
«كريم… إيه تاني؟»
تنهد.
«فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تقرري تعملي أي خطوة.»
قلت:
«قول.»
فتح ملفًا أخيرًا.
وقال:
«الحساب اللي كان باسمك ما كانش فيه 280 ألف دولار بس.»
توقفت أنفاسي.
«أمال كان فيه كام؟»
نظر إلى الرقم طويلًا.
ثم قال:
«آخر تقييم رسمي قبل إغلاق الحساب كان أكثر من أربعة ملايين دولار.»
لم أستطع الرد.
أما أمي، فوضعت يدها على صدرها.
وأبي جلس على أقرب كرسي.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن السنوات الاثنتي عشرة التي قضيتها وأنا أعتقد أنني بدأت من الصفر…
لم تكن الحقيقة كاملة.
لقد بدأت حياتي الجديدة وأنا أملك شيئًا لم يخبرني به أحد.
لكن السؤال الأكبر كان:
أين ذهبت تلك الملايين؟
ظل السؤال معلقًا في الهواء:
أين ذهبت تلك الملايين؟
لم يتحدث أحد.
كنت أنظر إلى كريم، ثم إلى أبي، ثم إلى أمي.
وأخيرًا قلت:
«عايزة أعرف الحقيقة كلها.»
رفع كريم هاتفه وقال:
«عشان كده أنا طلبت من المحاسب القانوني يراجع كل التحويلات القديمة.»
تغير وجه أمي.
قالت بسرعة:
«كريم، ده موضوع عائلي.»
أجابها:
«كان ممكن يكون موضوع عائلي لو ما كانش فيه أموال وتحويلات ومستندات قانونية.»
ثم نظر إليّ.
«خلال السنوات اللي فاتت، جزء من الأموال اتنقل لحسابات مرتبطة بالشركة.»
قلت:
«قد إيه؟»
«حوالي مليون ونصف دولار.»
تجمدت.
«والباقي؟»
صمت للحظة.
ثم قال:
«تم استخدام جزء كبير منه في شراء عقارات واستثمارات.»
سألته:
«باسم مين؟»
نظر إلى أبي.
«باسم والدك ووالدتك.»
لم أشعر بالغضب هذه المرة.
شعرت بشيء مختلف.
فراغ.
كأنني قضيت اثني عشر عامًا أهرب من مكان لم يكن أصلًا يعرف قيمتي، ثم اكتشفت أن هذا المكان كان يخفي عني حياة كاملة.
قال أبي:
«أنا كنت ناوي أرجع لك كل حاجة.»
نظرت إليه.
«إمتى؟»
لم يجب.
«بعد ما أموت؟»
خفض رأسه.
«ولا بعد ما تخلص فلوسكم؟»
قال:
«الأمر ما كانش بالشكل ده.»
ضحكت.
«إيه الشكل اللي كان؟»
لم يجد إجابة.
تدخلت أمي:
«كنا بنصرف على العيلة كلها.»
قلت:
«أنا كنت جزء من العيلة.»
قالت:
«أنتِ ما كنتيش محتاجة الفلوس وقتها.»
حدقت فيها.
«ما كنتش محتاجاها؟»
ثم أشرت إلى نفسي.
«أنا هربت ومعايا 355 دولارًا.»
صمتت.
«نمت في فندق رخيص يومين.»
ثم أضفت:
«وبعدها استأجرت أوضة صغيرة واشتغلت عشان أدفع إيجارها.»
نظرت إليها مباشرة.
«كنتِ عارفة ده؟»
لم تجب.
لكن صمتها كان كافيًا.
التفت إلى أبي.
«كنت عارف أنا كنت فين؟»
قال:
«كنا نعرف المدينة.»
شعرت بصدمة جديدة.
«كنتوا تعرفوا؟»
أومأ.
«هبة كانت بتبعت لنا أخبار عنك في البداية.»
استدرت نحو هبة، التي كانت تقف بعيدًا بين الضيوف.
لم أفهم.
«هبة؟»
قال أبي:
«كنا خايفين عليك.»
قلت:
«لو كنتوا خايفين عليّ، ليه ما جيتوش؟»
لم يجب.
وهنا تدخلت هبة لأول مرة.
قالت:
«لأن والدك طلب مني ما أقولكيش إنهم بيتابعوا أخبارك.»
نظرت إليها.
«أنتِ كنتِ عارفة؟»
قالت بحزن:
«في البداية.»
«ليه ما قلتيليش؟»
«لأنك كنتِ أخيرًا بدأتِ تعيشي لنفسك. وأنا خفت إنهم يرجعوكي لنفس الدائرة.»
لم أستطع لومها.
كانت الوحيدة التي أعطتني غرفة عندما لم يكن لدي شيء.
قال كريم:
«وفيه حاجة تانية.»
التفت إليه.
«إيه؟»
قال:
«الأربعة ملايين دولار دي مش القيمة الحالية.»
صمت الجميع.
سألته:
«يعني إيه؟»
فتح مستندًا آخر.
«الاستثمارات القديمة زادت قيمتها بشكل كبير.»
ثم قال:
«حسب التقييم الأخير، الحقوق والأصول المرتبطة بحصتك تقترب من تسعة ملايين دولار.»
شعرت أنني لم أعد أستوعب الأرقام.
تسعة ملايين.
كنت أعمل لسنوات حتى أشتري شقة صغيرة.
وأوفر ثمن سيارة.
وأدفع مصاريف الجامعة.
وأحسب كل فاتورة.
بينما كان هناك مال باسمي يمكن أن يغير حياتي بالكامل.
لكنني لم أشعر بالفرح.
شعرت بالحزن.
لأن المال لم يكن هو الشيء الذي كنت أبحث عنه.
كنت أبحث عن شيء أبسط بكثير.
كنت أريد أمي أن تقول:
«أنا فخورة بيك.»
وأريد أبي أن يقف بجانبي عندما ضحك الجميع.
فقط.
اقترب أبي مني.
«ليان، أنا آسف.»
نظرت إليه.
لأول مرة منذ سنوات، لم أرى الرجل القوي الذي كنت أخاف منه.
رأيت رجلًا عجوزًا يعرف أنه ارتكب خطأً لا يمكن إصلاحه بسهولة.
قال:
«كنت ضعيف.»
أجبته:
«كنت أبي.»
أغمض عينيه.
ثم قلت:
«وكان المفروض تكون أقوى واحد في حياتي.»
بدأت دموعه تنزل.
لكنني لم أقترب منه.
لم أستطع.
ليس بعد.
أما أمي، فكانت لا تزال تحاول إنقاذ الموقف.
قالت:
«كل ده ممكن يتحل بيننا بعيد عن الناس.»
نظرت إليها.
«أنتِ اللي اخترتي قدام الناس.»
ثم أشرت إلى القاعة.
«أنتِ اللي حولتي حفل تخرجي إلى إهانة قدام عشرات الأشخاص.»
قلت:
«دلوقتي الحقيقة ظهرت قدام نفس الناس.»
لم تستطع الرد.
أما سارة، فكانت واقفة في زاوية القاعة وهي تبكي.
اقتربت مني.
قالت:
«ليان… أنا آسفة.»
نظرت إليها.
«على إيه؟»
قالت:
«على كل مرة ضحكت فيها.»
صمتُّ.
«كنت صغيرة.»
قلت:
«وأنا كمان كنت صغيرة.»
خفضت رأسها.
«كنت فاكرة إن ماما بتحبك أقل مني.»
نظرت إليها.
قالت:
«وبعدين فهمت إنها كانت بتعاملك بشكل مختلف لأنها كانت شايفة إنك قوية.»



