روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

«إنتِ مالكيش مكان على الترابيزة دي.»

ابتسمت.

لأنهم وقتها كانوا فاكرين إن مكانتي مرتبطة بقبولهم ليا.

لكنهم ما فهموش حاجة واحدة.

أنا ما كنتش محتاجة مكان على ترابيزتهم.

أنا كنت ببني مكاني بنفسي.

وقبل ما أخرج من القاعة، وصلني خطاب رسمي.

فتحته.

قرأته مرة.

ثم مرة ثانية.

وفي آخر الصفحة كان فيه قرار جديد…

قرار أعاد فتح ملف قديم، وذكر اسم الشخص الذي كان وراء كل التلاعب.

حسام رأفت.

لكن المفاجأة إن حسام اختفى قبل ما يتم استدعاؤه.

والعنوان الوحيد المسجل له…

كان عنوان بيت في مدينة الإسكندرية.

العنوان اللي كنت أعرفه كويس جدًا.

لأنه كان…

بيت أمي.
فضلت باصة للعنوان على الورقة، ومش قادرة أصدق.

بيت أمي.

إزاي؟

حسام رأفت اختفى، والعنوان الوحيد اللي الجهات المختصة عندها كان عنوان أمي في إسكندرية.

اتصلت بيها فورًا.

الموبايل رن مرة.

مرتين.

تلات مرات.

محدش رد.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

اتصلت تاني.

المرة دي حد رد.

لكن الصوت ماكانش صوت أمي.

كان صوت رجل.

قال بهدوء:

«مريم؟»

اتجمدت.

«مين؟»

سكت ثانيتين.

وبعدين قال:

«لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة… تعالي لوحدك.»

وقفل.

بصيت للتليفون.

رقم أمي.

لكن الصوت…

ماكانش صوتها.

—

بعد أقل من ساعة، كنت واقفة قدام بيت أمي.

الباب كان موارب.

ناديت:

«ماما؟»

مفيش رد.

دخلت.

البيت كان هادي بشكل غريب.

كل حاجة مكانها.

لكن على الترابيزة كان فيه فنجانين قهوة.

واحد لسه دافي.

وقفت مكاني.

سمعت صوت من الصالة.

«مريم.»

لفيت.

كانت أمي قاعدة على الكرسي.

وشها شاحب.

قلت:

«إنتِ كويسة؟»

هزت راسها.

«أنا كويسة.»

«مين كان هنا؟»

بصت للأرض.

«حسام.»

قلبي وقع.

«حسام رأفت؟»

هزت راسها.

«أيوه.»

«فينه؟»

«مشيت.»

«إنتِ كنتي بتساعديه؟»

رفعت عيني بسرعة.

«لأ.»

وبعدين قالت:

«بس هو جه علشان يقول لي الحقيقة.»

قعدت جنبها.

«إيه الحقيقة؟»

أمي سكتت فترة طويلة.

وبعدين قالت:

«أبوك ماكانش رايح يبلغ عن عمر.»

اتجمدت.

«أمال كان رايح يبلغ عن مين؟»

أمي بصت لي.

وقالت:

«عن حماكي.»

سكتنا.

قلت:

«ليه؟»

قالت:

«لأن أبوكي اكتشف إن محمود كان بيحاول يحمّي ابنه من مشكلة كبيرة، وحسام كان بينفذ أوامره.»

قلت:

«بس حسام قال إن محمود ما أمرش بحاجة.»

أمي ردت:

«محمود ما أمرش بالحادث.»

ثم أضافت:

«لكن لما عرف إن الحادث حصل، اختار السكوت.»

سألتها:

«وحسام؟»

قالت:

«حسام هو اللي دبّر الحادث.»

قلت:

«ليه؟»

أمي قربت مني.

وقالت:

«لأن أبوكي كان معاه الدليل.»

«أي دليل؟»

أمي قامت، ومشت ناحية دولاب قديم.

فتحت درج سري.

وأخرجت صندوقًا صغيرًا.

حطته قدامي.

«أبوك سابه هنا.»

فتحت الصندوق.

لقيت فلاشة صغيرة.

ومظروف أبيض.

فتحت المظروف.

كان جواه مستند واحد.

وفي أسفل المستند اسم واحد.

حسام رأفت.

لكن فوق اسمه كان فيه اسم تاني.

اسم ما توقعتش أشوفه.

نوال المنشاوي.

بصيت لأمي.

«ماما… إيه ده؟»

قالت:

«ده السبب الحقيقي اللي خلى نوال تحاول تبعدك عن العيلة.»

قلت:

«يعني كانت عارفة إن أبويا عنده دليل؟»

«أكتر من كده.»

سكتت.

«هي كانت عارفة إن الدليل ممكن يثبت إن حسام ماكانش بيتصرف لوحده.»

فتحت عيني.

«مين كان معاه؟»

أمي قالت:

«الشخص اللي كان بيمول العملية كلها.»

قلت:

«مين؟»

أمي بصت لي بحزن.

وقالت:

«مش شخص من العيلة.»

تنفست براحة للحظة.

لكنها كملت:

«كان مسؤول كبير وقتها.»

—

بعد أيام، اتضح كل شيء.

التحقيق الرسمي أعاد فحص الملفات القديمة.

الفلاشة اللي تركها والدي احتوت على نسخ من مراسلات وتسجيلات تثبت إن حسام كان بيتواصل مع أكثر من شخص لتغيير المستندات.

كما ظهرت أدلة على إن نوال كانت على علم بجزء من التلاعب، لكنها أنكرت معرفتها بخطة الحادث.

أما حمايا، فتمت مراجعة دوره في التستر على المخالفات.

لم يكن هو من دبّر الحادث، لكن اختياره السكوت عن التلاعب بعد وقوعه كان له عواقب قانونية ومهنية.

وعمر؟

عمر اعترف إنه عرف بوجود مشكلة في الأوراق قبل زواجنا بفترة، لكنه لم يعرف تفاصيلها كلها.

واعترف إنه اختار السكوت خوفًا على والده وعلى مستقبله.

لكن السكوت كان له ثمن.

ثمن دفعناه إحنا الاتنين.

—

بعد شهور، رجعت لحياتي الطبيعية.

رجعت لشغلي.

رجعت أتمرن.

ورجعت أنام من غير ما أصحى كل ليلة وأنا بفكر في نفس الأسئلة.

أما عمر…

فما رجعش يعيش معايا.

مش لأنني كنت عايزة أعاقبه.

لكن لأن الثقة لما بتتكسر، مش بتتصلح بكلمتين.

هو بدأ يحاول يصلح أخطاءه بنفسه.

وبمرور الوقت، بقينا نتكلم أحيانًا.

لكن المرة دي…

من غير أسرار.

ومن غير خوف.

أما نوال، فبعتت لي رسالة واحدة.

كان فيها:

«أنا آسفة.»

قريتها.

وبعدين قفلت الموبايل.

مش كل اعتذار لازم يرجّع العلاقة زي ما كانت.

ومش كل جرح لازم يختفي علشان الإنسان يكمل حياته.

أنا سامحتها.

لكن ما نسيتش.

—

بعد سنة كاملة، رجعت لنفس الفندق.

كان فيه حفل تكريم لعدد من الضباط.

دخلت القاعة ببدلتي العسكرية.

الناس كانت بتتكلم.

الأنوار كانت قوية.

والترابيزات متغطية بنفس المفارش البيضاء تقريبًا.

وقفت للحظة عند الباب.

افتكرت اللي حصل.

افتكرت الطبق.

افتكرت نوال.

وافتكرت عمر وهو بيبص بعيد.

ثم ابتسمت.

مش لأن اللي حصل كان سهل.

لكن لأنني خرجت منه وأنا أعرف قيمتي.

مش محتاجة حد يقولي إني أنتمي.

مش محتاجة حد يفتح لي مكان على الترابيزة.

ومش محتاجة موافقة أي حد علشان أعرف أنا مين.

وأنا خارجة من القاعة، سمعت صوتًا من ورايا.

«يا نقيب مريم.»

لفيت.

كان حمايا.

كان واقف بعيد.

وشكله اتغير كتير عن السنة اللي فاتت.

قال:

«كنت عايز أقولك حاجة.»

سكت.

«إيه؟»

قال:

«كان لازم أدافع عنك يومها.»

بصيت له.

«أيوه.»

هز راسه.

«أنا غلطت.»

قلت:

«الاعتراف بالغلط مهم.»

سألني:

«تقدري تسامحيني؟»

قلت:

«أنا سامحتك من زمان.»

ابتسم.

«بس؟»

قلت:

«بس السماح مش معناه إننا نرجع نعيش نفس الحياة.»

فهم.

هز رأسه.

وبعدين مشي.

وأنا كملت طريقي.

لأول مرة…

ما كانش عندي حاجة أرجع لها.

كان عندي حياة جديدة أبدأها.

وفي اللحظة اللي وصلت فيها لباب الفندق، جالي إشعار على تليفوني.

رسالة من رقم غير مسجل.

فتحتها.

كان فيها صورة قديمة لوالدي.

وتحتها جملة واحدة:

«فيه شخص رابع كان موجود في الحادث… ولسه محدش عرف هويته.»

وقفت مكاني.

بصيت للصورة.

وبعدين للشارع قدامي.

لأنني فهمت إن الحقيقة اللي وصلت لها…

ما كانتش النهاية.

كانت مجرد أول باب.

والسؤال الجديد كان:

مين كان الشخص الرابع؟
رجعت البيت في الليلة دي وأنا مش قادرة أبطل أبص للصورة.

الصورة كانت قديمة، لكن التفاصيل كانت واضحة.

أبويا واقف جنب عربيته.

وحسام رأفت واقف بعيد شوية.

وفي الخلفية… كان فيه شخص ثالث.

وشخص رابع.

كبرت الصورة.

ركزت في ملامحه.

وفجأة قلبي اتوقف.

الشخص الرابع…

كان العميد سامح رشوان.

اتصلت بيه فورًا.

المرة دي رد.

قلت:

«كنت موجود يوم حادث أبويا؟»

سكت.

وبعدين قال:

«أيوه.»

«ليه ما قلتليش؟»

قال:

«لأن أبوكي طلب مني ما أقولش.»

«طلب منك إيه بالضبط؟»

تنهد.

«طلب مني أراقب حسام.»

سكت لحظة، ثم كمل:

«لكن لما وصلت، كان الحادث حصل بالفعل.»

قلت:

«وإنت شفت مين؟»

قال:

«شفت حسام.»

«ومين كمان؟»

سكت طويلًا.

ثم قال:

«نوال.»

اتجمدت.

«أمي جوزي؟»

«أيوه.»

قلت:

«كانت معاه؟»

«كانت وصلت بعد الحادث.»

«يعني هي كانت متورطة؟»

قال:

«ماقدرش أقول كده.»

«أمال تقول إيه؟»

قال:

«كانت بتحاول تمنع كارثة أكبر.»

—

بعدها قابلت سامح للمرة الأخيرة.

طلع لي تسجيل قديم.

قال:

«أبوك سجله قبل الحادث بدقائق.»

شغله.

سمعت صوت أبويا:

«سامح، لو حصل لي حاجة، ما تظلمش نوال.»

شهقت.

التسجيل كمل:

«هي غلطت لما سكتت، لكن هي مش اللي خططت.»

ثم سكت أبي لحظة.

وقال:

«الشخص اللي لازم يتوقف… هو حسام.»

التسجيل انتهى.

بصيت لسامح.

«يبقى ليه نوال أخفت الحقيقة؟»

قال:

«علشان كانت خايفة على محمود وعمر.»

وهنا فهمت كل شيء.

نوال ما كانتش بريئة.

لكنها ما كانتش العقل المدبر.

هي اختارت السكوت.

وحمايا اختار التستر.

عمر اختار إنه ما يسألش.

وحسام اختار إنه يزوّر ويخفي الحقيقة.

أما أبي…

فكان الشخص الوحيد اللي حاول يوقف السلسلة دي.

—

بعد شهور من التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة.

تم تحديد مسؤولية حسام عن التلاعب بالمستندات والتصرفات التي أدت إلى الحادث، بينما تمت مساءلة آخرين عن التستر على المخالفات وعدم الإبلاغ عنها في وقتها.

أما اسم والدي…

فاتنضف أخيرًا من كل الشبهات.

وفي يوم صدور القرار النهائي، وقفت قدام قبره.

حطيت الورد.

وقلت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى