قصص وروايات

شهر العسل

— نعم؟

— أعتقد إن أهلي مخبيين عني سر أكبر بكتير من الفلوس.

وقبل ما نوصل لمكتب محمود… وصلتني صورة جديدة. صورة قديمة لعيلتنا. أبويا وأمي وجدي… وطفل صغير واقف بينهم. طفل ماعرفوش. لكن خلف الصورة كان مكتوب بخط جدي:

“لا تخبروا سلمى بالحقيقة حتى تبلغ سن الرشد.”

رفعت عيني عن الصورة. ولأول مرة في حياتي… بدأت أشك إن كل حاجة كنت أعرفها عن عيلتي… كانت مجرد نصف الحقيقة.

يتبع…

الجزء الثالث

فضلت ماسكة الصورة ومش قادرة أتكلم. الطفل اللي واقف جنب أبويا وأمي كان شكله أصغر مني بسنين قليلة. شعره أسود. وعينيه… كان فيهم حاجة مألوفة بشكل يخوف.

قربت الصورة من وشي.

— عمر… أنا عمري ما شفت الطفل ده.

عمر أخذ الصورة مني وبص لها كويس.

— يمكن يكون قريب؟

هزيت رأسي بسرعة.

— لأ. أنا عارفة كل أفراد عيلتي.

وبعدين قلبت الصورة. الجملة المكتوبة بخط جدي كانت واضحة:

“لا تخبروا سلمى بالحقيقة حتى تبلغ سن الرشد.”

وتحتها تاريخ قديم. قبل ما أبلغ 18 سنة بأيام.

قلت:

— يعني جدي كان عارف إني هكتشف الموضوع يومًا ما.

عمر رد:

— أو كان بيحاول يضمن إنك تعرفي في الوقت المناسب.

وصلنا لمكتب محمود. كان راجل في أواخر الستينات، شعره أبيض ونظراته هادية، لكن أول ما شاف الصورة، ملامحه اتغيرت.

— مين اداكي الصورة دي؟

قلت:

— وصلتني النهارده.

مد إيده للصورة. وبمجرد ما شافها، تنهد.

— كنت أتمنى إنك ما تضطريش تعرفي بالطريقة دي.

قعدنا. قلت له مباشرة:

— مين الطفل ده؟

فضل ساكت شوية. وبعدين قال:

— اسمه يوسف.

— يوسف مين؟

بص لي وقال:

— يوسف حمدي.

حسيت إني مش فاهمة.

— يعني من عيلتي؟

قال:

— أكتر مما تتخيلي.

عمر سأله:

— هو أخوها؟

محمود ماجاوبش فورًا. فتح درج مكتبه وطلع ملف قديم. حطه قدامي.

— جدك سلمني الملف ده قبل وفاته.

فتحته. كان فيه أوراق قديمة، وإيصالات، وصور، ومستندات تخص شركة العائلة. وفي آخر الملف… كان فيه شهادة ميلاد. قرأت الاسم.

يوسف حمدي.

اسم الأب:

حسن حمدي.

اسم الأم:

نادية عبد الرحمن.

رفعت عيني ببطء.

— ده أخويا؟

محمود هز رأسه.

— أيوه.

ماعرفتش أقول حاجة. حسيت كأن الأرض اتحركت من تحتي. أنا عندي أخت اسمها لارا. لكن ماعنديش أخ. أو هكذا كنت أعتقد.

سألت بصوت مكسور:

— ليه ماحدش قال لي؟

محمود قال:

— لأن يوسف كان في قلب مشكلة كبيرة حصلت قبل ما تبلغي 18 سنة.

— مشكلة إيه؟

قال:

— والدك ووالدتك كانوا على وشك خسارة جزء كبير من أموال العائلة.

— وإيه علاقة يوسف؟

قلب محمود إحدى الصفحات.

— يوسف كان صاحب حق قانوني في جزء من ممتلكات جدك.

شهقت.

— يعني الميراث؟

— بالضبط.

وبعدين أضاف:

— وجدك كان شايف إن والدك ممكن يحاول يمنع يوسف من الحصول على حقه.

قلت:

— بس ليه الحساب باسمي أنا؟

محمود ابتسم بحزن.

— لأن جدك ماكانش واثق في والدك.

سكت.

— فقرر يحط جزء من أمواله في حساب باسمك، على شرط إن الفلوس ما تنتقلش ليكي إلا بعد زواجك أو بلوغك سنًا محددًا.

بصيت لعمر. وبعدين سألت:

— وإيه علاقة يوسف بالحساب؟

محمود فتح ورقة تانية.

— الحساب مش كله ليكي.

قلبي وقع.

— يعني إيه؟

— جزء من المبلغ مخصص ليوسف.

— بس هو فين؟

محمود سكت.

— ده السؤال اللي لازم تسأليه لوالدك.

وقفت من مكاني.

— أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها.

محمود قال:

— لازم تكوني مستعدة.

— مستعدة لإيه؟

بص لي مباشرة.

— لأن يوسف مااختفاش من حياتكم بمحض إرادته.

صمت.

— والدك هو اللي أبعده.

حسيت إني مش قادرة أتنفس.

— أبعده لفين؟

محمود قال:

— خارج القاهرة.

— ليه؟

— لأن جدك اكتشف إن والدك كان بيحاول يتصرف في جزء من أموال يوسف من غير موافقته.

سألته:

— وإيه اللي حصل بعد كده؟

قال:

— جدك تدخل.

— وبعدين؟

— حصل خلاف كبير.

— ويوسف؟

محمود قال بهدوء:

— خرج من البيت.

— لوحده؟

— كان عمره 15 سنة.

اتسعت عيناي.

— خمسة عشر سنة؟!

هز رأسه.

— وجدك أخده تحت رعايته لفترة، وبعدها نقله يعيش مع أسرة موثوقة في مدينة تانية.

حطيت إيدي على فمي. كل الذكريات بدأت تتداخل. سنين طفولتي. صور العائلة. أعياد الميلاد. البيت. كل مرة كنت أسأل أمي ليه مافيش صور كتير من سنين طفولتي… كانت بتقول إن الصور ضاعت. لكن يبدو إن الصور ماكانتشي ضايعة. كانت مخبية.

سألت:

— هو يوسف عايش؟

محمود نظر لي طويلاً.

— أيوه.

قلبي بدأ يخبط.

— فين؟

قبل ما يرد، رن موبايله. بص للشاشة. وبعدين رفع عينيه لي.

— هو اللي بيتصل.

تجمدت.

— يوسف؟

هز رأسه. مد لي الهاتف.

— ردي.

إيدي كانت بتترعش. ضغطت زر الإجابة.

— ألو؟

صمت. وبعدين سمعت صوت رجل. صوت هادي. لكن فيه شيء غريب… شيء مألوف.

قال:

— سلمى؟

— أيوه.

سكت ثواني. ثم قال:

— أنا أخوكي.

دموعي نزلت من غير ما أحس.

— يوسف؟

قال:

— أخيرًا عرفتي.

ماقدرتش أتكلم.

قال:

— أنا ماكنتشي عايز أكلمك بالطريقة دي.

— ليه؟

— لأن جدك طلب مني ما أظهرش في حياتك إلا لما يكون الوقت مناسب.

قلت:

— وإنت كنت تعرفني؟

— طول الوقت.

— كنت فين؟

— قريب أكتر مما تتخيلي.

اتنفضت.

— يعني إيه؟

قال:

— شفتك أكتر من مرة من غير ما تعرفيني.

— ليه ماجيتش لي؟

سكت طويلًا. وبعدين قال:

— لأن والدك هددني.

عمر قرب مني. يوسف كمل:

— بس بعد اللي حصل في فرحك، عرفت إن الوقت جه.

سألته:

— إيه اللي حصل في فرحي؟

قال:

— والدك ارتكب غلطة كبيرة.

— إيه؟

— لما حاول يسحب الفلوس من الحساب.

سكت لحظة.

— هو بنفسه فعّل نظام كان المفروض يفضل ساكت.

قلت:

— نظام إيه؟

قال:

— النظام اللي جدك حطه عشان يكشف أي محاولة للسيطرة على أموال العائلة

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى