

—إنت عايز إيه؟

—عايز أقابلك.

—مفيش بيننا كلام.

قال بهدوء:

—عندك مستند ناقص.

سكتُّ.

—مستند لو ظهر، هيغير القضية كلها.

قلت:

—إيه هو؟

ضحك.

—هتعرفي لما تشوفيه.

ثم أعطاني عنوانًا.

قبل أن أغلق الهاتف، قال:

—وأهم حاجة… ما تثقيش في ياسر.

أغلقت الهاتف.

نظرت إلى عمر.

قلت:

—هو عايز يقابلني.

قال:

—مش هتروحي لوحدك.

لكنني كنت أعرف أن الأمر لم يعد متعلقًا بحسام وحده.

لأن هناك مستندًا ناقصًا.

ومهما كان ما بداخله، فمن الواضح أن حسام كان يعتقد أنه قادر على قلب القضية بالكامل.

وفي صباح اليوم التالي، وصلني ظرف مجهول إلى مكتب عمر.

كان بداخله مستند واحد.

قرأت الصفحة الأولى.

ثم شعرت أن الأرض اختفت من تحت قدمي.

لأن التوقيع الموجود أسفل المستند…

كان توقيعي أنا.

لكنني لم أوقع عليه في حياتي.
يتبع الجزء الاخير

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى