
“ماذا تقصدين؟”
تدخل يوسف بسرعة:
“أمي، كفى.”
لكنني قلت له:
“دعها تتحدث.”
ساد صمت طويل.
ثم قالت والدته:
“المرأة التي رأيتها في التسجيل كانت تعمل هنا منذ سنوات. كانت مسؤولة عن بعض الحسابات الخاصة بالمزرعة.”
سألت:
“وهل كانت على علاقة بيوسف؟”
خفضت عينيها.
“نعم.”
شعرت بصدمة، رغم أنني كنت قد بدأت أشك في ذلك.
قلت:
“منذ متى؟”
لم تجب.
نظر يوسف إلى الأرض.
عندها قالت والدته:
“منذ أكثر من عام.”
ضحكت بمرارة.
“عام كامل؟”
لم يقل يوسف شيئًا.
تابعت:
“والآن فهمت لماذا كنت دائمًا تقول إن لديك اجتماعات إضافية؟”
رفع رأسه.
“كنت سأخبرك.”
قلت:
“متى؟ بعد سنة أخرى؟”
تدخل والده:
“هذا ليس الموضوع الآن.”
التفتُّ إليه.
“بل هو موضوع مهم جدًا بالنسبة لي.”
ثم أشرت إلى ابنتي.
“لكنني أريد أن أعرف لماذا وضعتها في الحظيرة.”
لم يجب أحد.
عندها تحدثت المرأة في الهاتف من خلال مكالمة واردة.
كانت والدة يوسف قد أجابت دون أن تقول شيئًا.
جاء صوت المرأة من الطرف الآخر:
“هل هي معكم؟”
أجابت والدته:
“نعم.”
قالت المرأة:
“إذن اجعليها تسمع.”
أخذت والدة يوسف الهاتف ووضعته على مكبر الصوت.
قالت المرأة:
“أنا آسفة. لم أكن أعرف أن الأمور ستصل إلى هذا الحد.”
سألتها:
“من أنتِ؟”
أجابت:
“اسمي نادين.”
قلت:
“ماذا تريدين مني؟”
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت:
“أريد أن أحميكِ أنتِ وابنتك.”
نظرت إلى يوسف.
كان يحدق في الهاتف بعينين مليئتين بالغضب.
قلت:
“من ماذا؟”
قالت نادين:
“من زوجك.”
تحرك يوسف فجأة.
“أغلقي الهاتف!”
لكنني رفعت يدي.
“لا.”
ثم سألت نادين:
“ماذا فعل يوسف؟”
قالت:
“ليس هو وحده.”
نظرت إلى والده.
ثم تابعت:
“والده يعرف.”
ارتبك والد يوسف.
قال:
“هذا افتراء.”
لكن نادين ردت:
“لدي تسجيلات.”
سألتها:
“تسجيلات عن ماذا؟”
قالت:
“عن الأموال التي تم تحويلها من حسابات المزرعة إلى حسابات أخرى.”
تغير وجه والد يوسف.
أما يوسف فظل صامتًا.
أدركت في تلك اللحظة أن الخيانة لم تكن السر الوحيد.
كان هناك شيء أكبر.
شيء يتعلق بالمال.
وربما شيء أخطر من ذلك.
قلت:
“لماذا كانت الشرطة قادمة؟”
أجابت نادين:
“لأنني أرسلت لهم الملفات.”
اتسعت عينا يوسف.
“ماذا فعلتِ؟”
قالت:
“كل شيء.”
ثم أضافت:
“التحويلات، التسجيلات، الرسائل، وكل ما يثبت أن يوسف ووالده حاولا إخفاء الحقيقة.”
نظر يوسف إلى والدته.
قالت له:
“لا تنظر إليّ.”
ثم التفتت إليّ.
“لكن هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.”
قلت:
“ماذا؟”
قالت:
“التسجيل الذي رأيتِه اليوم لم يكن أول مرة يضع فيها يوسف طفلتك بعيدًا عنك.”
تجمدت في مكاني.
“ماذا؟”
قالت:
“حدث الأمر نفسه قبل أسبوع.”
نظرت إلى يوسف.
“أين كانت ابنتي؟”
لم يجب.
قالت والدته:
“كانت في غرفة التخزين القديمة.”
شعرت بالغضب والخوف في الوقت نفسه.
قلت:
“وأنت كنت تعرفين؟”
قالت:
“لم أعرف إلا بعد أن راجعت تسجيلات الكاميرات.”
ثم أضافت:
“لكن التسجيل الأخير كشف شيئًا أخطر.”
سألت:
“ماذا؟”
وضعت يدها على كتفي وقالت:
“في المرة الأولى، لم يكن يوسف وحده.”
نظرت إليها.
“من كان معه؟”
وقبل أن تجيب، سمعنا صوت سيارات تقترب من بوابة المزرعة.
ثم أضاءت أضواء السيارة في نهاية الطريق.
توقف الجميع عن الكلام.
نظر يوسف نحو البوابة.
وقال والده بصوت مرتجف:
“لقد وصلوا.”
سألت:
“من؟”
لكنني كنت أعرف أن الأمر لم ينتهِ بعد.
فقد بدأت أسمع صوت خطوات تقترب من الفناء.
ثم ظهر رجل بملابس رسمية عند البوابة، وتبعه شخصان آخران.
أخرج الرجل بطاقة من جيبه وقال:
“هل السيدة سلمى هنا؟”
رفعت يدي.
“أنا.”
نظر إليّ، ثم إلى الطفلة بين ذراعي.
وقال:
“نحتاج إلى التحدث معكِ على انفراد.”
ثم نظر مباشرة إلى يوسف.
“أما أنت، فلا تغادر المزرعة.”
تجمد يوسف في مكانه.
وفي تلك اللحظة فقط فهمت أن ما حدث لابنتي لم يكن حادثًا عابرًا.
كان بداية كشف سر أخفاه زوجي وعائلته لفترة طويلة.
أكمل من نفس النقطة، وبنفس الأسماء الجديدة.
طلب مني الرجل أن أتبعه إلى مكان أكثر هدوءًا.
ضممت ابنتي إلى صدري، ومشيت معه بينما بقي يوسف وأفراد عائلته في الفناء.
قال الرجل:
“أنا المقدم سامح، وهذه زميلتي النقيب هالة.”
أخرجت هالة دفترًا صغيرًا وقالت:
“نحتاج إلى طرح بعض الأسئلة عليكِ، لكن أولًا أريد أن أطمئنك أن طفلتك بخير، وسنحرص على أن تبقى معك.”
هززت رأسي.
“أنا فقط أريد أن أعرف ماذا حدث.”
قال سامح:
“هذا ما نحاول الوصول إليه.”
ثم أخرج هاتفًا ووضع أمامي صورة.
كانت الصورة لامرأة.
عرفتها فورًا.
“نادين.”
قال:
“هي التي تواصلت معنا.”
سألته:
“هل هي بخير؟”
“نعم. وهي الآن في مكان آمن.”
تنفست براحة.
ثم سأل:
“هل تعرفين منذ متى كانت على علاقة بزوجك؟”
قلت:
“قالت والدته إنها كانت مستمرة منذ أكثر من عام.”
أومأ.
“لدينا أدلة على ذلك.”
ثم عرض عليّ مجموعة من الرسائل.
كانت رسائل بين يوسف ونادين.
لكنها لم تكن كلها تتعلق بعلاقتهما.
بعض الرسائل كانت تتحدث عن حسابات مالية وتحويلات وأسماء أشخاص آخرين.
ثم رأيت رسالة جعلتني أتجمد.
كانت من يوسف إلى نادين:
“يجب أن نتأكد أن سلمى لا تعرف شيئًا قبل نهاية الشهر.”
سألت:
“ما الذي لا يجب أن أعرفه؟”
قال سامح:
“هذا هو السؤال الذي نحاول الإجابة عنه.”
ثم أضاف:
“لكن هناك أمرًا آخر.”
عرض صورة من كاميرا المراقبة.
ظهر يوسف قبل أسبوع وهو يدخل غرفة التخزين القديمة.
لم يكن يحمل الطفلة.
وبعد دقائق ظهر شخص آخر.
رجل لم أره من قبل.
كان يحمل حقيبة كبيرة.
سألت:
“من هذا؟”
قال سامح:
“اسمه مروان. كان يعمل مع عائلة زوجك.”
شعرت بالخوف.
“وماذا كان يفعل؟”
قال:
“كان يبحث عن شيء.”
“ماذا؟”
نظر إليّ للحظة قبل أن يجيب:
“وثائق.”
ثم أخرج صورة أخرى.
كانت صورة لخزانة قديمة داخل غرفة التخزين.
قال:
“هذه الخزانة كانت تحتوي على ملفات تخص المزرعة وحساباتها.”
سألت:
“وهل وجدوا ما يبحثون عنه؟”
قال:
“لا.”
ثم نظر إلى ابنتي.
“لكننا نعتقد أن الأمر مرتبط بك وبالطفلة.”
شعرت أنني لم أعد أفهم شيئًا.
“كيف يمكن أن تكون ابنتي مرتبطة بحسابات المزرعة؟”
قال:
“ربما ليست هي المرتبطة.”
توقف قليلًا.
“ربما أنتِ.”
تذكرت فجأة شيئًا حدث قبل ولادة ابنتي.
كنت قد وجدت ظرفًا قديمًا داخل مكتب زوجي.
وعندما سألته عنه، أخبرني أنه مجرد أوراق تخص المزرعة.
لم أفتح الظرف وقتها.
قلت لسامح:
“هناك شيء ربما يكون مهمًا.”
أخبرته عن الظرف.
سألني:
“هل ما زال موجودًا؟”




