روايات وقصص

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

وأضاف:

—نوال كانت مقتنعة إن عائلة والدك مسؤولة عن جزء من الخسارة.

قالت سلمى:

—وعشان كده خططتوا لجوازي من كريم؟

هز فؤاد رأسه.

—أنا لم أشارك في الزواج.

ثم نظر إلى محمود.

—لكن محمود تورط في محاولة إصلاح الخلاف.

قال محمود:

—كنت غلطان.

سألت سلمى:

—وكريم؟

قال فؤاد:

—كريم عرف بالقصة، لكنه لم يكن يريد استعادة حق عائلته.

صمت لحظة.

—كان يريد المال لنفسه.

قالت سلمى:

—يعني استغل كل ده؟

—بالضبط.

أخرج فؤاد ملفًا ووضعه أمامها.

—لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.

فتحت سلمى الملف.

كان يحتوي على حسابات وتحويلات ورسائل.

قال فؤاد:

—كريم لم يكن مدينًا بثلاثة ملايين فقط.

قلبت سلمى الأوراق.

—كام؟

أجاب:

—أكثر من سبعة ملايين جنيه.

شهقت مريم.

—وده يفسر ليه كان بيحاول يوصل لأموالها وأموال أهلها.

أومأ فؤاد.

ثم قال:

—لكن ده مش أهم شيء.

نظر إلى سلمى.

—المهم إن جزءًا من الأموال اللي أخذها منك رجع بالفعل إلى حساب باسمك.

توقفت سلمى.

—إيه؟

—كريم كان بيحاول يعمل حسابات وهمية، لكنه ارتكب خطأ.

أشار إلى ورقة.

—حوّل جزءًا من المال إلى حساب استثماري باسمك، لأنه كان يريد استخدامه كغطاء.

قالت مريم:

—وده معناه إن جزءًا من الأموال يمكن استرداده بسهولة.

ابتسم فؤاد.

—وأكثر من كده.

ثم أخرج مستندًا أخيرًا.

—الشركة اللي كريم حاول ينقل إليها ملكية جزء من وكالة سلمى… لم تعد ملكه.

رفعت سلمى عينيها.

—إزاي؟

قال:

—لأنني اشتريتها منذ شهر.

تجمدت سلمى.

—إنت اشتريتها؟

—أيوه.

—ليه؟

قال فؤاد:

—لأنني كنت أراقب كريم منذ فترة، وكنت أعرف إنه يحاول تدميرك.

ثم أضاف:

—وأنا لم أشترِها لأمتلكها.

دفع العقد نحوها.

—اشتريتها فقط علشان أحميها من أي محاولة استيلاء.

نظرت سلمى إلى اسمها في العقد الجديد.

كانت الملكية قد عادت إليها بالكامل.

لم تستطع الكلام.

قالت مريم:

—ده معناه إن فؤاد كان بيحاول يحميها من البداية.

هز رأسه.

—أنا كنت مدينًا لوالدها.

سألت سلمى:

—مدينًا له بإيه؟

أجاب:

—منذ سنوات، والدك ساعدني في بداية عملي، ورفض يأخذ أي شيء في المقابل.

ثم ابتسم.

—وأنا لم أنسَ ذلك.

أمسكت سلمى المستند.

قال فؤاد:

—دلوقتي عندك كل الأدلة.

ثم نظر إلى محمود.

—لكن لازم تقول لها آخر حاجة.

خفض محمود رأسه.

—أنا السبب في إن كريم عرف عن استثمارات والدك.

نظرت إليه سلمى.

—إنت؟

—أيوه.

قال محمود:

—أنا حكيت له عن المشروع، وعن إن والدك عنده أموال استثمارية. ما كنتش أعرف إنه هيستخدم المعلومات ضدك.

سكتت سلمى.

ثم قالت:

—أنا مش هسامحك بسهولة.

أومأ محمود.

—ومن حقك.

وقفت سلمى.

—لكن مش هخلي أخطاءكم تضيّع حياتي.

وفي المساء، قدمت مريم كل المستندات الجديدة للجهات المختصة.

وبعد أيام، بدأت القضية تتجه لمصلحة سلمى.

تمت مراجعة الحسابات، وتجميد بعض الأصول، وبدأت إجراءات لاستعادة الأموال.

أما كريم، فلم يعد قادرًا على الاختباء.

وفي صباح أحد الأيام، اتصلت مريم بسلمى.

—خلاص.

—إيه؟

—كريم ظهر.

—فين؟

—في مكتب المحامي.

صمتت سلمى.

قالت مريم:

—وعايز يقابلك.

أجابت سلمى:

—هقابله.

—متأكدة؟

—أيوه.

ثم أضافت:

—بس المرة دي… مش علشان أسمعه.

—أمال؟

ابتسمت سلمى.

—علشان أقفل آخر صفحة في حياتي معاه.

وبعد ساعات، جلست أمام كريم للمرة الأخيرة.

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

—أنا خسرت كل حاجة.

أجابته سلمى بهدوء:

—لأ.

—إنتِ شايفة إنك كسبتي؟

—أنا ما كنتش في مسابقة.

ثم قالت:

—أنا بس رجعت لنفسي.

خفض كريم رأسه.

—ممكن تسامحيني؟

نظرت إليه.

—المسامحة حاجة… والرجوع حاجة تانية.

ثم وقفت.

—أنا ممكن أسامح علشان أعيش مرتاحة.

توقفت عند الباب.

—لكن عمري ما هرجع للشخص اللي حاول يسرق مني حياتي.

خرجت سلمى.

وخلفها أُغلقت آخر صفحة من زواجها.

لكنها لم تكن تعرف أن المفاجأة الحقيقية لم تكن في خسارة كريم…

بل في الشيء الذي قرره والدها بعد انتهاء القضية.

قرار سيجعل سلمى تكتشف أن والدها كان يخفي عنها ثروة حقيقية طوال سنوات… وأن الـ5 آلاف جنيه التي سخر منها كريم في الحفل ستصبح رمزًا لن ينساه أحد.

الجزء الأخير

بعد مرور عدة أسابيع، بدأت حياة سلمى تهدأ.

انتهت الإجراءات الأساسية، وعادت إليها أجزاء كبيرة من أموالها، كما تم إثبات أن بعض المستندات التي حاول كريم استخدامها ضدها لم تكن موقعة منها أصلًا.

أما كريم، فأصبح مطالبًا بتسوية التزاماته المالية، وابتعد عنه معظم الأشخاص الذين كانوا يصفقون له في الحفلات.

لكن سلمى لم تعد تهتم بأخباره.

كانت قد بدأت حياة جديدة.

وفي أحد الأيام، طلب منها والدها أن تأتي إلى المنزل.

قال لها:

—عايز أوريكي حاجة.

دخلت معه إلى غرفة صغيرة لم تدخلها منذ سنوات.

فتح خزانة قديمة وأخرج صندوقًا معدنيًا.

وضعه أمامها.

—افتحيه.

فتحته سلمى.

وجدت داخله مجموعة أوراق وشهادات استثمار قديمة.

نظرت إليه بدهشة.

—إيه ده؟

ابتسم حسن.

—الفلوس اللي قلت لك عنها.

قالت:

—استثماراتكم؟

—أيوه.

ثم أضاف:

—واللي كنت مخبيها عنك مش علشان أخدعك. كنت عايزك تعتمدي على نفسك، مش على فلوسنا.

كانت قيمة الاستثمارات قد زادت كثيرًا على مدار السنوات.

لكن حسن قال:

—الفلوس دي مش علشان تعوضك عن اللي حصل.

—أمال؟

—دي علشان تعرفي إنك من البداية ما كنتيش محتاجة كريم ولا غيره.

نظرت سلمى إلى والدها والدموع في عينيها.

—أنا كنت فاكرة إنكم ناس بسيطة ومش عندكم حاجة.

ضحك حسن.

—إحنا فعلًا ناس بسيطة.

ثم أضاف:

—لكن البساطة مش معناها الفقر.

احتضنته سلمى.

وفي اليوم التالي، عادت إلى شركتها.

أعادت ترتيب مكتبها، وبدأت توسع عملها.

بعد شهور قليلة، أصبحت وكالتها تنظم حفلات ومناسبات لكبرى الشركات.

أما الحفل الذي كان كريم يعتبره استعراضًا لمكانته، فأصبح حديثًا مختلفًا تمامًا.

كان أحد الضيوف قد احتفظ بتسجيل لما حدث.

وانتشر بين معارف العائلتين.

الجملة التي قالتها نوال:

«هناك عائلات ببساطة لا تصل إلى مستوانا»

أصبحت محل سخرية.

لكن أكثر شيء بقي في ذاكرة الجميع هو مبلغ الـ5 آلاف جنيه.

سلمى لم ترمِ المال.

احتفظت به.

وضعت المبلغ داخل إطار صغير في مكتبها، وكتبت تحته:

«القيمة ليست في المبلغ… بل في اليد التي تعطيه بمحبة.»

وعندما سألها أحد الموظفين عن سبب احتفاظها به، ابتسمت وقالت:

—ده مش فلوس.

—أمال إيه؟

—ده تذكير.

—بتذكير بإيه؟

قالت:

—إن اللي بيحاول يقلل من قيمة الناس علشان شكلهم أو فلوسهم، غالبًا بيكون هو أكتر شخص محتاج يتعلم معنى القيمة الحقيقية.

مرت سنة كاملة.

وفي ذكرى اليوم الذي أقيم فيه الحفل، أقامت سلمى مناسبة صغيرة في شركتها.

دعت والديها.

ومريم.

وبعض الأشخاص الذين وقفوا بجانبها وقت الأزمة.

وفي نهاية الحفل، أمسكت سلمى بالميكروفون وقالت:

—من سنة، كنت واقفة في مكان مشابه، لكن حياتي كانت مختلفة.

نظرت إلى والديها.

—كنت فاكرة إن عندي زوجًا يحبني.

ثم ابتسمت.

—واكتشفت إن عندي أب وأم مستعدين يقفوا جنبي حتى لو خسرت كل شيء.

صفق الجميع.

أكملت:

—واتعلمت إن الإنسان مش بيتقاس بالسيارة اللي بيركبها، ولا بالساعة اللي في إيده، ولا بالمطعم اللي بيأكل فيه.

ثم قالت:

—الإنسان بيتقاس بأخلاقه… وبالطريقة اللي بيعامل بيها الناس لما يكون قادر يجرحهم.

اقتربت من والدها ووالدتها.

—وأنا أغنى إنسانة في الدنيا… لأن عندي أهل عمرهم ما باعوني علشان الفلوس.

صفق الجميع بحرارة.

أما سلمى، فنظرت إلى الإطار الموجود على مكتبها.

الـ5 آلاف جنيه.

المبلغ الذي ألقاه كريم أمام الناس احتقارًا…

أصبح بالنسبة إليها أغلى من أي هدية باهظة.

لأنه ذكّرها بيوم اكتشفت فيه الحقيقة.

وفي نهاية ذلك اليوم، أغلقت سلمى مكتبها، وأطفأت الأنوار.

وقبل أن تغادر، نظرت إلى الإطار مرة أخيرة.

وقالت لنفسها:

—أحيانًا لازم نخسر شخصًا… علشان نكتشف قيمة الأشخاص اللي عمرهم ما خسرونا.

ثم ابتسمت وأغلقت الباب.

ومن يومها، لم تعد سلمى تقيس الناس بما يملكونه… بل بما يتركونه في قلوب الآخرين.

وهكذا انتهت حكاية الزوج الذي ظن أن المال هو القوة، واكتشفت سلمى أن الكرامة، والصدق، ووقوف الأهل وقت الشدة… ثروة لا تُشترى بأي مبلغ.
تمت

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى