منوعات

قصة روعة بقلم محمد عبده

— أنت تعرفه؟

— أبي كان يذكر اسمه.

سألني:

— ماذا كان يقول؟

قلت:

— كان يقول إن فؤاد هو السبب في أن كل شخص من المجموعة لم يعد إلى منزله كما كان.

ساد الصمت.

ثم أضافت مريم:

— ماذا فعل؟

أجاب الجنرال هذه المرة:

— خاننا.

قالها ببساطة.

ثم تابع:

— كانت لدينا معلومات عن عملية إنقاذ، وتم تسريبها. بسبب ذلك، تعرضت المجموعة لكمين.

قلت:

— وكان أبي يعرفه؟

— نعم.

ثم نظر إليّ.

— وكان والدك أحد الأشخاص الذين اكتشفوا خيانته.

بدأت أفهم لماذا أخفى أبي كل شيء.

ولماذا عاش سنوات طويلة بعيدًا عن الناس.

ولماذا كان يرفض الحديث عن الجيش.

ولماذا كان يغلق باب غرفته عندما يتلقى أي مكالمة مجهولة.

قالت مريم:

— ولماذا عاد الآن؟

أجاب الجنرال:

— لأن شخصًا ما أخبره أن السوار ظهر من جديد.

نظرت إلى معصمي.

فهمت أخيرًا.

لم يكن السوار مجرد ذكرى.

كان علامة.

قال الجنرال:

— فؤاد يعتقد أن السوار يحمل دليلًا على ما حدث.

قلت:

— لكنه لا يحمل شيئًا.

هز رأسه.

— أنت لا تعرف ذلك.

أخرج الجنرال أداة صغيرة من جيبه.

ثم أخذ السوار بين يديه.

فحص العلامة المعدنية.

ضغط عليها من جانب معين.

وفجأة سمعنا صوت نقرة خافتة.

تجمدت.

فتح الجنرال جزءًا صغيرًا مخفيًا داخل المشبك.

كان هناك تجويف بالغ الصغر.

وفي داخله شريحة ذاكرة صغيرة جدًا.

شهقت مريم.

— ماذا هذا؟

نظر الجنرال إليّ.

— الآن عرفت لماذا كان والدك متمسكًا بهذا السوار.

قلت:

— لكنه لم يخبرني عنه أبدًا.

— لأنه كان يعرف أن من يملكه يصبح هدفًا.

أخذ الجنرال الشريحة بحذر.

— هذه قد تحتوي على كل شيء.

في تلك اللحظة، انطفأت أنوار الملعب.

صرخت بعض النساء في الخارج.

وساد الظلام.

ثم سمعنا صوت خطوات في الممر.

خطوة.

ثم أخرى.

اقتربت الخطوات من الباب.

أمسكت مريم بذراعي.

قالت:

— أبي…

وضعت يدي على كتفها.

— لا تخافي.

لكن الحقيقة أنني كنت خائفًا.

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بالخوف نفسه الذي رأيته في عيني أبي عندما كنت طفلًا.

توقفت الخطوات أمام الباب.

ثم جاء صوت رجل هادئ:

— محمود… افتح الباب.

لم يتحرك أحد.

قال الرجل:

— لم آتِ لأؤذي ابنتك.

تجمدت مريم.

تابع:

— أريد شيئًا واحدًا فقط.

رفع الجنرال يده، وأشار إلى الضابط الموجود معنا بأن يستعد.

ثم قال الرجل:

— أعطني السوار.

نظرت إلى معصمي.

ثم نظرت إلى الجنرال.

قال لي بصوت منخفض:

— لا تعطه له.

لكن الرجل خلف الباب ضحك.

— لا تستمع إليه يا محمود.

ثم قال:

— الجنرال لم يخبرك بالحقيقة كاملة.

تبادلنا النظرات.

تابع الرجل:

— لم يكن والدك هو الوحيد الذي أخفى شيئًا عنك.

ثم ساد صمت قصير.

— الجنرال نفسه كان يعرف من قتل والدك.

توقفت أنفاسي.

نظرت إلى الجنرال.

لم ينطق.

وهذا كان أسوأ شيء.

قلت:

— هل هذا صحيح؟

رفع الجنرال عينيه نحوي.

ولم يستطع الإجابة.

شعرت بالغضب يصعد في صدري.

— هل كنت تعرف؟

قال بصوت خافت:

— نعم.

تراجعت خطوة.

مريم وضعت يدها على فمها.

قال الجنرال:

— لكنني لم أكن أعرف الحقيقة كاملة.

صرخت:

— إذن ماذا كنت تعرف؟

خفض رأسه.

ثم قال:

— كنت أعرف أن والدك لم يمت في الحادث الذي أخبروك عنه.

ساد الصمت.

توقفت أفكاري.

— ماذا قلت؟

نظر إليّ.

— والدك لم يمت بالطريقة التي قيلت لك.

شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.

— إذن كيف مات؟

وقبل أن يجيب، جاء صوت الرجل خلف الباب:

— لأنه اكتشف أنني لم أكن الخائن الوحيد.

نظر الجنرال إلى الباب.

ثم قال:

— افتحوا الباب.

صرخت:

— لا!

لكن الجنرال لم يستمع.

قال للضابط:

— افتحه.

انفتح الباب ببطء.

وقف رجل في الخمسينيات أمامنا.

شعره رمادي.

وجهه هادئ.

ويرتدي بدلة سوداء بسيطة.

نظر إليّ مباشرة.

ثم قال:

— أنت تشبه والدك كثيرًا.

تقدمت نحوه.

— من أنت؟

ابتسم.

— الشخص الذي كان والدك يحاول حمايتك منه.

ثم نظر إلى مريم.

— وأنت ابنته.

تقدم خطوة.

لكن الجنرال وقف بيننا.

قال الرجل:

— لا تقلق، أيها الجنرال.

ثم أخرج ظرفًا من جيبه.

— لم آتِ اليوم لأقتل أحد.

ووضع الظرف على الطاولة.

— جئت لأكشف الحقيقة.

فتح الجنرال الظرف.

وبدا وجهه يتغير مع كل ورقة يخرجها.

ثم دفع إحدى الصور نحوي.

نظرت إليها.

وكانت الصدمة أكبر من كل ما حدث منذ الصباح.

الصورة كانت لوالدي.

لكنها لم تكن قديمة.

كان واقفًا أمام منزل.

وخلفه سيارة.

وفي يده ورقة تحمل تاريخًا حديثًا.

رفعت رأسي.

— هذا مستحيل…

قال الرجل:

— والدك لم يمت.

مريم شهقت.

أما الجنرال فأغلق عينيه.

وقال بصوت بالكاد سمعناه:

— كنت أخشى أن يأتي هذا اليوم.

ثم نظر إليّ.

— والدك حي.
بقيت أحدق في الصورة، غير قادر على استيعاب ما أراه.

والدي.

حي.

يقف أمام منزل لم أعرفه، ويحمل ورقة بتاريخ حديث.

قلت بصوت مرتجف:

— أين هو؟

الرجل ذو البدلة السوداء لم يجب فورًا.

نظر إلى الجنرال، ثم قال:

— قبل أن تعرف مكانه، يجب أن تعرف لماذا اختفى.

صرخت:

— لا أريد ألغازًا أخرى! أخبرني أين أبي!

قال الجنرال بهدوء:

— محمود، اسمعه.

التفت إليه بغضب.

— أنت عرفت أنه حي طوال هذه السنوات!

خفض الجنرال رأسه.

— لم أكن أعرف أنه حي.

— لكنك قلت إنك كنت تعرف الحقيقة!

— كنت أعرف جزءًا منها فقط.

تدخل الرجل:

— وهذا هو سبب وجودي هنا.

أخرج من حقيبته ملفًا سميكًا، ووضعه أمامي.

— والدك لم يمت في حادث الشاحنة كما أخبروك.

فتحت الملف.

كانت هناك تقارير قديمة، وصور، وأسماء، وتواريخ.

ثم رأيت شيئًا جعل يدي ترتجف.

كان توقيع والدي.

قلت:

— هذا خط أبي.

قال الرجل:

— نعم.

قلبت الصفحة.

وجدت تقريرًا يثبت أن والدي دخل المستشفى منذ سنوات تحت اسم مختلف.

ثم صفحة أخرى تحمل صورة له.

كان أكبر سنًا، وشعره أبيض، لكنني كنت أعرف عينيه.

كانت عيناه هما نفسهما.

قلت:

— لماذا فعل هذا؟

أجاب الجنرال:

— لأنه اكتشف أن الخيانة لم تنتهِ.

نظر إليّ الرجل ذو البدلة السوداء.

— والدك اكتشف أن هناك شخصًا داخل المؤسسة العسكرية كان يبيع المعلومات.

قالت مريم:

— وهل كان الجنرال يعرف؟

أجاب الرجل:

— كان يشك.

ثم نظر إلى الجنرال.

— لكنه لم يعرف اسم الشخص.

قال الجنرال:

— ولو كنت أعرف، لما سمحت له بالهرب.

رد الرجل:

— لكنك عرفت بعد فوات الأوان.

ساد الصمت.

قلت:

— ومن كان الخائن؟

لم يجب الرجل.

بدلًا من ذلك، أخرج صورة أخرى.

ووضعها أمامي.

كانت الصورة لثلاثة رجال.

والدي.

يوسف حمدان.

ورجل ثالث.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى