
فقال الرجل:
— “لأنك كنتِ تمتلكين شيئًا مهمًا.”
— “ماذا؟”
— “حسابًا مصرفيًا قديمًا أنشأته والدتك باسمك.”
فتحت فمي بدهشة.
— “أنا لا أملك أي حساب قديم.”
ابتسم الرجل.
— “بل تملكين.”
تدخل أبي:
— “والحساب لم يكن يحتوي على أموال فقط.”
ثم نظر إليّ.
— “كان يحتوي على سجل كامل للتحويلات التي قامت بها الشبكة.”
بدأت أفهم سبب كل شيء.
ياسر لم يكن يحبني.
لم يكن يريد الزواج مني.
كان يريد الوصول إلى الحساب.
قلت:
— “لكن لماذا انتظر كل هذه السنوات؟”
قال أبي:
— “لأن الحساب كان محميًا بشرط.”
— “ما هو؟”
— “لا يمكن الوصول إلى البيانات إلا بعد بلوغك سنًا معينة، وبعد حدوث تغيير قانوني في حالتك الشخصية.”
توقفت.
— “الطلاق؟”
أومأ أبي.
— “بالضبط.”
فهمت أخيرًا.
كان الطلاق هو المفتاح.
بعد انتهاء الزواج، أصبحت البيانات قابلة للوصول.
ولهذا كان ياسر بحاجة إلى تنفيذ العملية في نفس اليوم.
ولهذا كان أبي ينتظر.
ولهذا أجبرني على تغيير أرقام بطاقاتي.
لكن الرجل أمامنا قال فجأة:
— “هناك مشكلة.”
نظرنا إليه.
— “البيانات الموجودة على الذاكرة ليست كاملة.”
قلت:
— “ماذا تقصد؟”
— “والدتك قسمت المعلومات إلى جزأين.”
— “أين الجزء الثاني؟”
نظر إلى أبي.
صمت أبي.
صرخت:
— “أين الجزء الثاني؟!”
قال أبي أخيرًا:
— “مع ياسر.”
شعرت بصدمة.
— “ماذا؟!”
— “أمك أعطته جزءًا من المعلومات قبل وفاتها.”
— “لماذا؟”
— “لأنها كانت تراقبه.”
بدأت الصورة تتضح.
ياسر لم يكن مجرد متورط.
كان ربما الشخص الذي كانت أمي تستخدمه للوصول إلى الشبكة.
لكن شيئًا حدث.
شيء جعل ياسر ينقلب عليها.
وفجأة رن هاتف أبي.
نظر إلى الشاشة.
ثم قال:
— “إنها الشرطة.”
أجاب.
وبعد لحظات، تغير وجهه.
— “ماذا حدث؟”
أغلق الهاتف.
ثم قال:
— “ياسر هرب.”
— “هرب من النادي؟”
— “نعم.”
— “وكيف؟”
نظر إليّ.
— “لأن شخصًا من داخل الشرطة ساعده.”
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
لم تعد المسألة مجرد طلاق أو أموال.
كانت شبكة كاملة.
شبكة وصلت إلى أشخاص داخل مؤسسات يفترض أنها تحمينا.
قال الرجل:
— “علينا أن نتحرك الآن.”
قلت:
— “إلى أين؟”
أجاب:
— “إلى المكان الذي أخفت فيه والدتك الجزء الثاني.”
— “وأين هو؟”
نظر أبي إليّ وقال:
— “في المكان الذي عشتِ فيه طفولتك.”
منزل أمي القديم.
عدنا إلى المنزل في وقت متأخر من الليل.
كان مهجورًا منذ سنوات.
دخلنا بصعوبة.
كانت رائحة الغبار تملأ المكان.
توجه أبي مباشرة إلى غرفة والدتي.
فتح خزانة قديمة.
ثم أخرج صورة عائلية.
أزال الإطار.
وكان خلف الصورة ظرف صغير.
فتحه.
وجدنا ورقة واحدة.
قرأتها بصوت مرتجف:
“إذا وصلت ليان إلى هنا، فهذا يعني أنني لم أستطع إيقافهم.”
ثم تابعت:
“يا ابنتي، لا تثقي بالرجل الذي سيأتيك بابتسامة ويخبرك أنه يريد حمايتك. الشخص الذي تبحثين عنه أقرب إليك مما تتخيلين.”
رفعت رأسي ببطء.
نظرت إلى أبي.
ثم إلى الرجل الذي كان معنا.
وفجأة فهمت معنى الجملة.
لكن قبل أن أتكلم…
سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
ثم انفتح الباب الخارجي.
وجاء صوت أعرفه جيدًا:
— “ليان…”
كان صوت ياسر.
لكن هذه المرة كان وحده.
ثم قال:
— “إذا أردتِ معرفة من قتل أمك فعلًا… تعالي إليّ.”
الخاتمة
توقفت أنفاسي عندما سمعت صوت ياسر خارج المنزل.
كان يقف في الظلام أمام الباب، لكن هذه المرة لم يكن يختبئ.
قال:
— “ليان، أعرف أنكِ تريدين الحقيقة.”
أمسك أبي بيدي.
— “لا تخرجي.”
لكنني لم أستطع التراجع.
تقدمت نحو الباب، بينما بقي أبي خلفي.
قلت:
— “قل لي من قتل أمي.”
ساد الصمت للحظات.
ثم قال ياسر:
— “والدك.”
تجمدت.
نظرت إلى أبي.
لم ينطق.
قلت:
— “أبي؟”
رفع أبي عينيه نحوي.
— “ليان، لا تصدقيه.”
ضحك ياسر.
— “بالطبع سيقول ذلك.”
ثم أخرج هاتفه.
— “لدي تسجيل.”
شغّل مقطعًا صوتيًا.
جاء صوت أمي من التسجيل:
— “حسام، إذا حدث لي شيء، لا تخبر ليان بالحقيقة. احمها مهما كان الثمن.”
ثم توقف التسجيل.
شعرت بالدموع في عيني.
قلت:
— “هذا لا يثبت أنه قتلها.”
أجاب ياسر:
— “لأن التسجيل لم ينتهِ.”
ثم شغّل الجزء الثاني.
جاء صوت أبي:
— “سأفعل ما يلزم.”
ثم صوت أمي:
— “حتى لو اضطررت إلى تركها تكرهك؟”
ثم جاء صوت أبي:
— “حتى لو كرهتني طوال حياتها.”
أغلقت عيني.
لم أعد أعرف من أصدق.
قال ياسر:
— “أبوك أخفى الحقيقة عنك طوال سنوات.”
صرخ أبي:
— “لأن الحقيقة كانت ستقتلك!”
نظرنا إليه.
قال بصوت مكسور:
— “والدتك لم تمت بسبب حادث.”
ساد الصمت.
— “ماذا حدث لها؟”
جلس أبي على الكرسي وكأنه فقد كل قوته.
— “كانت ستسلم الملفات للشرطة.”
ثم قال:
— “لكن شخصًا من الشبكة عرف بالأمر.”
— “ومن؟”
نظر أبي إلى ياسر.
— “هو.”
ابتسم ياسر.
— “كذبة.”
لكن أبي أخرج هاتفه.
— “كنت أعرف أنك ستعود يومًا.”
فتح تسجيلًا آخر.
هذه المرة كان صوت ياسر واضحًا.
“أعطوني الملفات، وسأتولى أمرها.”
شهق ياسر.
تراجع خطوة.
قال:
— “هذا التسجيل مزيف.”
لكن الرجل الذي جاء معنا قال:
— “ليس مزيفًا.”
ثم أخرج بطاقة تعريف رسمية.
— “أنا محقق في وحدة الجرائم المالية.”
تغير وجه ياسر.
اتضح أن الرجل لم يكن شريكًا في المؤامرة كما ظننت.
كان يعمل مع أبي منذ أشهر.
وكانت كل تحركات ياسر مراقبة.
أما الشخص الذي حاول دخول منزلنا، فقد كان أحد رجال الشبكة.
كل شيء كان مدبرًا لكشفهم.
ثم قال أبي:
— “أما والدتك، فقد عرفت أن ياسر يخونها.”
— “وماذا حدث لها؟”
أجاب:
— “حاولوا إخراجها من الطريق.”
كانت عينا أبي ممتلئتين بالدموع.
— “لكنها تركت الأدلة قبل موتها.”
نظرت إلى الذاكرة التي كنت أمسك بها.
قال المحقق:
— “هذه الذاكرة تحتوي على الجزء الأخير.”
فتحتها.
ظهرت ملفات كثيرة.
أسماء.
حسابات.
تواريخ.
تحويلات.
وأخيرًا…
ظهر اسم ياسر.
ومعه أسماء رجال آخرين.
لكن المفاجأة الأكبر كانت اسمًا آخر.
شخصًا من عائلة ياسر.
فهمت عندها أن زواجي لم يكن مجرد علاقة فاشلة.
كان جزءًا من خطة بدأت قبل سنوات.
كان ياسر يريد الوصول إلى أموال الشركة، وإلى الحساب القديم، وإلى الملفات التي تركتها أمي.
أما مبلغ 998 ألف دولار الذي حاول إنفاقه في النادي، فلم يكن مجرد سهرة انتقامية.
كان آخر اختبار لهم.
وبفضل نصيحة أبي، فشل الاختبار.
تم القبض على ياسر، وبعد التحقيقات بدأت السلطات في تفكيك الشبكة المالية بالكامل.
أما أنا، فقد استعدت السيطرة على حساباتي وشركتي.
لكنني لم أستطع أن أنسى سؤالًا واحدًا.
بعد أن هدأت كل الأمور، جلست مع أبي في المكان نفسه الذي غيّرت فيه أرقام بطاقاتي.
قلت له:
— “لماذا لم تخبرني بكل شيء من البداية؟”
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
— “لأنني كنت أخشى أن أفقدك.”
— “لكنني فقدتك بالفعل لسنوات.”
انخفض رأسه.
— “أعرف.”
اقتربت منه.
— “كنت أظن أن أبي كان يحاول السيطرة على حياتي.”
ابتسم بحزن.
— “كنت أحاول فقط أن أبقيك على قيد الحياة.”
احتضنته.
وبعد سنوات من الغموض، شعرت للمرة الأولى أنني فهمت والدتي.
لم تكن تريد مني أن أعيش خائفة.
كانت تريد مني أن أعرف الحقيقة عندما أصبح الوقت آمنًا.
أما ياسر، فقد انتهى كل شيء بالنسبة إليه.
لم يعد الرجل الذي ظن أنه يستطيع امتلاك حياتي.
ولم يعد المبلغ الذي حاول سرقته مهمًا بالنسبة لي.
لأنني اكتشفت شيئًا أثمن من المال:
لقد استعدت حياتي.
وفي صباح اليوم التالي، جلست أمام حساباتي البنكية.
نظرت إلى الأرقام السرية الجديدة التي اختارها أبي.
وضعت الهاتف جانبًا وابتسمت.
هذه المرة، لم يكن هناك رجل يقرر مستقبلي.
ولا زوج يتحكم في أموالي.
ولا سر تخفيه عائلتي عني.
كان هناك شيء واحد فقط:
أنا.
وأدركت أخيرًا لماذا قال أبي في ذلك اليوم:
“الآن فقط بدأ الطلاق الحقيقي.”
لأن الطلاق لم يكن نهاية زواجي من ياسر.
كان بداية حياتي الجديدة.
النهاية.
بقلم محمد عبده




