روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

محاولات والدته لمعرفة قيمة شقتي.

ثم التهديد بالطلاق.

لم يكن أي شيء عشوائيًا.

قلت:

—طيب الطفل؟

صمت المحامي.

ثم قال:

—دي النقطة اللي ما أقدرش أفسرها من المستندات وحدها.

قبل أن أسأله، انفتح باب المكتب.

دخل رجل في منتصف الخمسينيات.

عرفته فورًا.

سامح.

وقف أمامي ووجهه شاحب.

قلت:

—إنت بتعمل إيه هنا؟

قال:

—جيت أقول لك الحقيقة قبل ما كريم يعمل حاجة أخطر.

وقفت.

—إنت كنت جزءًا من الخطة؟

خفض رأسه.

—أيوه.

شعرت بالغضب.

—إذن ليه جاي تساعدني؟

قال:

—لأني اكتشفت إنهم تجاوزوا كل الحدود.

ثم أخرج هاتفه.

—أنا سجلت اجتماع حصل بين كريم وأمي من أسبوع.

شغل التسجيل.

جاء صوت الحاجة فاطمة واضحًا:

—لو مريم ما وافقتش على التنازل، لازم نخليها تخاف من الفضيحة.

ثم جاء صوت كريم:

—والطلاق هيكون أسهل طريقة.

تجمدت.

لكن بعد ثوانٍ جاء صوت آخر.

صوت رجل لم أسمعه من قبل.

قال:

—وما تنسوش إن الحقيقة الخاصة بالطفل لسه معانا.

أوقفت التسجيل.

نظرت إلى سامح.

—مين الرجل ده؟

قال:

—والد كريم.

—بس والد كريم مات من سنين!

هز رأسه.

—الصوت قديم. التسجيل ده من سنة تقريبًا.

قلت:

—يعني كان عايش وقتها؟

—أيوه.

ثم قال:

—وكان عنده سر أكبر من كل اللي عرفتيه.

قبل أن أسأله، وصل إشعار إلى هاتف سامح.

قرأ الرسالة، ثم تغير وجهه.

قلت:

—إيه اللي حصل؟

ناولني الهاتف.

كانت الرسالة من كريم:

«لو سامح قال لها كل حاجة، ابعتي لها الصورة الأخيرة.»

ثم ظهرت صورة مرفقة.

فتحتها.

وكانت الصدمة التي لم أكن مستعدة لها…

الصورة لم تكن لطفل غريب.

كانت صورتي أنا.

لكنها التُقطت قبل زواجي بكريم بسنوات.

وخلفي كان يقف والدي.

وبجواره…

والد كريم.

وعلى ظهر الصورة كانت هناك جملة مكتوبة بخط والدي:

«لو حصل لي شيء، لا تثقي في كريم أبدًا… لأنه يعرف الحقيقة كاملة.»

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

لكن سامح قال شيئًا جعلني أنسى كل شيء آخر:

—مريم… والدك ما ماتش بسبب حادث طبيعي.

نظرت إليه.

—إنت بتقول إيه؟

أجاب بصوت منخفض:

—والدك كان يعرف إن عيلتنا بتحاول تستولي على جزء من أموالك.

ثم أضاف:

—وقبل وفاته بأيام، كان ناوي يواجههم رسميًا.

سألته:

—وبعدين؟

نظر إلى الصورة في يدي.

—وبعدين مات.

ساد الصمت.

ثم رن هاتفي.

رقم مجهول.

فتحت المكالمة.

جاء صوت رجل هادئ:

—مريم… لو عايزة تعرفي مين قتل والدك، تعالي وحدك إلى المكان اللي بدأت فيه كل الحكاية.

سألته:

—فين؟

قال:

—بيت والدك القديم.

ثم أغلق الخط.

نظرت إلى سامح.

وفي تلك اللحظة فقط، أدركت أن الطلاق لم يعد أهم شيء.

لأنني لم أعد أحاول حماية أموالي من عائلة زوجي…

كنت أحاول اكتشاف من قتل والدي، ولماذا اختار كريم الزواج مني تحديدًا.
الجزء الأخير

وصلت إلى منزل والدي القديم قبل منتصف الليل بقليل.

كان المنزل في أحد الشوارع الهادئة في الإسكندرية، وقد ظل مغلقًا منذ وفاته.

وقفت أمام الباب للحظات، ثم أدخلت المفتاح الذي احتفظت به طوال السنوات الماضية.

فتح الباب بصوت خافت.

دخلت.

كانت رائحة المكان كما أتذكرها.

الأثاث القديم، مكتب والدي، وصور العائلة المعلقة على الجدران.

لكن هذه المرة لم آتِ لأستعيد ذكريات الماضي.

كنت أبحث عن الحقيقة.

أغلقت الباب خلفي.

وفجأة سمعت صوتًا من غرفة المكتب:

—كنت عارف إنك هتيجي.

تجمدت.

خرج رجل من الظلام.

كان عماد، صديق والدي القديم.

قلت:

—إنت اللي اتصلت بيا؟

هز رأسه.

—أيوه.

—إنت تعرف مين قتل والدي؟

نظر إليّ طويلًا.

—أعرف مين كان السبب في موته.

شعرت بالغضب.

—اتكلم!

قال:

—والدك اكتشف إن والد كريم وشقيقه كانوا بيستخدموا أسماء وهمية في صفقات عقارية.

ثم أضاف:

—ولما اكتشف إنهم بيحاولوا يوصلوا لأموالك عن طريقك، قرر يواجههم.

—وكريم؟

تنهد.

—كريم كان يعرف كل شيء.

شعرت بصدمة.

—يعني اتجوزني عشان فلوسي؟

—في البداية، أيوه.

ثم سكت.

—لكن بعد الزواج، حصل شيء لم يكن في حسابهم.

—إيه؟

قال:

—كريم بدأ يتعلق بك فعلًا.

ضحكت بمرارة.

—بعد كل اللي عمله؟

—أنا مش ببرره. أنا بقول لك الحقيقة.

ثم أخرج ظرفًا قديمًا.

—والدك ترك ده قبل وفاته.

فتحته.

كانت بداخله رسالة بخط والدي.

قرأت:

«مريم، إذا وصلتك هذه الرسالة، فمعنى ذلك أنني لم أستطع حمايتك. لا تثقي في أي شخص يطلب منك التنازل عن أموالك، مهما كان قريبًا منك.»

توقفت.

ثم أكملت القراءة.

كان هناك اسم واحد تكرر في الرسالة.

والد كريم.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر السطر.

كتب والدي:

«أما سر الطفل، فليس كما سيخبرونك.»

رفعت رأسي.

—أي طفل؟

نظر عماد إليّ.

—الطفل اللي شوفتي صورته.

—مين هو؟

قال:

—أخوك.

شعرت أنني لم أعد أسمع شيئًا.

—أخويا؟

هز رأسه.

—أبوك كان عنده ابن من زواج سابق لوالدتك. الطفل عاش فترة قصيرة بعيدًا عن العائلة، ثم اختفى بعد وفاة والدك.

—وإيه علاقته بكريم؟

قال:

—هنا السر.

أخرج ملفًا أخيرًا.

كان بداخله تقرير رسمي.

قرأت الاسم.

ثم تاريخ الميلاد.

ثم اسم الأم.

تجمدت.

الطفل لم يكن أخي فقط.

كان…

شقيق كريم من والدته.

جلست على الكرسي غير قادرة على الكلام.

قال عماد:

—الحاجة فاطمة كانت تعرف الحقيقة.

—وعشان كده؟

—عشان كده كانت بتخاف إنك تعرفي.

فهمت فجأة لماذا كانت تحاول السيطرة على حياتي.

لم تكن تريد أموالي فقط.

كانت تخشى أن أكتشف أن العائلتين كان بينهما ارتباط قديم أخفوه عني.

وفي تلك اللحظة، سمعت صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.

ثم صوت باب سيارة يُغلق.

قال عماد:

—هما وصلوا.

سألته:

—مين؟

قبل أن يجيب، انفتح باب المنزل.

دخل كريم.

وخلفه الحاجة فاطمة.

لكن كريم لم يكن غاضبًا هذه المرة.

كان وجهه منهارًا.

قال:

—مريم… اسمعيني.

قلت:

—مش عايزة أسمع منك أي حاجة.

اقترب خطوة.

—أنا غلطت.

—أنت كذبت عليّ.

—أيوه.

—وزورت توقيعي.

أطرق رأسه.

—أيوه.

—وكنت بتخطط تاخد فلوسي.

صمت.

ثم قال:

—في البداية.

نظرت إليه بغضب.

—وفي النهاية؟

رفع عينيه.

—في النهاية أنا خفت.

—من إيه؟

قال:

—من أمي.

ضحكت بمرارة.

—أمك؟

هز رأسه.

—أمي كانت بتضغط عليّ من يوم ما اتجوزتك. كانت عايزاني أنفذ الخطة. لكن بعد فترة عرفت إن أبوكي كان محذر منك.

—وليه ما قلتليش؟

قال:

—لأني كنت جبان.

ثم أضاف:

—لكن لما طلبت منك الطلاق النهارده، كنت بحاول أخوفك عشان تخرجي من البيت وتبعدي عنهم.

حدقت فيه.

—إنت بتهزر؟

قال بسرعة:

—كنت عارف إن أمي بتحضر حاجة أخطر.

تدخلت الحاجة فاطمة:

—كريم!

نظر إليها.

ثم قال:

—خلاص يا أمي. كفاية.

أخرج هاتفه ووضعه أمامي.

كان عليه تسجيل.

صوت الحاجة فاطمة يتحدث مع رجل آخر.

وكانت تقول:

—لو مريم عرفت الحقيقة، كل حاجة هتنهار.

ثم جاء صوت الرجل:

—يبقى لازم تختفي الأوراق قبل ما توصل لها.

توقفت عن التنفس.

قلت:

—مين الرجل؟

قال كريم:

—عمي.

—وأبوك؟

—أبويا مات من سنة.

ثم نظر إليّ.

—لكن قبل موته بأسبوع، اعترف لي إنه كان شريكًا في كل حاجة.

ساد الصمت.

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم قلت:

—والطلاق؟

أجاب:

—لو عايزة تطلقي، هطلقك.

—والعقارات؟

—هتنازل عنها.

—والفلوس؟

—هرجع كل جنيه أقدر عليه.

نظرت إليه طويلًا.

ثم قلت:

—أنا مش هسامحك بسهولة.

هز رأسه.

—عارف.

—ومش هرجع لك.

أغمض عينيه.

—عارف.

ثم وضعت أمامه نسخة من العقد.

—والشقة دي… باسمي.

قال:

—عارف.

ابتسمت لأول مرة.

لكنني لم أنتهِ.

قلت:

—وفي حاجة تانية.

رفع رأسه.

—إيه؟

قلت:

—أنا رفعت بالفعل بلاغًا بكل المستندات اللي عندي.

تغير وجه الحاجة فاطمة.

أما كريم فأطرق رأسه.

—كنت متوقع.

ثم استدرت نحو الباب.

كنت أعتقد أنني خرجت من زواجي بخسارة ثلاث سنوات من عمري.

لكنني في الحقيقة خرجت بشيء أهم.

الحقيقة.

وبعد أشهر، صدر الحكم في القضايا المالية، وأُجبرت العائلة على رد الأموال والأصول التي حاولوا الاستيلاء عليها.

أما كريم، فقد انتهى زواجنا رسميًا.

لم أعد إلى المنزل القديم.

ولم أعد أسمح لأحد أن يدخل حياتي بمفتاح لا أريده.

وبعد عام، كنت أقف في شقتي الجديدة أمام النافذة، أتأمل البحر، عندما وصلني ظرف بلا اسم.

فتحته.

كانت بداخله صورة قديمة لي ولأبي.

لكن خلف الصورة كانت هناك جملة جديدة، بخط لم أتعرف عليه:

«والدك لم يكن يعرف كل الحقيقة… وهناك شخص آخر ما زال حيًا، ويعرف لماذا بدأت الخطة من البداية.»

نظرت إلى الصورة.

ثم إلى البحر.

وفهمت أن قصتي مع عائلة كريم انتهت…

لكن سر والدي الحقيقي ربما لم يبدأ إلا الآن.
تمت حكايات محمد عبده

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى