
كان جواه تسجيل صوتي قديم على جهاز صغير.
ضغطت الزر.
ثواني من التشويش.
وبعدين…
سمعت صوت أبويا.
صوت ما سمعتهوش من سنين.
قال:
«لو التسجيل ده وصل لمريم، يبقى أنا ما قدرتش أقول لها الحقيقة بنفسي.»
انهرت.
جلست على الكرسي.
التسجيل كمل:
«يا مريم… لو إنتِ بتسمعي الكلام ده، ما تثقيش في أي ورقة من غير ما تتأكدي من مصدرها.»
سكت لحظة.
ثم قال:
«وأهم حاجة… ما تسيبيش حد يقنعك إن عمر هو المسؤول.»
رفعت عيني بسرعة ناحية عمر.
عمر كان واقف مذهول.
التسجيل استمر:
«عمر ما يعرفش الحقيقة كلها.»
ثم جاء الجزء اللي قلب كل حاجة:
«الشخص اللي لازم تخافي منه… مش عمر.»
التسجيل توقف.
بصيت للجميع.
قلت:
«مين؟»
ولا حد رد.
ضغطت الزر مرة تانية.
اشتغل التسجيل.
لكن المرة دي صوت أبويا كان أوضح:
«مريم… الشخص ده قريب منك جدًا.»
وبعدين حصل تشويش.
آخر جملة وصلتني بصعوبة:
«وهو موجود في بيتك… من يوم جوازك.»
رفعت عيني.
ببطء…
بصيت لعمر.
ثم لنوال.
ثم لحمايا.
لكن سامح كان بيبص لشخص واحد فقط.
فؤاد الشامي.
وفجأة…
فؤاد قال:
«أبوك كان بيتكلم عن شخص تاني.»
سألته:
«مين؟»
ابتسم.
وقال:
«أنا.»
ثم مد إيده ناحية جيبه.
وأخرج ورقة قديمة عليها توقيع والدي.
وقال:
«لأن أبوك قبل ما … اتهمني أنا.»
بصيت لفؤاد وأنا مش قادرة أستوعب كلامه.
قلت:
«أبويا اتهمك؟»
هز راسه.
«أيوه.»
قلت:
«بإيه؟»
فؤاد حط الورقة قدامي.
«بإنك السبب في تغيير المستندات.»
بصيت للتوقيع.
كان توقيع أبويا فعلًا.
لكن حاجة في الورقة لفتت نظري.
قلت:
«التاريخ ده غلط.»
فؤاد سكت.
سامح قرب وأخد الورقة.
قرأها.
وبعدين رفع عينه لفؤاد.
«إنت كنت بتحتفظ بيها كل السنين دي؟»
فؤاد قال:
«علشان كنت مستني اليوم اللي مريم تعرف فيه الحقيقة.»
قلت:
«أي حقيقة؟»
فؤاد بص لي وقال:
«إن أبوكي ما ماتش بسبب الحادث.»
البيت كله سكت.
قلت:
«إنت بتقول إيه؟»
«الحادث كان مدبّر.»
حمايا ضرب إيده على الترابيزة.
«كفاية!»
فؤاد رد:
«دلوقتي بس خايف؟ بعد كل السنين دي؟»
بصيت لحمايا.
«إنت كنت عارف؟»
ما ردش.
وده كان كفاية.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
«كنت عارف إن أبويا ؟»
قال بصوت مكسور:
«كنت شاكك.»
«وشاكك وسكت؟»
«كنت بحاول أحميك.»
ضحكت وسط دموعي.
«تحميني؟ إنتوا كلكم كنتوا بتحموني بطريقة خلتني أعيش عمري كله من غير ما أعرف الحقيقة.»
عمر قرب مني.
«مريم…»
رفعت إيدي.
«ما تتكلمش.»
وقف مكانه.
ثم بصيت لفؤاد.
«لو إنت مش السبب… مين؟»
قال:
«الشخص اللي غيّر المستندات.»
«مين؟»
«حد كان عنده صلاحية يدخل الملفات من غير ما حد يشك فيه.»
سامح فجأة فهم.
قال:
«مستحيل.»
فؤاد بص له.
«إنت عارف.»
سامح سكت.
قلت:
«مين؟»
سامح قال:
«كان فيه مسؤول إداري وقتها اسمه حسام رأفت.»
فؤاد هز راسه.
«حسام كان مجرد منفذ.»
قلت:
«ومين كان بيأمره؟»
فؤاد ما ردش.
بصيت لحمايا.
وشه كان أبيض.
وقتها فهمت.
قلت:
«إنت.»
حمايا قال:
«لا.»
لكن صوته كان ضعيف.
فؤاد قال:
«محمود ما أمرش والدك.»
تنفست.
«أمال إيه؟»
قال:
«محمود حاول يغطي على التلاعب بعد ما حصل.»
حمايا نزل رأسه.
«علشان عمر.»
عمر صرخ:
«بابا!»
قلت:
«علشانه؟»
حمايا هز رأسه.
«كنت خايف مستقبل ابني يضيع.»
قلت:
«فخليت مستقبل بنت تانية يضيع.»
ما ردش.
في اللحظة دي، نوال بدأت تبكي.
وقالت:
«أنا السبب.»
الكل بص لها.
قالت:
«أنا اللي طلبت من محمود يخبي الورق.»
حمايا قال:
«نوال…»
لكنها كملت:
«وأنا اللي كلمت أبو مريم.»
قلت:
«وبعدين؟»
قالت:
«لما رفض يسكت… أنا خفت.»
«عملتي إيه؟»
«كلمت شخص يساعدني.»
سألت:
«مين؟»
نوال غمضت عينيها.
«حسام رأفت.»
فؤاد قال:
«وأنتِ عارفة إنه هو اللي دبّر الحادث؟»
نوال هزت رأسها بسرعة.
«لا! والله ما كنت أعرف.»
سامح قال:
«بس بعد الحادث عرفتي.»
نوال ما ردتش.
هنا عمر بدأ يبكي.
وقال:
«أنا كنت فاكر إن أمي بتحميني.»
بصيت له.
«وأنا كنت فاكرة إن جوزي هيحميني.»
سكت.
قلت:
«لكن في الآخر… كل واحد فيكم اختار يحمي نفسه.»
ماحدش قدر يرد.
—
في اليوم التالي، اتقدمت المستندات رسميًا للجهة المختصة.
وتم فتح التحقيق من جديد في الوقائع القديمة.
أنا ما كنتش عايزة انتقام.
كنت عايزة الحقيقة.
والحقيقة ظهرت واحدة واحدة.
ثبت إن المستندات فعلًا تم التلاعب بها.
وثبت إن توقيعي الموجود في أحد الملفات مزور.
واتضح إن عمر ما كانش هو اللي بدأ الموضوع، لكنه كان يعرف جزءًا منه واختار السكوت.
أما نوال…
فكانت تعرف إن فيه مستندات مخفية، وكانت قد تواصلت مع الشخص الذي تولى تعديلها، لكنها نفت معرفتها بأي مخطط للحادث.
أما حمايا، فتمت مراجعة دوره في التستر على المخالفات القديمة.
وأما فؤاد…
فاكتشفت إن قصته أكبر مما قال.
قبل ما يمشي، سلّمني ورقة أخيرة.
وقال:
«أبوك كان عايزك تعرف حاجة واحدة.»
فتحتها.
كان مكتوب فيها بخط إيد أبويا:
«لو وصلتِ لليوم ده، ما تضيعيش حياتك في محاولة تعويض الماضي. خدي حقك في معرفة الحقيقة، وبعدها اختاري حياتك بنفسك.»
قريت الجملة أكتر من مرة.
وبعدين طويتها.
لأول مرة من أيام، حسيت إني أقدر أتنفس.
لكن كان لسه فيه شخص واحد لازم أواجهه.
عمر.
قعد قدامي في الصالة.
وقال:
«أنا عارف إني خسرتك.»
بصيت له.
«إنت خسرت ثقتي.»
قال:
«هل فيه فرصة أصلح اللي حصل؟»
سكت شوية.
وبعدين قلت:
«مش دلوقتي.»
نزل عينه.
«مفهوم.»
وقفت.
«لو في يوم قدرت تسامح نفسك على سكوتك، يمكن ساعتها نفكر.»
بص لي.
«وإنتِ؟»
قلت:
«أنا عندي حاجة أهم أعملها.»
«إيه؟»
رفعت الظرف.
«أرجّع اسمي لمكانه.»
—
بعد أسابيع، رجعت لنفس القاعة اللي حصل فيها حفل التقاعد.
لكن المرة دي ماكنتش لابسة فستان.
كنت لابسة بدلتي العسكرية.
وقفت قدام نفس المسرح.
افتكرت الطبق اللي وقع.
وافتكرت الجملة:




