روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

“طيب… مين اللي بدأ كل ده؟”

والدها لم يجب.

سارة قالت:

“الشخص اللي كان بيدير الشركة من البداية.”

مريم سألت:

“سامح الديب؟”

سارة هزت رأسها.

“سامح كان مجرد واجهة.”

ياسين قال:

“أنا كنت شاكك.”

والد مريم قال:

“الحقيقة إن الشركة كلها كانت تحت إدارة شخص واحد.”

ثم أخرج ورقة.

ناولها لمريم.

مريم قرأت الاسم.

وتجمدت.

فؤاد كامل.

المحامي اللي كانوا فاكرين إنه مجرد وسيط.

لكن الحقيقة إنه كان الشخص اللي بيخفي كل المستندات.

وهو نفسه اللي كان بيحرك الحسابات.

وهو اللي زوّر أوراق والدتها.

وهو اللي كان عارف إن والد مريم عايش.

مريم قالت:

“بس إحنا لقيناه في المكتب.”

والدها قال:

“لأن المكتب كان فخ.”

ياسين فهم.

“كان عايزنا نوصل للفلاشة.”

سارة قالت:

“بالضبط.”

ثم أضافت:

“هو كان متأكد إن مريم هتجمع كل الخيوط بنفسها.”

—

في اللحظة نفسها، سمعوا أصوات سيارات في الشارع.

لكن المرة دي ما كانتش العربيات السوداء.

كانت سيارات الشرطة.

والد مريم قال:

“الفلاشة اتبعت نسخة منها قبل ما نوصل هنا.”

مريم بصت له.

“لمين؟”

ابتسم.

“لجهة ما يقدروش يسكتوها.”

بعد دقائق، دخل رجال الشرطة.

تم القبض على الرجال اللي كانوا داخل الشقة.

وبعدها بدأت التحقيقات.

الشركة اتفتحت ملفاتها.

واتضح إن مريم ما كانش عليها أصلًا دين بالمبلغ اللي كانوا بيطالبوها به.

الـ1,300,000 جنيه كان رقمًا ملفقًا، تم وضعه في ملفها كوسيلة للضغط عليها.

والأغرب…

إنها لم تكن الضحية الوحيدة.

كان فيه عشرات الأشخاص عندهم نفس المشكلة.

ناس اتكتب عليهم ديون ما أخدوهاش.

وناس اتحطت أسماؤهم في تحويلات ما يعرفوش عنها حاجة.

والد مريم أدلى بشهادته.

وسارة قدمت التسجيلات.

وياسين سلّم كل الملفات اللي كان محتفظ بيها من أيام عمله داخل الشركة.

وبعد شهور من التحقيق…

بدأت القضية تأخذ طريقها للمحكمة.

—

أما مريم…

فكان عندها قرار مختلف تمامًا.

رجعت تكمل دراسة التمريض.

وقالت للحاجة نوال يومًا:

“لو كنت كملت دراستي من زمان، كان زماني ممرضة دلوقتي.”

الحاجة نوال ابتسمت وقالت:

“المهم إنك رجعتي.”

وفي يوم التخرج…

كان أول شخص وقف يصفق لها هو والدها.

والدتها كانت في مكانها المفضل، تحتفظ بصورة مريم القديمة.

أما آدم ونور…

فكانوا كبروا قليلًا، وجايين مع سارة.

ياسين وقف بعيد.

مريم اقتربت منه.

وقالت:

“أنا لسه زعلانة منك.”

ابتسم.

“عارف.”

“بس شكرًا.”

قال:

“على إيه؟”

“إنك رجعتهم لأمهم.”

ثم نظرت إلى التوأم.

“وإنك خليتني أعرف الحقيقة.”

ياسين قال:

“الحقيقة كانت هتوصلك في النهاية.”

مريم هزت رأسها.

“يمكن.”

ثم ابتسمت.

“بس كنت محتاجة حد يمشي معايا لحد ما أوصل.”

—

بعد سنة…

كانت مريم تعمل في مستشفى حكومي في الإسكندرية.

وفي إحدى الليالي، دخلت عليها سيدة كبيرة ومعها فتاة صغيرة.

السيدة قالت:

“إنتِ مريم الشامي؟”

“أيوه.”

مدت لها ظرفًا.

“ده ليكي.”

مريم فتحته.

جواه ورقة واحدة.

كان مكتوب عليها:

“لسه فيه ملفات ما اتقفلتش.”

وتحت الجملة…

كان فيه اسم جديد.

اسم شخص لم يظهر طوال القضية.

مريم رفعت عينيها.

لكن قبل ما تقرأ باقي الورقة…

رن هاتفها.

رقم مجهول.

ردت.

جاءها صوت رجل:

“لو عايزة تعرفي مين كان بيمول الشبكة من البداية…”

سكت لحظة.

ثم قال:

“اسألي والدك عن اللي حصل قبل عشرين سنة.”

وانقطع الاتصال.

مريم فضلت ساكتة.

وبصت ناحية والدها، اللي كان واقف بعيد عنها في آخر الممر.

لأول مرة…

والدها لم يبتسم.

لأن نظرته قالت لها إن الماضي…

لسه ما خلصش.
مريم فضلت واقفة وهي ماسكة الورقة.

بصت لوالدها، وقالت:

“فيه حاجة تانية أنت مخبيها عني؟”

والدها تنهد.

ثم ابتسم ابتسامة حزينة.

“لأ.”

“متأكد؟”

“متأكد.”

قرب منها وقال:

“كل اللي حصل انتهى.”

مريم سألته:

“وفؤاد؟”

“اتحاكم.”

“والشركة؟”

“اتقفلت، وكل الملفات اتسلمت للجهات المختصة.”

“والناس اللي اتظلمت؟”

“بدأوا ياخدوا حقوقهم.”

مريم بصت للورقة مرة أخيرة.

ثم مزقتها.

قطعة…

قطعة…

لحد ما بقت قصاصات صغيرة.

قال والدها:

“ليه مزقتيها؟”

ابتسمت.

“علشان مش هسمح لحد يسرق مني حياتي تاني.”

—

بعد شهور، صدر الحكم النهائي في القضية.

تمت إدانة المسؤولين عن تزوير الديون والابتزاز والتلاعب في الحسابات، وتمت إعادة جزء كبير من الأموال لأصحابها بعد انتهاء الإجراءات القانونية.

أما مريم، فتم إسقاط الدين بالكامل من سجلاتها.

المليون وثلاثمائة ألف جنيه…

اختفى من ملفها كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

لكن بالنسبة لها، الرقم ده كان عمر كامل من الخوف.

—

والدتها تعافت تدريجيًا، وبدأت حياتها ترجع لطبيعتها.

أما والدها، فاختار أخيرًا يعيش قريبًا من عائلته بدل ما يفضل مختفي.

وسارة رجعت تعيش مع طفليها.

آدم ونور كبروا وسط ناس بيحبوهم، من غير خوف ولا مطاردة.

وياسين…

ابتعد عن كل شيء له علاقة بالشركة، وبدأ حياة جديدة بعيدًا عن الماضي.

ومريم أكملت دراسة التمريض.

وبعد تخرجها، علقت أول شهادة ليها على حائط صغير في غرفتها.

وقفت قدامها طويلًا.

ثم ابتسمت.

كانت فاكرة إن أكبر انتصار في حياتها هو إنها تخلصت من الدين.

لكنها اكتشفت إن الانتصار الحقيقي كان إنها ما سمحتش للخوف يحدد مستقبلها.

—

بعد سنوات، كانت مريم راجعة من المستشفى.

وقفت أمام المطعم القديم اللي بدأت فيه كل الحكاية.

المكان اتغير.

اتجدد.

واتفتح من جديد باسم مختلف.

لكن مريم وقفت للحظة قدام الباب.

افتكرت الليلة اللي لقت فيها ياسين مصابًا.

افتكرت الطفلين.

العربيات السوداء.

النار.

الخوف.

والدين الكاذب.

ثم ضحكت لنفسها.

كل شيء بدأ في ليلة ممطرة…

وانتهى بعد سنوات بشمس هادية.

رن هاتفها.

كانت سارة.

قالت:

“مريم، آدم ونور بيسألوا عليكي.”

ضحكت مريم:

“جايالكم.”

قفلت المكالمة.

وقبل ما تتحرك، بصت للسماء وقالت بهدوء:

“الحمد لله.”

ثم مشت.

من غير ما تبص وراها.

لأن الماضي أخيرًا…

بقى ماضي.

والحقيقة ظهرت.

والظلم انتهى.

والدين اتلغى.

والأسرة رجعت.

والطفلين بقوا في حضن أمهم.

أما مريم…

فبدأت أخيرًا تعيش حياتها من غير خوف.

النهاية.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى