روايات وقصص

قبل سعات من تنفيذ الحكم بقلم محمد عبده

كانت بس ماشية في ممرات السجن وهي ساكتة تمامًا.

السجناء اللي كانوا بيشوفوها من خلف الأبواب كانوا بيقطعوا كلامهم للحظات.

حتى بعض الضباط القدامى ما قدروش يمنعوا نفسهم من إنهم يبصوا بعيد.

ولما باب غرفة الزيارة اتفتح…

كانت سلمى مستنية.

إيديها كانت لسه متكلبة في السلسلة المثبتة في الترابيزة الحديد.

البدلة البرتقالية كانت واسعة على جسمها اللي خِسّ بشكل واضح خلال السنين.

لكن أول ما عينيها وقعت على بنتها…

كل تماسكها انهار.

قالت بصوت بالكاد مسموع:

“يا بنتي…”

عينيها اتمَلَت بالدموع.

ليان اتحركت ببطء ناحية أمها.

لكنها ما جريتش عليها.

وما انهارتش في حضنها.

قربت منها بهدوء…

وبعدين حضنتها حضن خفيف.

ثواني مرت.

ثم رفعت ليان رأسها.

قربت شفايفها من ودن أمها…

وهمست بكلمتين بس.

كلمتين محدش في الغرفة قدر يسمعهم.

الحراس بصّوا لبعض باستغراب.

لكن في اللحظة دي…

وش سلمى اتغير تمامًا.

لأول مرة من خمس سنين…

ابتسمت.

ابتسامة حقيقية.

وكأنها أخيرًا سمعت الجملة اللي كانت مستنياها طول السنين.

أما ليان…

فابتعدت خطوة، وبصت في عيني أمها بثبات.

وقالت بصوت مسموع لأول مرة:

“ماما… أنا عرفت مين اللي عملها.”

وفجأة…

اختفت الابتسامة من على وش سلمى.

لأن اللي قالته بنتها بعد كده…

كان ممكن يقلب القضية كلها رأسًا على عقب.

التكملة في الجزء الثاني 👇👇👇
ليان بصّت حواليها بسرعة، وكأنها بتتأكد إن مفيش حد قريب منهم يقدر يسمع.

وبعدين قربت من أمها تاني.

همست:

“الراجل اللي اتقتل… ما ماتش في البيت.”

سلمى اتجمدت مكانها.

بصت لبنتها كأنها مش فاهمة.

“إنتِ بتقولي إيه يا ليان؟”

ليان حطت إيدها الصغيرة على إيد أمها المقيدة.

“أنا شفت حاجة.”

قلب سلمى بدأ يدق بسرعة.

“شوفتي إيه؟”

البنت بلعت ريقها وقالت:

“يوم ما حصلت الجريمة… بابا خدني معاه بالعربية.”

سلمى رفعت رأسها فجأة.

“بابا؟”

ليان هزت رأسها.

“أيوه.”

جوز سلمى السابق، ياسر منصور، كان من أكتر الناس اللي ظهروا في المحكمة وقت محاكمتها.

لكنه وقتها كان بيقول إنه كان بعيد عن مكان الجريمة.

وإنه آخر مرة شاف سلمى كانت قبل الحادث بساعات.

سلمى قربت من بنتها قدر ما السلاسل تسمح.

“ليان، قوليلي بالظبط إنتِ شوفتي إيه.”

البنت بصت ناحية الحارس، وبعدها رجعت تبص لأمها.

“بابا وقف العربية قدام مخزن قديم.”

“كان معاه راجل تاني.”

“والراجل ده كان لابس جاكت أسود.”

سلمى حسّت ببرودة في جسمها.

“وبعدين؟”

ليان قالت:

“سمعتهم بيتخانقوا.”

“وبعدها سمعت صوت حاجة وقعت.”

سكتت لحظة.

“وبابا قال له: خلاص… محدش هيعرف.”

سلمى حست إن الأرض بتتحرك تحتها.

لكنها سألت:

“إنتِ كنتِ فين؟”

“في العربية.”

“شفتي الراجل؟”

ليان هزت رأسها.

“شفته لما فتح باب العربية.”

ثم قالت جملة خلت سلمى تحس إن نفسها اتقطع:

“هو نفس الراجل اللي شوفته بعدين في صورة القضية.”

سلمى اتسمرت.

“صورة مين؟”

ليان أشارت بعينيها للباب.

“الراجل اللي قالوا إنك قتلتيه.”

سلمى ما قدرتش تتكلم.

طوال خمس سنين، كانت القضية مبنية على إن المجني عليه مات داخل منزله.

وكانت سلمى آخر شخص شوهد بالقرب من المكان.

لكن لو كلام ليان حقيقي…

فكل الرواية اللي اتحكم عليها بسببها كانت مبنية على كذبة.

سلمى همست:

“ليه ما قلتيش الكلام ده من زمان؟”

ليان نزلت عينيها.

“كنت خايفة.”

“من مين؟”

البنت ما ردتش.

وبعد ثواني قالت:

“بابا قالي لو اتكلمت… مش هشوفك تاني.”

سلمى أغمضت عينيها.

كانت عارفة إن ياسر شخص صعب.

لكنها ما تخيلتش أبدًا إنه ممكن يخوف طفلة بالشكل ده.

وفي اللحظة نفسها، الحارس أعلن انتهاء الزيارة.

ليان قامت.

سلمى مسكت إيدها قبل ما تمشي.

“ليان.”

البنت بصت لها.

“عايزاكي تفتكري كل حاجة.”

“حتى أصغر حاجة.”

ليان هزت رأسها.

وقبل ما تخرج، قالت:

“ماما…”

“نعم؟”

“أنا ما قلتلكيش أهم حاجة.”

سلمى قربت منها.

ليان همست:

“كان فيه كاميرا.”

“كاميرا؟”

“أيوه.”

“فين؟”

ليان أشارت ناحية أذُن أمها.

“في المخزن.”

وبعدين خرجت.

الباب الحديد اتقفل.

سلمى فضلت واقفة مكانها، وعقلها بيجري في كل الاتجاهات.

لو كانت فيه كاميرا فعلًا…

فممكن يكون فيه تسجيل.

والتسجيل ده ممكن يثبت إنها بريئة.

لكن فيه مشكلة واحدة.

لو التسجيل موجود…

ليه محدش شافه في التحقيق؟

بعد أقل من ساعة، وصلت رسالة عاجلة لمكتب مأمور السجن.

المحامية الجديدة لسلمى، نجلاء فوزي، كانت موجودة هناك.

وكان في إيدها ملف قديم.

قالت:

“أنا محتاجة أقابل سلمى فورًا.”

حسام البدري بص لها باستغراب.

“ليه؟”

فتحت الملف على الترابيزة.

“لأن فيه حاجة غلط في محضر الأدلة.”

“إيه؟”

أشارت إلى ورقة صغيرة في آخر الملف.

“التقرير الأصلي بيقول إن الشرطة استخرجت تسجيلات كاميرات المراقبة من المنطقة.”

حسام عقد حاجبيه.

“وده معناه إيه؟”

نجلاء ردت:

“معناه إن فيه كاميرات كانت شغالة وقت الجريمة.”

سكت حسام.

“لكن في ملف المحكمة…”

قلبت صفحة.

“مكتوب إن مفيش أي تسجيلات متاحة.”

حسام وقف فجأة.

“مين كتب الكلام ده؟”

نجلاء بصت له مباشرة.

وقالت:

“المحقق الرئيسي.”

في اللحظة دي، بدأ حسام يحس إن الموضوع أكبر من مجرد خطأ في التحقيق.

لكن قبل ما يكملوا كلامهم…

رن هاتفه.

رقم مجهول.

رد:

“ألو؟”

ما جاش رد.

بس بعد ثواني، سمع صوت رجل منخفض:

“لو عايز السجينة تموت بكرة… كمل إجراءات .”

حسام سكت.

الرجل تابع:

“لكن لو فتحت الملف القديم…”

“هتكتشف إنك مش بتطارد قاتل.”

“إنت بتطارد ناس كانوا مستعدين يقتلوا أي حد يعرف الحقيقة.”

ثم انقطع الخط.

حسام فضل ماسك الهاتف.

أما المحامية نجلاء…

فكانت بتبص له بقلق.

“مين كان؟”

حسام رد بصوت منخفض:

“مش عارف.”

لكن لأول مرة…

بدأ يشك إن السؤال الحقيقي مش:

هل سلمى قتلت الرجل؟

السؤال الحقيقي أصبح:

مين كان حريصًا على إنها تموت قبل ما الحقيقة تظهر؟

وفي مكان آخر من المدينة…

كان ياسر منصور واقف قدام مكتب مقفول.

وفي إيده هاتف قديم.

فتح رسالة وصلت له منذ دقائق.

كانت تحتوي على صورة واحدة فقط.

صورة ليان وهي داخلة السجن.

وتحتها جملة قصيرة:

“البنت اتكلمت.”

تغير لون وش ياسر.

رفع الهاتف واتصل برقم محفوظ بدون اسم.

وقال:

“لازم نلاقي التسجيل قبلهم.”

وجاءه الرد:

“التسجيل اختفى من خمس سنين.”

ياسر قال:

“لأ.”

“لسه موجود.”

وسكت لحظة قبل ما يضيف:

“وأنا عارف مكانه.”

التكملة في الجزء الثالث 👇👇👇
في صباح اليوم التالي، كان كل شيء داخل السجن ماشي بشكل طبيعي.

الحراس بيتحركوا في الممرات.

الأبواب الحديد بتتقفل وتتفتح.

والإجراءات الخاصة بتنفيذ الحكم كانت بدأت بالفعل.

لكن بالنسبة لسلمى…

الوقت كان بيتحرك بطريقة مختلفة.

كل دقيقة كانت بتقربها من النهاية.

أو من الحقيقة.

دخلت المحامية نجلاء غرفة الزيارة بسرعة، وفي إيدها ملف كبير.

قالت:

“سلمى، لازم تفضلي هادية وتسمعيني كويس.”

سلمى رفعت عينيها.

“لقيتي التسجيل؟”

نجلاء هزت رأسها.

“لسه.”

ثم وضعت ورقة على الترابيزة.

“لكن لقيت حاجة أهم.”

سلمى قرأت الورقة.

كانت عبارة عن تقرير فني قديم.

نجلاء قالت:

“قبل خمس سنين، اتعمل تفريغ لكاميرات المراقبة الموجودة حوالين مكان الجريمة.”

سلمى همست:

“يعني أنا كنت على حق.”

“إزاي؟”

“كنت بقول من البداية إن فيه حد كان بيراقب المكان.”

نجلاء أشارت إلى سطر في التقرير.

“هنا مكتوب إن إحدى الكاميرات سجلت سيارة دخلت الشارع قبل الجريمة بـ18 دقيقة.”

سلمى سألت:

“سيارة مين؟”

نجلاء تنهدت.

“الرقم اتشال من النسخة اللي وصلت للمحكمة.”

سلمى رفعت رأسها.

“اتشال؟”

“أيوه.”

“مين شاله؟”

“لسه مش عارفين.”

ثم أخرجت صورة صغيرة.

“لكن قدرت أوصل لنسخة قديمة من تقرير المرور.”

وضعتها أمام سلمى.

رقم لوحة سيارة كان ظاهرًا.

سلمى قرأته.

وبمجرد ما انتهت…

اتغيرت ملامحها.

“دي عربية ياسر.”

نجلاء ما ردتش.

سلمى كررت:

“دي عربية ياسر!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى