روايات وقصص

الجزء الاول بقلم محمد عبده

فهمت.

لم يكن يريد المنزل فقط.

كان يريد الأرض.

لكنني سألته:

— وليه كريم؟

قال:

— كريم كان سهل.

— وليه أمي؟

— أمك؟

— أنت استخدمت صوت أمي.

هنا تغير وجهه تمامًا.

قال:

— أنا ما عملتش حاجة بصوت أمك.

ابتسمت.

— عندي تقرير خبير.

صمت.

ثم قلت:

— مين عمل التسجيل؟

لم يجب.

اقتربت منه وقلت:

— أنت كنت عارف إن أمي حاولت تحمي البيت.

ظل ساكتًا.

ثم قال:

— والدتك كانت تعرف الحقيقة.

شعرت بقلبي يخفق بقوة.

— أي حقيقة؟

قال:

— والدك لم يشترِ البيت لنفسه.

— أمال لمين؟

قال:

— البيت كان هدية ليكِ.

لم أفهم.

أخرج ورقة من حقيبته.

— والدك وضع العقار في ترتيب قانوني خاص حتى ينتقل إليكِ بعد زواجك.

نظرت إلى الورقة.

كان اسم أبي واضحًا.

ثم اسمي.

قلت:

— بس أنا اشتريت البيت.

قال:

— دي كانت الفكرة اللي والدك كان عايزك تصدقيها.

حدقت فيه.

— ليه؟

أجاب:

— لأنه كان خايف إنك تتزوجي شخصًا يريد أموالك.

شعرت بالدموع في عيني.

والدي كان يعرفني أكثر مما توقعت.

كان قد حاول حمايتي حتى بعد وفاته.

لكنني لم أكن أعرف الحقيقة كاملة.

—

عدت إلى محاميتي.

عرضت عليها المستند.

قرأته بعناية.

ثم قالت:

— المستند ده مهم جدًا، لكن لازم نتأكد من صحته.

— وإيه المطلوب؟

— أصل المستند موجود في مكان آمن، حسب بيانات الملف.

— فين؟

نظرت إليّ.

— عند كاتب العدل القديم الذي وثّق المعاملة.

قلت:

— لكنه توفى.

— صحيح.

— أمال؟

قالت:

— مكتبه القديم ما زال يحتفظ بأرشيف المعاملات.

ذهبنا في اليوم التالي.

وبعد ساعات من البحث، وجدنا سجلًا قديمًا.

كان يحتوي على نسخة موثقة من المستند.

والتوقيع كان صحيحًا.

لكن هناك ملاحظة إضافية في آخر الصفحة.

«لا يجوز نقل ملكية العقار أو رهنه أو التصرف فيه دون موافقة المستفيدة.»

المستفيدة كانت أنا.

ضحكت لأول مرة منذ أيام.

كل محاولاتهم كانت بلا قيمة.

حتى لو أجبروني على توقيع ورقة، كانت هناك قيود قانونية تمنعهم من التصرف في العقار بهذه الطريقة.

لكنني لم أكن أريد الاكتفاء بحماية البيت.

كنت أريد أن يعرف الجميع الحقيقة.

—

في المساء، وصلني اتصال من كريم.

قال:

— ندى، لازم نتكلم.

— مفيش كلام بينا.

— أرجوك.

— قول.

قال:

— فؤاد اختفى.

توقفت.

— اختفى؟

— محدش عارف مكانه.

— وإنت عرفت منين؟

صمت.

ثم قال:

— لأن الشرطة بدأت تسأل عن الأشخاص اللي لهم علاقة بالمستندات.

فهمت.

— هو هرب؟

قال:

— مش عارف.

ثم سكت قليلًا.

— لكن قبل ما يختفي، بعتلي رسالة.

— قال إيه؟

— قال إن عنده نسخة من الملف الأزرق.

شعرت بالتوتر.

— نسخة من الملف؟

— أيوه.

ثم أضاف:

— وقال إن فيه مستند جوه النسخة دي يثبت إن والدك لم يكن وحده في الصفقة.

سألته:

— كان معاه مين؟

رد كريم بصوت منخفض:

— أبوك كان شريكًا مع شخص آخر غير فؤاد.

تجمدت.

— مين؟

قال:

— اسم الشخص موجود في المستند.

— وإنت شفته؟

— أيوه.

— مين؟

صمت طويل.

ثم قال:

— نوال.

شعرت وكأنني تلقيت صفعة.

قلت:

— أمي كانت شريكة في البيت؟

— حسب المستند، أيوه.

— ده مستحيل.

قال:

— وأنا كمان ما صدقتش.

ثم أضاف:

— لكن فؤاد قال إن والدتك كانت تعرف كل شيء، وإنها قبل وفاتها حاولت إخفاء مستند معين.

أغلقت الهاتف.

كنت أعتقد أنني اقتربت من النهاية.

لكنني اكتشفت أنني لم أصل حتى إلى منتصف الحقيقة.

—

في تلك الليلة، فتحت الصندوق القديم مرة أخرى.

أخرجت دفتر أمي.

قلبت الصفحات بعناية.

وفي إحدى الصفحات وجدت تاريخًا.

كان قبل وفاة أمي بثلاثة أيام.

وتحته جملة واحدة:

«إذا حدث لي شيء، لا تثقي في نوال.»

تجمدت.

نوال؟

حماتي؟

أمي كانت تعرفها؟

كيف؟

قلبت الصفحة بسرعة.

كانت هناك أسماء كثيرة.

ثم وجدت اسمًا جعلني أتوقف تمامًا:

نوال عبدالسلام.

لم تكن حماتي تحمل نفس اسم عائلتي.

إذن لماذا كان اسمها في دفتر أمي؟

بدأت أبحث عن أي معلومة تربطهما.

وجدت صورة قديمة.

صورة لم أرها من قبل.

كان فيها والدي.

وأمي.

ورجل آخر.

وامرأتان.

إحداهما كانت أمي.

أما الأخرى…

فكانت نوال، حماتي.

كانتا تقفان جنبًا إلى جنب منذ أكثر من ثلاثين عامًا.

وخلف الصورة كتبت أمي:

«اليوم الذي بدأت فيه الخيانة.»

شعرت ببرودة في أطرافي.

إذا كانت أمي تعرف نوال منذ أكثر من ثلاثين عامًا…

فهذا يعني أن زواجي من كريم ربما لم يكن صدفة من الأساس.

وفي اللحظة نفسها، وصلتني رسالة من رقم مجهول:

«لو عايزة تعرفي ليه كريم دخل حياتك من البداية، تعالي إلى محطة الرمل غدًا الساعة التاسعة. ولا تخبري محاميتك.»

نظرت إلى الرسالة طويلًا.

ثم ابتسمت.

لأول مرة لم أشعر بالخوف.

لأنني عرفت شيئًا واحدًا:

لم أعد المرأة التي يمكنهم تخويفها.

غدًا سأذهب.

لكن هذه المرة…

أنا التي سأطرح الأسئلة.
الجزء الاخير في التعليقات

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى