
«كانت بتخاف إنك تعرفي مين والدك الحقيقي.»
شعرت بأن الدم تجمد في عروقي.
حدقت فيه.
«إيه؟»
أجاب:
«أنا أبوك… لكن مش بالطريقة اللي أنتِ فاكرة.»
فتح الظرف.
وأخرج منه نتيجة فحص قديمة وصورة.
ثم قال:
«والدتك أخفت عنك سرًا عن يوم ولادتك طوال ثمانية عشر عامًا.»
نظرت إلى الورقة.
ولأول مرة منذ بدأت القصة كلها…
لم يكن المال هو الشيء الذي أخافني.
كان السؤال:
إذا كان أبي يقول الحقيقة، فمن أنا فعلًا؟
ظللت أحدق في الورقة أمامي.
لم أستطع حتى أن ألمسها.
قلت بصوت خافت:
«إنت بتقول إيه؟»
أبي ابتلع ريقه.
«أنا أبوك قانونيًا… وأنا اللي ربيتك. لكن نتيجة التحليل دي بتقول إنني مش والدك البيولوجي.»
ضحكت بلا تصديق.
«لا.»
هز رأسه.
«أنا كنت شاكك من زمان.»
«وإنت مخبي ده عني؟»
«أمك كانت مصرة.»
«لمدة ثمانية عشر سنة؟»
«أيوه.»
وقفت من مكاني.
«ومين هو؟»
لم يجب.
صرخت:
«مين أبوي الحقيقي؟»
أخرج صورة قديمة من الظرف.
كانت صورة لرجل شاب يقف بجوار جدي أمام متجر قديم.
حدقت في الصورة.
لم أتعرف عليه.
قال أبي:
«اسمه سامح العطار.»
تجمدت.
«العطار؟»
أومأ.
«أخو جدك؟»
«لا.»
ثم قال:
«هو ابن شريك جدك القديم.»
بدأت القطع تتجمع في رأسي.
الشركة.
العقد.
الأموال.
جدي.
والآن هذا الرجل.
سألته:
«وأمي كانت تعرف؟»
«من البداية.»
«وإنت؟»
«عرفت بعد ما اتجوزنا.»
«ليه اتجوزتها؟»
خفض رأسه.
«كنت بحبها.»
ضحكت بحزن.
«وبعدين؟»
«بعد ما حملت بيك، قالت إنك بنتي.»
«وصدقتها؟»
«في البداية.»
سكت قليلًا.
«لكن بعد سنين، بدأت أشك.»
«وعملت التحليل؟»
«أيوه.»
«وطلعت النتيجة؟»
«إنك مش بنتي.»
جلست مرة أخرى.
كنت أشعر أن حياتي كلها تُعاد كتابتها أمامي.
قلت:
«طيب… ليه فضلت أبويا؟»
رفع عينيه.
«لأني كنت بحبك.»
كانت هذه أول جملة صادقة أشعر بها منه منذ سنوات.
لكنها لم تمسح كل شيء.
قلت:
«لو كنت بتحبني، ليه سبت أمي تعاملني كده؟»
لم يجد جوابًا.
بعد دقائق، قلت:
«ومين سامح؟»
قال:
«كان شريكًا مع جدك في أول مشروع كبير.»
«فين هو دلوقتي؟»
تردد.
ثم قال:
«مات من سنين.»
سألته:
«إمتى؟»
«قبل ما تهربي بسنة.»
ساد الصمت.
ثم قال:
«وقبل وفاته، ترك مستندات.»
«إيه المستندات؟»
نظر إلى الظرف.
«اعتراف.»
فتح ورقة أخرى.
كان فيها إقرار بخط اليد.
كان سامح يكتب أنه والد طفلة اسمها ليان، وأنه لم يتمكن من الاعتراف بها بسبب ظروف عائلية معقدة.
لكن هناك شيئًا آخر.
كان قد ترك جزءًا من أسهمه في الشركة باسم ابنته.
حدقت في الورقة.
قلت:
«يعني كل الفلوس دي…»
أبي أومأ.
«كانت جزءًا من إرثك من والدك البيولوجي، بالإضافة إلى حصة جدك.»
لم أعد أعرف ماذا أقول.
خرجت من المقهى وأنا أشعر أنني بحاجة إلى الهواء.
مشيت لساعات.
لم أتصل بأحد.
لم أكن غاضبة من أمي فقط.
كنت غاضبة من الحقيقة نفسها.
كيف يمكن لطفلة أن تعيش ثمانية عشر عامًا وهي لا تعرف حتى من يكون والدها الحقيقي؟
في المساء، اتصل بي كريم.
قال:
«عرفت.»
«عرفت إيه؟»
«موضوع سامح.»
توقفت.
«إنت كنت عارف؟»
«كنت أعرف إن فيه مستندات تخصه، لكن ما كنتش أعرف كل التفاصيل.»
«وسارة؟»
«لا.»
«وأمي؟»
«هي عارفة.»
قلت:
«أنا مش عايزة أشوفها.»
قال:
«ده قرارك.»
ثم أضاف:
«لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.»
«إيه؟»
«الزفاف اتلغى.»
صمتُّ.
«سارة وافقت؟»
«هي فهمت إن كل اللي حصل كان مبني على أسرار.»
«أنا آسفة.»
قال:
«ما تعتذريش.»
ثم سألني:
«إنتِ بخير؟»
نظرت إلى الطريق أمامي.
«مش عارفة.»
قال:
«خدي وقتك.»
وأغلقت الهاتف.
في اليوم التالي، عدت إلى مكتب المحامي.
قلت له:
«عايزة أعرف كل حاجة عن سامح العطار.»
بحث في السجلات.
وبعد ساعات، وجد عنوانًا قديمًا.
لم يكن العنوان في مدينتي.
كان في بلدة صغيرة على بعد ساعات.
ذهبت إلى هناك.
وصلت إلى منزل قديم تحيط به الأشجار.
طرقت الباب.
فتحت لي امرأة في السبعين تقريبًا.
نظرت إلى وجهي.
ثم شهقت.
«يا إلهي…»
قلت:
«حضرتك تعرفيني؟»
وضعت يدها على فمها.
«أنتِ ليان.»
توقفت.
«إزاي عرفتي اسمي؟»
بدأت دموعها تنزل.
وقالت:
«لأن والدك كان يحتفظ بصورتك.»
تجمدت.
«والدي؟»
أومأت.
«سامح كان يتكلم عنك طوال الوقت.»
دخلتني إلى المنزل.
كان هناك صندوق خشبي قديم.
فتحته.
بداخله عشرات الصور.
صور لطفلة صغيرة.
أنا.
صور لم أكن أعرف أنها موجودة.



