منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

ثم قلت:

«دي كانت المشكلة طول الوقت.»

اتجمد مكانه.

لكن قبل ما يرد، اللواء حسام أشار لي أرجع للمنصة.

وقال:

«لسه فيه جزء من التكريم مااتقالش.»

رجعت.

فتح ملف أسود كان في إيده.

وقال:

«والقرار ده… مش مجرد تكريم.»

رفع عينه ناحية أبي.

ثم قال أمام الجميع:

«لأن ياسمين لم تكن فقط الأولى على دفعتها…»

وسكت لثوانٍ.

«هي أيضًا كانت صاحبة المهمة التي جعلت القيادة ترسل ضباطًا من ثلاث محافظات لحضور هذا الحفل.»

رفعت رأسي.

أنا نفسي ماكنتش أعرف كل التفاصيل.

وبدأت أتساءل:

إيه المهمة اللي بيتكلم عنها؟

وليه أبويا كان آخر شخص يعرف؟

والأهم…

ليه اللواء حسام كان مصر إن الخبر يتقال قدام القاعة كلها؟
ساد الصمت في القاعة بعد كلام اللواء حسام.

كنت واقفة على المنصة، لكن للمرة الأولى من بداية الحفل، أنا نفسي ماكنتش عارفة إيه اللي هيحصل.

بصيت له باستغراب.

«حضرتك تقصد إيه بالمهمة؟»

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

«مش أنا اللي هجاوبك.»

وفي اللحظة دي، دخل قائد آخر من الباب الجانبي.

كان اللواء «طارق المنشاوي»، أحد كبار الضباط اللي اشتغلوا مع الأكاديمية خلال السنة الأخيرة.

أول ما دخل، معظم الضباط وقفوا احترامًا له.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت إنه اتجه ناحيتي مباشرة.

وقف قدامي وقال:

«مبروك يا ياسمين.»

«الله يبارك في حضرتك.»

مد إيده بملف أسود.

«ده ليكي.»

بصيت للملف.

«إيه ده؟»

قال:

«افتحيه.»

فتحت الملف ببطء.

في الصفحة الأولى كان فيه تقرير رسمي عن مشروع تدريبي شاركت فيه الأكاديمية.

بدأت أقلب الصفحات.

كلها كانت عن تقييمات، تدريبات، ومحاكاة لعمليات إنقاذ وإدارة أزمات.

لكن في آخر الملف، لقيت اسمي مكتوبًا بخط واضح.

وتحته:

“المرشحة الأولى لبرنامج القيادة الوطنية المتقدمة.”

رفعت عيني.

«أنا؟»

اللواء طارق أومأ.

«إنتِ.»

وبعدين قال:

«من حوالي سنة، اتعملت مجموعة تقييم خاصة لاختيار عدد محدود جدًا من الطلبة للمشاركة في برنامج متقدم.»

«وأنا كنت واحدة منهم؟»

«مش واحدة منهم.»

ابتسم.

«إنتِ كنتِ الأولى.»

بدأت الهمسات في القاعة.

اللواء حسام أخذ الميكروفون وقال:

«عشان كده، عدد من الضباط اللي حضروا النهارده ماجوش عشان يحضروا حفل تخرج عادي.»

ثم نظر إليّ.

«جم عشان يشوفوا الضابطة الشابة اللي اختاروها بنفسهم.»

التصفيق دوّى في القاعة.

لكن وسط كل ده، كان أبويا واقف في مكانه كأنه فقد القدرة على الكلام.

مرات أبويا قربت منه وهمست:

«إنت قلت إنها مجرد طالبة عادية.»

رد عليها بصوت متوتر:

«أنا… ماكنتش أعرف.»

نور كانت قاعدة ووشها متغير.

وبعدين بصت للدعوة اللي في إيدها.

الدعوة اللي كانت فاكرة إنها أهم حاجة حصلت لها النهارده.

لكن فجأة، بقت مجرد ورقة.

أما أنا، فكنت لسه بحاول أستوعب كل اللي بيحصل.

وفجأة، اللواء طارق قال:

«في حاجة تانية.»

التفت له.

«إيه؟»

أشار ناحية أبويا.

«والدك محتاج يعرف حقيقة معينة.»

قلبي انقبض.

بصيت لأبويا.

هو نفسه قرب خطوة.

«حقيقة إيه؟»

اللواء طارق قال بهدوء:

«إن ابنته ماوصلتش للمركز الأول بالصدفة.»

ثم فتح صفحة أخرى من الملف.

«خلال الأربع سنين، ياسمين رفضت أكتر من فرصة كانت ممكن تخليها تخرج من الأكاديمية بدري.»

أبويا بص لي.

«ليه؟»

جاوبته بهدوء:

«عشان كنت عايزة أكمل اللي بدأته.»

«بس ليه ماقولتيليش؟»

بصيت له للحظة.

«كنت بقولك.»

«وإنتِ قلتيلي إيه؟»

ضحكت ضحكة خفيفة من غير فرحة.

«كنت بقولك كل مرة أجيب فيها تقدير كويس.»

«وكنت بترد عليا بإيه؟»

سكت.

أنا اللي جاوبت:

«كنت بتقول: كويس.»

القاعة سكتت.

«وبعدين ترجع تتكلم عن نور.»

مرات أبويا أنزلت عينيها.

أما نور، فكانت بتبص في الأرض.

أبويا قرب مني أكثر.

«ياسمين… أنا غلطت.»

ماجاوبتش.

قال:

«بس أنا أبوكي.»

رديت:

«وعشان إنت أبويا، كنت مستنية منك تصدق فيا.»

سكت.

ثم قال:

«أنا كنت فاكر إنك مش مهتمة بالعيلة.»

هزيت رأسي.

«لا يا بابا.»

وبصيت للدعوة اللي كانت في إيد نور.

«أنا كنت مهتمة جدًا.»

«بدليل إن أول حاجة عملتها قبل التخرج كانت إني أديتك دعوتي.»

لم يعرف ماذا يقول.

لكن في اللحظة دي، اللواء حسام تدخل:

«ياسمين، لسه فيه جزء أخير من التكريم.»

بصيت له.

«إيه؟»

قال:

«القيادة قررت إن والدتك…»

توقف للحظة.

ثم صحح نفسه:

«الشخص اللي رباكي طول السنوات الماضية… يحضر بنفسه تسليمك أول تكريم رسمي.»

اتجمدت.

«والدتي؟»

قال:

«مش موجودة هنا.»

ثم أشار إلى باب القاعة.

«لكن فيه شخص طلبنا منه يحضر بدلًا منها.»

كل العيون اتجهت للباب.

وانفتح الباب ببطء.

ودخل رجل كبير في السن، لابس بدلة رسمية بسيطة.

أول ما شوفته، حسيت إن الأرض اختفت من تحتي.

«عمي سامح؟!»

كان عمي اللي عاش معانا فترة طويلة وأنا صغيرة.

الشخص الوحيد تقريبًا اللي كان دايمًا بيقول لي:

«كملي يا ياسمين… إنتِ هتوصلي.»

لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها…

إن عمي سامح ماجاش الحفل عشان يسلمني ورد أو يهنيني.

كان ماسك ظرف بني كبير.

اقترب مني.

وسلّمه للواء حسام.

وقال:

«ده لازم يتفتح قدامها.»

اللواء أخد الظرف.

وبص لي.

«إنتِ مستعدة تعرفي ليه والدك ماكانش يعرف أي حاجة عن آخر سنة في حياتك؟»

بصيت لأبويا.

وبعدين للظرف.

وقلت:

«أيوه.»

فتح اللواء الظرف.

وأخرج منه مجموعة أوراق.

أول ورقة كانت تقريرًا رسميًا.

لكن الورقة الثانية…

كانت صورة قديمة لأبويا.

وفي ظهرها تاريخ يرجع لأكتر من عشرين سنة.

وتحت الصورة جملة واحدة:

“الحقيقة التي أخفاها والد ياسمين عنها طوال هذه السنوات.”

رفعت عيني ناحية أبي.

كان واقفًا شاحب الوجه.

ولأول مرة…

ماكانش عنده أي كلمة يقولها.

لأن السر اللي في الظرف ماكانش متعلق بتخرجي فقط… كان متعلقًا بسبب اختفاء أمي من حياتي من الأساس.
نكمل من لحظة فتح الظرف، ونكشف السر تدريجيًا مع الحفاظ على التشويق.

فضلت باصة للصورة وأنا مش قادرة أتكلم.

الصورة كانت قديمة جدًا.

أبويا كان أصغر بكتير، واقف جنب عربية عسكرية، وفي الخلفية مبنى تابع لجهة رسمية.

قلبت الصورة.

كان مكتوب على ظهرها:

«١٢ أكتوبر ٢٠٠٦ — قبل يومين من اختفاء ليلى.»

ليلى…

اسم أمي.

الاسم اللي نادرًا ما كان أبويا يسمح لحد يجيبه قدامي.

رفعت عيني ببطء.

«يعني إيه اختفاء؟»

أبويا اتحرك ناحيتي.

«ياسمين، اسمعيني…»

لكن اللواء حسام أوقفه بإشارة من إيده.

«خليها تعرف الحقيقة كاملة.»

صوت أبويا ارتفع:

«دي حاجة عائلية!»

اللواء رد بهدوء:

«لو كانت مجرد حاجة عائلية، ماكنش الملف ده وصل للقيادة.»

اتجمد أبويا.

أنا بصيت للواء.

«إيه علاقة أمي بالأكاديمية؟»

قبل ما يجاوب، عمي سامح قال:

«أمك كانت عارفة.»

«عارفة إيه؟»

سكت لحظة.

ثم قال:

«إن أبوكي كان داخل في قضية كبيرة جدًا قبل ولادتك.»

حسيت ببرودة في أطرافي.

«قضية؟»

أبويا صرخ:

«سامح، كفاية!»

لكن عمي كمل:

«قضية اختفاء ملفات رسمية من وحدة عسكرية كانت بتراجع عقود ومناقصات ضخمة.»

القاعة بدأت تهمهم.

اللواء حسام طلب من الحضور الهدوء.

أما أنا، فكنت مشدودة للمكان.

بصيت لأبويا.

«إنت عملت إيه؟»

«أنا ماعملتش حاجة.»

«أمال ليه أمي اختفت؟»

ما ردش.

وده كان أسوأ من أي إجابة.

عمي سامح أخرج ورقة أخرى من الظرف.

«دي آخر رسالة كتبتها أمك قبل ما تختفي.»

مدها لي.

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحها.

كان خط أمي واضحًا.

وفي أول سطر كتبت:

«سامح، لو حصل لي أي حاجة، خلي ياسمين تعرف الحقيقة لما تكبر.»

نفسي اتقطع.

كملت القراءة.

كانت أمي بتقول إنها اكتشفت إن بعض المستندات المهمة تم تغييرها، وإن فيه أشخاص بيحاولوا يحمّلوا المسؤولية لأشخاص أبرياء.

وفي آخر الرسالة:

«أنا مش خايفة على نفسي… أنا خايفة على بنتي.»

نزلت الورقة من إيدي.

بصيت لأبويا.

«إنت كنت عارف؟»

فضل ساكت.

«بابا… إنت كنت عارف إن أمي كانت خايفة على حياتها؟»

قال أخيرًا:

«كنت عارف إنها كانت خايفة.»

«وعملت إيه؟»

«حاولت أحميكم.»

ضحكت بمرارة.

«تحمينا؟»

وأشرت ناحية الظرف.

«إنت حتى ماقلتليش إنها كانت عايشة آخر أيامها وهي خايفة.»

هز رأسه.

«كنت صغير… ماكنتش هتقدري تفهمي.»

«أنا دلوقتي كبيرة.»

سكت.

«وكان ممكن تقول لي.»

اللواء طارق تدخل وقال:

«والدك أخفى جزء من الحقيقة عنك، لكن فيه شيء مهم لازم تعرفيه.»

بصيت له.

«إيه؟»

قال:

«التحقيق القديم اتفتح من جديد من فترة قريبة.»

قلبي دق بسرعة.

«ليه؟»

فتح ملفًا آخر.

«لأن إحدى الوثائق الأصلية ظهرت.»

«فين؟»

نظر إلى أبي.

ثم قال:

«كانت محفوظة في مكان لم يتوقع أحد إنه هيتراجع عنه.»

سألت:

«فين؟»

قال:

«داخل صندوق أمانات باسم والدك.»

القاعة سكتت تمامًا.

بصيت لأبويا.

«إنت عندك صندوق أمانات؟»

ماجاوبش.

كررت السؤال:

«عندك؟»

قال بصوت منخفض:

«أيوه.»

«وفيه إيه؟»

سكت طويلًا.

ثم قال:

«الحقيقة.»

الكلمة وقعت عليّ كأنها صدمة.

لكن اللواء حسام قال:

«المشكلة إن الصندوق اتفتح الأسبوع اللي فات.»

«ومين فتحه؟»

اللواء بص إلى عمي سامح.

عمي قال:

«أنا.»

أبويا انفجر:

«إنت مالك؟!»

عمي رد لأول مرة بغضب:

«أنا وعدت أختي أحمي بنتها.»

ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.

وحطه على الطاولة.

«وده المفتاح اللي كانت أمك سايباه عندي من عشرين سنة.»

نظرت إلى المفتاح.

ثم إلى أبي.

وبينما كنت أحاول فهم كل شيء، دخل أحد الضباط مسرعًا.

اقترب من اللواء حسام وهمس في أذنه.

ملامحه تغيرت فورًا.

قال:

«متأكد؟»

الضابط أومأ.

اللواء نظر إليّ.

«ياسمين… فيه شخص وصل للأكاديمية وبيطلب مقابلتك.»

«مين؟»

تردد للحظة.

ثم قال:

«بيقول إنه كان آخر شخص شاف والدتك قبل اختفائها.»

حسيت إن قلبي وقف.

«هو فين؟»

أشار ناحية الباب.

«في الخارج.»

مشيت ناحية الباب بخطوات بطيئة.

وقبل ما أخرج، سمعت صوت أبويا خلفي:

«ياسمين… استني.»

التفت.

كان واقفًا وعينيه مليانة خوف.

قال:

«لو قابلتي الرجل ده… كل اللي فاكرة عن أمك ممكن يتغير.»

نظرت إليه.

«يمكن ده اللي كان لازم يحصل من زمان.»

وفتحت الباب.

لكن الرجل اللي كان مستنيني…

أول ما شافني، قال جملة واحدة جعلتني أتجمد:

«إنتِ شبه أمك جدًا.»

ثم أضاف:

«بس فيه حاجة واحدة أمك ماقالتهالكش قبل ما تختفي.»

توقفت.

«إيه؟»

نظر خلفي ناحية أبي.

وقال:

«إن أبوكي ماكانش آخر شخص شافته في الليلة دي… أنا كنت هناك.»

واللحظة دي كانت بداية الحقيقة اللي أخفاها أبي عني لأكثر من عشرين سنة.
الباقي في الجزء الاخير

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى