منوعات

قصة روعة بقلم محمد عبده

حدقت فيه.

ثم شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

كنت أعرفه.

لم يكن شخصًا غريبًا.

كان أحد كبار المسؤولين الذين حضروا مراسم تخرج مريم.

قلت:

— هذا الرجل…

أومأ الجنرال.

— نعم.

قالت مريم:

— من هو؟

أجاب:

— اللواء سامر الكيلاني.

تجمدت مريم.

— لكنه كان جالسًا في الصف الأول!

قال الجنرال:

— أعرف.

ثم أضاف:

— ولهذا يجب أن نخرج من هنا الآن.

في اللحظة نفسها، انطلق صوت صفارات الإنذار داخل الملعب.

أصوات الجنود في الخارج ارتفعت.

ثم سمعنا عدة أوامر متتالية.

قال الرجل:

— لقد عرفوا أننا اكتشفنا الحقيقة.

سألته:

— من؟

قال:

— رجال اللواء الكيلاني.

أمسك الجنرال بالملف.

— يجب أن نصل إلى مركز القيادة.

قلت:

— وأبي؟

نظر إليّ الرجل.

— أبوك ينتظر في مكان آمن.

شعرت بأن قلبي يخفق بسرعة.

— خذني إليه.

— سنذهب.

قالت مريم:

— وأنا أيضًا.

اعترض الجنرال:

— مريم، هذا الأمر خطير.

ردت بثبات:

— إنه أبي أيضًا.

نظر إليها الجنرال طويلًا.

ثم أومأ.

خرجنا من الغرفة عبر ممر جانبي.

كان الملعب قد تحول إلى حالة من الفوضى.

الجنود يوجهون الناس بعيدًا عن المنطقة، والآباء يحاولون معرفة ما يحدث، بينما كان أفراد الأمن يغلقون البوابات.

لكنني لم أهتم.

كل ما كنت أفكر فيه هو جملة واحدة:

أبي حي.

ركبنا سيارة عسكرية، وانطلقت بسرعة عبر شوارع المدينة.

طوال الطريق، لم يتحدث أحد.

كانت مريم جالسة بجواري.

أمسكت يدي.

وقالت:

— لماذا لم يخبرك جدي أنه حي؟

قلت:

— ربما كان يحاول حمايتنا.

قالت:

— وأنا؟

نظرت إليها.

— كان يريدك أن تعيشي حياة طبيعية.

سكتت.

ثم قالت:

— لكنه كان يجب أن يعرف أنني كنت سأختار الحقيقة.

ابتسمت رغم دموعي.

— كان يعرف ذلك.

بعد نحو ساعة، توقفت السيارة أمام منزل صغير في منطقة هادئة.

نزلت منها.

كانت ساقاي ترتجفان.

مشيت نحو الباب.

وقبل أن أطرق، انفتح.

ظهر رجل مسن أمامي.

شعره أبيض.

وجهه مليء بالتجاعيد.

لكنني عرفته في اللحظة نفسها.

توقفت أنفاسي.

قلت:

— أبي؟

لم يجب.

بقي ينظر إليّ.

ثم قال بصوت ضعيف:

— كبرت يا محمود.

لم أستطع منع دموعي.

اندفعت نحوه واحتضنته.

ولأول مرة منذ أكثر من عشرين عامًا، شعرت أنني أحتضن أبي من جديد.

بكى في صمت.

ثم ابتعد قليلًا، ونظر إلى مريم.

توقفت عيناه عندها.

قال:

— هذه هي؟

قلت:

— نعم.

اقتربت مريم منه ببطء.

ثم قالت:

— أنا مريم.

رفع يده المرتجفة ولمس وجهها.

ثم ابتسم.

— كنت أراك في الصور.

احتضنته مريم.

وبكى الرجل الذي ظننته ميتًا طوال حياتي.

بعد دقائق، جلسنا جميعًا في غرفة صغيرة.

وضع أبي السوار أمامه.

وقال:

— كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي.

سألته:

— لماذا أخفيت نفسك عني؟

قال:

— لأنني لو عدت إليك، كنت سأقود الخطر إليك.

ثم نظر إلى الجنرال.

— وهو يعرف ذلك.

قلت:

— أخبرني بالحقيقة كلها.

تنهد أبي.

— الحقيقة أن الرجل الذي خاننا لم يكن يعمل وحده.

ثم نظر إلى السوار.

— وهذه الشريحة تحتوي على أسماء الجميع.

قال الجنرال:

— إذا وصلت إلى يد الكيلاني، فسيحاول التخلص من كل شخص ورد اسمه.

سألته:

— وماذا سنفعل؟

أجاب أبي:

— سنفعل الشيء الوحيد الذي كان يجب أن أفعله منذ البداية.

ثم فتح حقيبة قديمة.

وأخرج منها عشرات الملفات.

قال:

— سنكشف الحقيقة أمام الجميع.

وفي تلك اللحظة، رن هاتف الجنرال.

نظر إلى الشاشة.

تغير وجهه.

قال:

— وصلتنا رسالة.

سألته:

— ماذا تقول؟

رفع الهاتف أمامنا.

كانت الرسالة قصيرة:

“نعرف مكان والدك. أمامكم عشر دقائق فقط.”

نظر أبي إليّ.

ثم ابتسم للمرة الأولى.

وقال:

— إذن انتهى وقت الهروب.

وقبل أن نفهم ما يعنيه، دوى صوت سيارات تتوقف خارج المنزل.

اقترب الجنرال من النافذة.

ثم قال:

— إنهم هنا.

لكن أبي لم يتحرك.

بل وقف بهدوء، وأخذ السوار من فوق الطاولة.

ثم أعطاه لمريم.

وقال لها:

— احتفظي به.

نظرت إليه بدهشة.

— لماذا أنا؟

ابتسم.

— لأنك السبب الذي جعلني أقاوم كل هذه السنوات.

ثم أضاف:

— ولأنك ستكونين أول من يعرف الحقيقة كاملة.

توقفت السيارات أمام المنزل، وامتلأ الشارع بأصوات المحركات.

نظر الجنرال من النافذة، ثم قال:

— لدينا أقل من دقيقة.

لم يتحرك أبي.

كان هادئًا بشكل غريب.

قال لي:

— يا محمود، هل تتذكر ما كنت أقوله لك عندما كنت صغيرًا؟

نظرت إليه.

— كنت تقول لي إن الإنسان قد يخسر كل شيء، إلا كرامته.

ابتسم.

— كنت أعرف أنك ستتذكر.

ثم التفت إلى مريم.

— وأنتِ… لا تخافي.

كانت مريم تمسك بالسوار بقوة.

— لن أخاف.

ابتسم أبي.

— هكذا يجب أن تكون ابنة محمود عبدالسلام.

فجأة، دوى طرق عنيف على الباب.

صرخ رجل من الخارج:

— افتحوا الباب!

اقترب الجنرال من الباب، لكنه أشار إليّ أن أبقى خلفه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى