
ثم قال:
—مريم، خلينا ننسى اللي حصل.
—ننسى إيه؟
اقترب مني.
—موضوع الطلاق.
ابتسمت.
—ليه؟
—لأني كنت متعصب.
—من شوية كنت واثق جدًا إنك هتطلقني.
—كنت غلطان.
نظرت إليه طويلًا.
—لا يا كريم. أنت كنت صريح.
تدخلت الحاجة فاطمة من غرفة المعيشة:
—يا ابني اعتذر لها وخلاص. الستات بتحب الكلام الحلو.
التفت إليها.
—حضرتك كنتِ عارفة؟
ارتبكت.
—عارفة إيه؟
أخرجت هاتفي.
وضعت صورة العقد أمامها.
تغير لون وجهها.
قلت:
—العقار اللي باسم كريم… أنتِ اللي كنتِ بتدفعي أقساطه.
لم تتكلم.
أما كريم فصرخ:
—إنتِ فتشتي ورايا؟!
قلت:
—لا.
ثم رفعت الهاتف.
—أنا بس بدأت أدور على الحقيقة.
اقترب مني بسرعة.
—مريم، اسمعيني…
رفعت يدي.
—مش عايزة أسمع.
ثم قلت:
—عايزة أسأل سؤال واحد.
نظر إليّ.
—العقار ده كنتوا ناويين تعملوا بيه إيه؟
لم يجب.
سألت مرة أخرى:
—كنتوا ناويين تنقلوا ملكيته لمين؟
ظل صامتًا.
وهنا دخل شخص آخر إلى الشقة.
كان سامح، شقيق كريم.
نظر إليّ، ثم إلى والدته، ثم إلى كريم.
وقال:
—أنا قلت لك يا كريم إنك ما تستناش لحد ما تعرف.
تجمد كريم.
صرخت:
—تعرف إيه؟
سامح لم يرد.
وضعت يدي على الطاولة.
—أنا سامعة.
تنهد وقال:
—مريم… الموضوع بدأ قبل سنتين.
—قبل سنتين؟
نظر كريم إلى الأرض.
تابع سامح:
—والدتك اشترت العقار فعلًا، لكن ما كانش الهدف إن كريم يسكن فيه.
قلت:
—أمال الهدف كان إيه؟
نظر إليّ مباشرة.
—كان الهدف إن العقار يبقى باسم كريم بعد ما تتنازلي عن جزء من ممتلكاتك.
شعرت بصدمة.
—إيه علاقة ممتلكاتي بعقارهم؟
قال:
—كانوا مخططين يطلبوا منك تمويل مشروع، وبعدها يستخدموا المستندات لإثبات إن الأموال دي كانت شراكة عائلية.
تراجعت خطوة.
بدأت الصورة تكتمل.
لم تكن أموال كريم تختفي بلا سبب.
ولم تكن والدته تحاول السيطرة على البيت لمجرد أنها متسلطة.
كان هناك مخطط مالي.
مخطط يجعلني أضخ أموالي في مشاريعهم، ثم يتحول جزء منها إلى أصول باسم كريم وعائلته.
لكن سامح لم ينتهِ.
قال:
—وفي حاجة أخطر.
نظرت إليه.
—إيه؟
أخرج ظرفًا بنيًا من حقيبته ووضعه أمامي.
—لقيته عندي من أسبوع.
فتحت الظرف ببطء.
كانت بداخله عدة أوراق.
وفي الصفحة الأولى كان هناك عنوان واضح:
“إقرار بالمساهمة في شراء العقار”.
وتحت العنوان…
كان اسمي.
لكنني لم أوقع على هذا المستند في حياتي.
رفعت رأسي ببطء.
نظرت إلى كريم.
ثم إلى والدته.
وقلت:
—مين زوّر توقيعي؟
لم يجب أحد.
لكن الصمت وحده كان كافيًا لأعرف أنني كنت أقترب من الحقيقة.
وفجأة رن هاتفي.
كان رقمًا لا أعرفه.
أجبت.
جاءني صوت رجل هادئ:
—مدام مريم؟
—أيوه.
—أنا محامي زوج حضرتك السابق… وكنت محتاج أبلغ حضرتك إن عندي مستندات تثبت إن القضية دي أكبر من مجرد خلاف عائلي.
توقفت أنفاسي.
نظرت إلى كريم.
ثم سألته:
—إيه المستندات؟
قال الرجل:
—مستندات تثبت إنهم كانوا بيجهزوا لرفع دعوى ضدك قبل ما زوجك يطلب منك الطلاق.
أغلقت عيني.
الآن فهمت.
لم يكن كريم يهددني بالطلاق لأنه غاضب.
كان الطلاق…
جزءًا من الخطة من البداية.
الجزء الرابع
ظللت ممسكة بالهاتف دون أن أتكلم.
الجملة التي قالها المحامي كانت تدور في رأسي:
«كانوا بيجهزوا لرفع دعوى ضدك قبل ما زوجك يطلب منك الطلاق.»
نظرت إلى كريم.
لأول مرة لم أره كرجل غاضب أو زوج فاشل.
رأيته كما هو فعلًا…
رجل كان يخطط لإسقاطي.
قلت للمحامي:
—فين حضرتك؟
أعطاني عنوان مكتبه في وسط القاهرة.
ثم قال:
—لو تقدري، تعالي الليلة. والأفضل ما تقوليش لأي حد إنك جاية.
أغلقت الهاتف.
قال كريم بسرعة:
—مين كان بيتصل؟
نظرت إليه.
—شخص هنعرف منه الحقيقة.
تدخلت الحاجة فاطمة:
—إنتِ ناوية تعملي إيه؟
قلت:
—ولا حاجة.
ثم أخذت حقيبتي.
—هخرج شوية.
وقف كريم أمام الباب.
—مش هتخرجي.
نظرت إلى يده الموضوعة على المقبض.
—ابعد.
—إحنا لسه بنتكلم.
—أنا خلصت كلامي.
—مريم!
رفعت عيني إليه.
—إنت بنفسك قلت لي إننا نتكلم عن الطلاق بكرة. وأنا وافقت.
تراجع خطوة.
استغللت اللحظة وخرجت.
ذهبت مباشرة إلى مكتب المحامي.
كان رجلًا في أواخر الخمسينيات، هادئًا، وملامحه توحي بأنه شاهد كثيرًا من النزاعات العائلية.
أغلق الباب بعد دخولي وقال:
—اقعدي.
جلست.
وضع أمامي ملفًا سميكًا.
—قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إن الشخص اللي أعطاني الأوراق دي كان خايف جدًا.
فتحت الملف.
كانت هناك صور من رسائل، وإيصالات تحويل، ونسخ من عقود.
قلت:
—إيه ده؟
قال:
—خطة مالية كاملة.
قلبت الصفحات واحدة تلو الأخرى.
كان هناك جدول يحتوي على أسماء العقارات، وقيم تقريبية، وتحويلات مالية.
ثم رأيت شيئًا جعل أصابعي ترتجف.
اسمي مكتوب بجانب مبلغ كبير جدًا.
قلت:
—المبلغ ده إيه؟
قال:
—كانوا بيخططوا يطلبوه منك باعتباره قرضًا لزوجك.
—لكن كريم قال إن المشروع بتاعه محتاج مبلغ صغير.
هز رأسه.
—ده اللي قاله لك.
ثم أخرج ورقة أخرى.
—لكن الخطة الحقيقية كانت إن المبلغ يدخل حساب شركة أخوه.
حدقت فيه.
—سامح؟
—أيوه.
ثم أضاف:
—وبعدها يتم تحويل جزء منه لشراء عقارات.
قلت:
—طيب ليه كانوا محتاجين يطلقوني؟
سكت المحامي للحظات.
ثم قال:
—لأن الطلاق كان هيخلق نزاعًا على الأموال.
بدأت أفهم.
كانوا يريدون أن يجعلوني أدفع.
ثم عندما تبدأ إجراءات الطلاق، يظهرون الأموال على أنها أموال مشتركة أو ديون عائلية، ويبدأون في الضغط عليّ للتنازل عن جزء منها.
قلت:
—بس أنا عندي كل إثباتات إن فلوسي تخصني.
ابتسم.
—وعشان كده الخطة فشلت.
نظرت إليه.
—إيه اللي خلاها تفشل؟
فتح آخر صفحة في الملف.
—أنتِ.
—أنا؟
—لأنك من البداية كنتِ محتفظة بحساباتك ومستنداتك.
ثم قال:
—لكن في حاجة أنتِ لسه ما تعرفيهاش.
شعرت بالتوتر.
—إيه؟
دفع ورقة نحوي.
—العقد المزور اللي لقيتيه مش أول محاولة.
نظرت إليه.
—يعني إيه؟
قال:
—فيه مستند أقدم منه.
—باسمي؟
—أيوه.
—مين مضاه؟
نظر في عيني مباشرة.
—كريم.
تجمدت.
—إزاي؟
—لأنه كان عنده نماذج قديمة من توقيعك.
شعرت بالغضب يصعد إلى صدري.
—يعني كان بيجمع توقيعي من زمان؟
—واضح إنه كان بيجهز للموضوع من فترة.
ثم أخرج صورة من كاميرا مراقبة.
رجل يقف أمام جهاز كمبيوتر.
عرفته فورًا.
كريم.
لكن الصورة كانت من مكان لم أدخله من قبل.
قلت:
—ده فين؟
قال المحامي:
—مكتب محاسب الشركة.
ثم أضاف:
—والتاريخ قبل ستة أشهر.
قبل أن أفكر، رن هاتفي.
كان كريم.
لم أرد.
رن مرة ثانية.
ثم وصلتني رسالة:
«ارجعي البيت فورًا. لازم نتكلم.»
بعدها بثوانٍ وصلت رسالة أخرى.
لكن هذه المرة من الحاجة فاطمة:
«لو بتحبي ابنك، ارجعي قبل ما تعملي حاجة تندمي عليها.»
تجمدت.
قلت للمحامي:
—ابني؟
رفع عينيه عن الأوراق.
—هل عندك أطفال؟
قلت:
—لا.
ساد الصمت.
ثم أعدت قراءة الرسالة.
لو بتحبي ابنك…
شعرت بقلبي يخفق بعنف.
قلت:
—إيه اللي تقصده؟
المحامي أمسك الهاتف وقرأ الرسالة.
ثم تغير وجهه.
—مريم… دي مش تهديد عادي.
—ليه؟
قال:
—لأن فيه ملف آخر.
فتح درج مكتبه وأخرج ظرفًا أبيض.
كتب عليه اسم واحد فقط:
كريم عبد الرحمن.
ثم قال:
—الملف ده وصلني من شخص مجهول صباح النهارده.
فتحته.
وفي داخله كانت هناك صورة لطفل صغير.
على ظهر الصورة تاريخ قديم.
وتحته جملة واحدة:
«هذا الطفل هو السبب الحقيقي وراء زواج كريم منك.»
شعرت أن الدم انسحب من وجهي.
رفعت الصورة أمام عيني.
ثم همست:
—مين الطفل ده؟
المحامي لم يجب.
لأنه كان قد وضع أمامي ورقة أخرى.
ورقة تحمل اسم الطفل…
وكان الاسم هو نفسه اسم رجل كنت أعرفه جيدًا.
اسم والدي.
الجزء قبل الأخير
ظللت أحدق في الورقة وكأنني لا أفهم ما أقرأ.
كان اسم الطفل مكتوبًا بوضوح، وتحته اسم الأب:
والدي.
رفعت عيني إلى المحامي.
—ده مستحيل… والدي توفى من سنين، والطفل ده المفروض يكون…
توقفت.
لم أستطع إكمال الجملة.
دفع المحامي مستندًا آخر نحوي.
—اقرئي ده.
كان تقريرًا قديمًا من مستشفى خاص في القاهرة.
تاريخ يعود إلى أكثر من عشرين عامًا.
وبينما كنت أقرأ، بدأت يداي ترتجفان.
كانت هناك واقعة ولادة مسجلة باسم والدتي، لكن اسم الطفل لم يكن اسمي.
كان هناك طفل آخر.
طفل ولد في نفس اليوم تقريبًا الذي ولدت فيه أنا.
قلت بصوت منخفض:
—يعني إيه؟
أجاب المحامي:
—يعني إن فيه شخصًا كان عارف الحقيقة دي من زمان، وكان بيستخدمها للضغط على عيلتك.
—بس إيه علاقة كريم؟
أخرج صورة أخرى.
كانت لكريم وهو أصغر سنًا، يقف بجوار رجل لم أتعرف عليه في البداية.
ثم قلب الصورة.
كانت هناك جملة مكتوبة خلفها:
«أول مرة شاف فيها كريم مريم كانت بسبب هذا الرجل.»
حدقت في الصورة.
وفجأة تذكرت.
هذا الرجل كان عماد، أحد أصدقاء والدي القدامى.
الرجل الذي كنت أسمع والدي يتحدث عنه كثيرًا عندما كنت صغيرة.
قلت:
—إيه علاقته بكريم؟
تنهد المحامي.
—عماد كان شريكًا سابقًا لوالد كريم.
شعرت بأن الصورة تزداد تعقيدًا.
قلت:
—وليه كريم اتجوزني أنا؟
أجاب:
—عشان فلوسك.
لم أحتج إلى سماع المزيد.
لكن المحامي أكمل:
—والدك ترك لك أصولًا واستثمارات قبل وفاته. كريم عرف قيمتها من خلال والده. وبعد زواجك منه، بدأوا يحاولون معرفة حجم ثروتك بالكامل.
أغلقت عيني.
كل شيء بدأ يتجمع في رأسي.
الأسئلة عن حساباتي.
الضغط عليّ لبيع بعض الاستثمارات.
إصراره على أن أضع أموالي في «مشروع العائلة».




