
كان الباب مغلقًا.
أخرجت نورا مفتاحًا.
سألتها سلمى:
—من أين حصلتِ عليه؟
—كان معي منذ فترة.
فتحت الباب.
دخلتا.
كان المكان هادئًا.
وضعت سلمى حقيبتها على الأرض وبدأت تبحث.
—أين يمكن أن يخفيه؟
قالت نورا:
—ابحثي عن شيء لا قيمة له بالنسبة لك.
نظرت سلمى حولها.
ثم تذكرت.
صندوق خشبي قديم كان عمر يحتفظ به في غرفة المكتب.
فتحته.
لم تجد شيئًا.
ثم رفعت الغطاء السفلي.
كان هناك تجويف صغير.
وفي داخله ملف أسود.
أخرجته بيدين مرتجفتين.
فتحت الصفحة الأولى.
كانت هناك نسخ من العقود.
تحويلات بنكية.
مراسلات.
وتسجيلات مطبوعة.
ثم وجدت ورقة جعلتها تتوقف عن التنفس.
كانت نسخة من المستند الذي نقل ملكية أرض عائلتها.
لكن في أسفل الصفحة كان هناك اسم مختلف عن الاسم الموجود في النسخة الرسمية.
لم يكن التوقيع مزورًا فقط… بل تم تعديل المستند بعد توقيعها.
قالت نورا:
—هذا هو الدليل.
لكن قبل أن تتمكن سلمى من وضع الأوراق في الحقيبة، سمع الاثنان صوت مفتاح يدور في الباب.
تجمدتا.
ثم جاء صوت عمر:
—أعرف أنكما هنا.
شعرت سلمى بالخوف.
اقتربت نورا منها وهمست:
—لا تخرجي من الغرفة.
لكن سلمى لم تعد تريد الهرب.
أمسكت بالملف بقوة.
دخل عمر إلى غرفة المكتب.
وحين رأى سلمى، تغير وجهه.
—أنتِ؟
قالت بهدوء:
—نعم.
ثم رفعت الملف أمامه.
—وجدت ما كنت تبحث عنه.
صمت عمر.
قالت:
—لم تطردني بسبب نورا.
لم يجب.
—كنت تريدني خارج المنزل لأنك عرفت أن الحقيقة ستظهر.
اقترب منها.
—أعطيني الملف.
تراجعت سلمى خطوة.
—لن أفعل.
—سلمى، أنتِ لا تفهمين ما يحدث.
—بل فهمت أخيرًا.
وفي تلك اللحظة، سمعوا طرقًا قويًا على الباب.
ثم جاء صوت من الخارج:
—الشرطة! افتحوا الباب!
تراجع عمر.
نظرت سلمى إلى نورا.
ثم إلى الملف.
لكنها لم تكن تعرف أن هناك مفاجأة أخيرة ستقلب القضية كلها…
لأن الشرطة لم تأتِ بسبب عمر وحده.
بل جاءت ومعها شخص يحمل دليلًا يتعلق بـ ياسين نفسه.
الجزء الأخير
توقفت سلمى في مكانها عندما سمعت اسم ياسين.
كان عمر واقفًا أمامها شاحب الوجه، بينما كانت نورا تنظر إلى الباب وكأنها تعرف أن اللحظة التي حاول الجميع الهروب منها قد وصلت.
دخل رجال الشرطة إلى الشقة، وكان معهم محامٍ يحمل ملفًا كبيرًا.
قال أحد الضباط:
—السيدة سلمى محمود؟
—نعم.
—نحن بحاجة إلى الحديث معك بشأن المستندات الموجودة معك.
أعطته سلمى الملف.
فتحه الضابط، ثم نظر إلى المحامي.
قال المحامي:
—هذه المستندات تثبت أن نقل ملكية الأرض تم بطريقة غير قانونية.
تنفست سلمى بارتياح.
لكن الضابط قال:
—هناك مشكلة أخرى.
نظرت إليه.
—ما هي؟
أخرج ورقة من ملفه.
—اسم ياسين ظهر في التحقيق.
تجمدت سلمى.
—ماذا فعل؟
قال الضابط:
—ليس متهمًا بسرقة الأرض.
ثم أضاف:
—لكنه كان على علم بالتحويلات منذ سنوات.
دخل ياسين إلى الشقة في تلك اللحظة.
نظر إلى سلمى.
لم تتكلم.
قال:
—كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي.
اقترب منها.
—لكنني لم أساعد عمر.
قالت سلمى:
—لماذا لم تخبرني؟
—لأنني كنت أحاول جمع الأدلة.
—سبع سنوات وأنت تختفي، ثم تظهر فجأة عندما أُطرد من منزلي، وتقول إنك تبحث عني من أجل مساعدتي… كيف أثق بك؟
خفض ياسين رأسه.
—لأنني ارتكبت خطأ قبل سبع سنوات.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا.
—وهذا هو السبب الحقيقي وراء عودتي إلى حياتك.
فتحت سلمى الظرف.
وجدت بداخله رسالة قديمة.
كانت الرسالة من والدها.
قرأتها بصمت.
كان والدها قد كتب قبل وفاته أنه لا يثق بعمر، وأنه أوصى ياسين بمراقبة أي أوراق تتعلق بالأرض إذا حدث له شيء.
رفعت سلمى عينيها.
—أبي كان يعرف؟
أجاب ياسين:
—كان يشك في عمر منذ البداية.
قالت نورا:
—ولهذا كنت أعمل معه.
نظرت إليها سلمى بدهشة.
—كنتِ تعملين مع عمر لتعرفي ما يفعله؟
أومأت نورا.
—في البداية نعم.
ثم أضافت:
—لكنني عندما اكتشفت أنه يريد تحميلك المسؤولية عن كل شيء، قررت أن أساعدك.
أما عمر فكان قد جلس على الكرسي، وقد فقد كل قدرته على الإنكار.
قال:
—لم أكن أريد أن يحدث كل هذا.
نظرت إليه سلمى.
—لكنك فعلت.
—كنت خائفًا من خسارة الشركة.
—فخسرتني بدلًا منها.
لم يجد جوابًا.
بعد أسابيع، أثبت التحقيق أن توقيع سلمى استُخدم على مستند مختلف عن المستند الذي وافقت عليه، وأن نقل الملكية تم من خلال سلسلة من الإجراءات غير القانونية.
تم إيقاف الصفقة، وعادت ملكية الأرض إلى سلمى.
أما عمر، فواجه قضية قانونية بسبب التلاعب بالمستندات والتحويلات المالية.
نورا قررت التعاون الكامل مع التحقيق، وقدمت التسجيلات والمراسلات التي كانت تحتفظ بها.
أما ياسين…
فلم يطلب من سلمى أن تسامحه.
قال لها فقط:
—أعرف أنني لا أستحق أن تعودي لتثقي بي بسهولة.
أجابته:
—الثقة لا تعود بالكلام.
ابتسم.
—أعرف.
مرت عدة أشهر.
عادت سلمى إلى عملها كمترجمة، وبدأت تعمل مع الشركة الفرنسية التي تعرفت إليها في باريس.
لم تعد المرأة التي غادرت منزل عمر بحقيبة واحدة.
أصبحت مستقلة، أقوى، وأكثر وعيًا بقيمتها.
وفي أحد الأيام، كانت تستعد للسفر مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم تكن تهرب من شيء.
كانت تسافر من أجل عمل اختارته بنفسها.
وقبل صعودها إلى الطائرة، وجدت ياسين ينتظرها.
قال:
—هذه المرة لن أغير مقعدك.
ابتسمت.
—أفضل.
—سأترك لكِ حرية اختيار المكان.
نظرت إليه للحظة.
ثم قالت:
—يمكنك الجلوس بجواري… إذا أردت.
ابتسم ياسين.
وجلس إلى جانبها.
لم تكن سلمى تعرف ماذا سيحدث بينهما في المستقبل.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا:
لم تعد تخاف من الرحيل.
ففي المرة الأولى، غادرت منزلها وهي تظن أنها خسرت كل شيء.
أما الآن…
فقد اكتشفت أنها عندما فقدت الرجل الذي ظنت أنها لا تستطيع العيش بدونه، استعادت نفسها.
وأحيانًا…
لا يكون الرحيل نهاية الحكاية.
بل يكون أول صفحة في حياة جديدة تمامًا.
النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




