عام

القصة كاملة

أحمد انفعل:

— كنت هشتري لها شقة أكبر!

بصيت له.

— بأملاكها؟

سكت.

وهنا نوال قالت جملة خلت كل حاجة تتغير.

— ما دام مراتك، يبقى فلوسها فلوس العيلة.

ضحكت بهدوء.

— شكرًا.

استغربت.

— على إيه؟

قلت:

— لأنك أكدتي بنفسك اللي كنت محتاجة أتأكد منه.

سحبت ورقة جديدة من الملف.

وقلت:

— لكن دي مش المفاجأة.

أحمد قرب مني.

— مريم… كفاية.

— لسه بدري.

طلعت صورة تحويل بنكي.

وحطيتها قدام الجميع.

المبلغ كان ثلاثمائة وخمسين ألف جنيه.

أحمد بص للصورة.

وشه اصفر.

نوال سألته:

— إيه ده؟

ما ردش.

بصيت له وقلت:

— تحب تشرح لهم؟

ظل ساكتًا.

فأنا شرحت.

— المبلغ ده خرج من حسابنا المشترك من غير علمي.

نوال قالت:

— يمكن أحمد استخدمه في شغله.

هزيت راسي.

— فعلًا.

وبعدين بصيت لأحمد.

— بس مش في شغله.

صمت.

فتحت الورقة اللي بعدها.

— المبلغ ده راح لحساب شركة باسم…

توقفت.

وبصيت في عيون الموجودين.

— نوال عبدالسلام للتجارة والتوريدات.

ساد الصمت تمامًا.

نوال اتجمدت.

وأحمد قعد على الكرسي.

وأنا لأول مرة من بداية الليلة…

حسيت إني قادرة أتنفس.

لكنني لسه ما قلتش أهم حاجة.

لأن مبلغ الـ350 ألف جنيه…

ما كانش أكبر سر في الملف.

يتبع…
ساد الصمت في المطعم لدرجة إني كنت سامعة صوت الملاعق وهي بتتحرك على الترابيزة.

نوال كانت باصة للصورة اللي قدامها وكأنها مش مصدقة إن الورقة دي موجودة أصلًا.

قالت بعصبية:

— دي فلوس ابني، وهو حر فيها!

بصيت لها بهدوء.

— لأ يا طنط نوال… دي فلوسنا إحنا الاتنين.

أحمد تدخل بسرعة:

— مريم، إحنا ممكن نتكلم في البيت.

ضحكت بسخرية خفيفة.

— طول عمرنا بنتكلم في البيت… والمشكلة إن كل مرة كنت بتقولي “خلينا نعديها عشان العيلة”.

رفعت الملف.

— المرة دي العيلة كلها هتسمع.

واحد من أقارب أحمد قال:

— بس إنتِ متأكدة إن التحويل ده حصل من غير علمك؟

طلعت كشف الحساب.

— متأكدة.

وبعدين أشرت لتاريخ التحويل.

— والمبلغ خرج بعد يومين من اليوم اللي أحمد طلب مني فيه أوقّع على ورقة تخص حسابنا.

بصيت لأحمد.

— فاكر الورقة؟

وشه اتغير.

— كانت ورقة للبنك.

— لأ.

طلعت صورة منها.

— كانت تفويض.

نوال شهقت.

— تفويض لإيه؟

رديت:

— يسمح له يتصرف في جزء من أموالي من غير ما يرجع لي.

أحمد قام من مكانه.

— إنتِ بتكبري الموضوع ليه؟

بصيت له وقلت:

— عشان أنت اللي كبرته.

سكت.

ثم قلت:

— أنا وثقت فيك.

ولأول مرة، صوتي ارتعش.

— لكنك استغليت الثقة دي.

نوال بدأت ترفع صوتها:

— مريم، ابني عمره ما كان هيسرقك!

بصيت لها.

— وأنا ما قلتش كلمة سرقة.

سكتت.

— أنا بقول إن في فلوس خرجت من حسابي من غير إذني، وإن في مستندات اتقدمت للبنك باسمي من غير موافقتي.

ثم أخرجت ورقة أخرى.

— وعشان كده أنا طلبت مراجعة قانونية لكل العمليات.

أحمد بص لي بصدمة.

— عملتي إيه؟

— اللي كان لازم أعمله من زمان.

اقترب مني وهمس:

— إنتِ كلمتي محامي؟

ابتسمت.

— أيوه.

وفي اللحظة دي، دخلت سارة المطعم.

كانت لابسة بدلة بسيطة، وماسكة حقيبة جلد.

أول ما شافها أحمد، وشه اتغير تمامًا.

قال:

— هي بتعمل إيه هنا؟

ردت سارة:

— أنا هنا بصفتي المحامية اللي وكّلتها مريم.

نوال انفعلت:

— محامية؟! في عيد ميلادها؟

قالت سارة بهدوء:

— للأسف، اللي حصل النهارده خلّى وجودي ضروري.

أحمد بص لي.

— إنتِ كنتِ مخططة لكل ده؟

قلت:

— لأ.

ثم أشرت للطوق على الترابيزة.

— لكن أنتوا اللي خلتوني أضطر.

سارة حطت حقيبتها على الترابيزة.

وقالت:

— مريم طلبت مني أراجع بعض المستندات والحسابات، وبعد المراجعة ظهر إن الموضوع أكبر من مجرد تحويل واحد.

نوال بدأت تتوتر.

— أكبر إزاي؟

فتحت سارة ملفًا.

— في خلال آخر سنة، تم تحويل مبالغ مالية على دفعات لحسابات مرتبطة بنشاط تجاري تابع للسيدة نوال.

واحد من الموجودين قال:

— قد إيه؟

سارة ردت:

— حوالي مليون ومئتين ألف جنيه.

الجميع اتصدم.

أحمد صاح:

— ده كلام غلط!

سارة بصت له.

— عندي كشوف حسابات ومستندات تحويل.

— الحسابات دي مش كلها باسمي!

— محدش قال إنها كلها باسمك.

ثم أضافت:

— لكن بعضها تم من حساب مشترك بينك وبين مريم، وبعض المستندات تحمل توقيعًا إلكترونيًا مرتبطًا بتفويض تم تقديمه للبنك.

أحمد سكت.

نوال بصت له.

— إنت عملت إيه يا أحمد؟

لأول مرة، بدأ الخوف يظهر في عينيها.

أما أنا، فكنت حاسة إن الصورة بدأت تكتمل.

لكن كان لسه في جزء واحد ناقص.

الجزء اللي خلاني أصلًا أطلب من سارة تراجع كل حاجة.

مديت إيدي وأخرجت آخر ظرف من الملف.

كان ظرفًا أبيض صغيرًا.

بصيت لأحمد وقلت:

— فاكر اليوم اللي قلت لي فيه إنك هتروح مع أصحابك رحلة يومين للإسكندرية؟

سكت.

— فاكر؟

قال بصوت منخفض:

— أيوه.

فتحت الظرف.

طلعت منه صورة.

وحطيتها قدامه.

كانت صورة لأحمد…

واقف قدام مكتب عقارات في الشيخ زايد.

لكن الصورة ما كانتش المشكلة.

المشكلة كانت في الشخص اللي واقف جنبه.

نوال.

والشخص الثالث…

كان رجلًا لا أعرفه.

بصيت لأحمد.

— مين ده؟

ما ردش.

سارة أخذت الصورة وقالت:

— ده مدير شركة عقارات.

ثم أخرجت مستندًا آخر.

— والشقة اللي كانوا بيتفاوضوا عليها في الشيخ زايد…

توقفت لحظة.

وبصت لي.

— كانت هتتسجل باسم أحمد ونوال معًا.

حسيت إن المكان كله بيلف بيا.

قلت:

— يعني كنتوا بتستخدموا فلوسي عشان تشتروا عقار ليكم؟

نوال صرخت:

— دي كانت استثمارات!

رديت:

— استثمارات من فلوسي من غير علمي؟

ما ردتش.

أما أحمد…

فكان ساكتًا تمامًا.

قربت منه وقلت:

— عارف إيه اللي وجعني أكتر من الفلوس؟

رفع عينه.

— إنك كنت عارف إن أمك بتعاملني بالطريقة دي، وبدل ما توقفها… كنت بتساعدها.

لم يرد.

سكتُّ ثواني.

ثم قلت:

— لكن لسه ما خلصناش.

سارة نظرت لي.

فهمت الإشارة.

أخرجت مستندًا أخيرًا.

وحطته على الترابيزة.

أحمد أول ما شافه…

رجع خطوة للخلف.

وقال بصوت مبحوح:

— لا…

بصيت له.

— أيوه.

— إنتِ جبتي الورقة دي منين؟

قلت:

— من المكان اللي كنت فاكر إنك عمرك ما هتدور فيه.

نوال بصت بينا.

— ورقة إيه؟

رفعت المستند أمامها.

— عقد تأسيس شركة جديدة.

ثم قلت:

— شركة اتعملت من ستة شهور…

وتوقفت.

— باسم أحمد ونوال… لكن رأس مالها الأساسي كان من أموالي.

وهنا…

لأول مرة، نوال ما لقتش أي كلمة ترد بيها.

لكن أحمد كان لسه مخبي سرًا واحدًا.

وسرّه ده…

كان أخطر من كل اللي ظهر في الملف.

يتبع…
فضلت واقفة قدام أحمد وأنا ماسكة آخر ورقة.

كان واضح إنه اتكشف.

لكن الغريب إنه بدل ما يحاول ينكر، قعد على الكرسي وحط إيده على وشه.

نوال قربت منه بسرعة:

— أحمد، اتكلم! قول لهم إن الكلام ده مش حقيقي!

رفع عينه ليها.

وقال بصوت منخفض:

— كفاية يا أمي.

الكلمة دي خلتها تسكت.

أول مرة أسمع أحمد يقولها لها بالشكل ده.

بصيت له وقلت:

— يعني إيه كفاية؟

قال:

— أنا غلطت.

ضحكت بمرارة.

— غلطت؟

— أيوه.

— تحويل أكتر من مليون جنيه، ومحاولة نقل ملكية شقتي، وتأسيس شركة بفلوسي… وكل ده تسميه غلط؟

ما ردش.

سارة فتحت ملفها وقالت:

— مريم، في نقطة أهم لازم تعرفيها.

بصيت لها.

قالت:

— التحويلات اللي اكتشفناها مش كلها تمت لمصلحة نوال.

اتجمدت.

— يعني إيه؟

بصت لأحمد.

— جزء من الفلوس راح لحساب شخص تاني.

بصيت لأحمد.

— مين؟

فضل ساكت.

سارة طلعت كشف حساب وحطته قدامي.

الاسم كان واضح.

حسام عبدالعال.

ما عرفتش الاسم.

قلت:

— مين ده؟

أحمد غمض عينيه.

— شريك قديم.

— شريك في إيه؟

ما ردش.

سارة قالت:

— ده الشخص اللي كان أحمد بيتعامل معاه في مشروع السيارات.

بصيت لأحمد.

— يعني فلوسي راحت لمشروع؟

هز رأسه.

— أيوه.

— والمشروع نجح؟

سكت.

هنا فهمت.

— خسر.

قال بصوت ضعيف:

— أيوه.

نوال تدخلت:

— هو كان بيحاول يرجع الفلوس!

بصيت لها.

— من إمتى؟

— من فترة.

— من غير ما يقول لي؟

ما ردتش.

قلت لأحمد:

— كان ممكن تقول لي.

قال:

— كنت خايف.

— خايف من إيه؟

— أخسرك.

سكت لحظة، ثم قال:

— كنت فاكر إني لو رجعت الفلوس قبل ما تعرفي، كل حاجة هتعدي.

بصيت له طويلًا.

— وأنت كنت عارف إن الفلوس مش هترجع؟

هز رأسه.

— أيوه.

شعرت بوجع حقيقي وقتها.

لأنني اكتشفت إن الموضوع ما كانش مجرد طمع.

كان كذبًا طويلًا.

خوفًا.

وخداعًا.

ورغم كل شيء، كنت لسه بحاول أفهم.

— طيب وأمي… أقصد نوال؟

بصيت لها.

— هي كانت تعرف؟

أحمد سكت.

ثم قال:

— هي اللي اقترحت عليّ آخد الفلوس من حسابنا.

نوال صرخت:

— أنا كنت بحاول أساعدك!

رد عليها:

— ساعدتيني إزاي؟ خليتيني أخسر مراتي!

ساد الصمت.

نوال بدأت تبكي.

لكنني لم أشعر بالانتصار.

كنت فقط متعبة.

سارة قربت مني وقالت:

— مريم، في حاجة لازم تعمليها دلوقتي.

بصيت لها.

— إيه؟

— توقعي على الأوراق اللي جبتها.

حطت قدامي مجموعة مستندات.

— دي إيه؟

— إلغاء التفويض البنكي، وإثبات إن الشقة ملكك بالكامل، وإجراءات قانونية لحماية أموالك.

مسكت القلم.

لكن قبل ما أوقع…

أحمد وقف.

وقال:

— مريم، استني.

بصيت له.

— إيه؟

قال:

— أنا مستعد أرجع كل جنيه.

— إزاي؟

— هبيع العربية.

— مش كفاية.

— وهبيع نصيبي في الشركة.

سكت.

— وهكتب لك إقرار بكل اللي حصل.

سارة قالت:

— ده هيكون ضمن الإجراءات.

بصيت لأحمد.

— ولو كنت قلت لي الحقيقة من الأول، كنت هقف جنبك.

نزل عينه.

— عارف.

— لكنك اخترت تخدعني.

هز رأسه.

— عارف.

مسكت القلم.

وقعت.

وبعدها وقعت على باقي الأوراق.

نوال كانت واقفة بعيد، ساكتة تمامًا.

وبعدين قالت:

— يعني إنتِ هتطلقي أحمد؟

السؤال كان بسيطًا.

لكن كل الموجودين سكتوا ينتظروا إجابتي.

بصيت لأحمد.

كان مستني.

ثم بصيت للطوق اللي كانت جايباه لي.

أخذته من على الترابيزة.

وقلت:

— أنا مش هحدد مستقبلي الليلة بسبب إهانة أو غضب.

ثم حطيته قدام نوال.

— لكن في حاجة واحدة اتعلمتها.

بصت لي.

— اللي بيطلب من غيره يعرف “مكانه”، لازم الأول يعرف هو تجاوز حدوده لفين.

أحمد قرب مني.

— مريم…

رفعت إيدي.

— مش دلوقتي.

ثم أخذت شنطتي.

وقبل ما أخرج، رجعت وبصيت لكل الموجودين.

قلت:

— دي كانت حفلة عيد ميلادي.

ابتسمت.

— وأنا لأول مرة في حياتي… قررت أدي لنفسي هدية حقيقية.

سارة سألتني:

— إيه هي؟

بصيت لها.

— حقي في إني أعيش من غير ما حد يتحكم في حياتي.

خرجت من المطعم.

لكن وأنا راكبة العربية، وصلني إشعار على الموبايل.

رسالة من البنك.

فتحتها…

وتجمدت مكاني.

لأن الرسالة كانت بتقول إن فيه تحويل جديد تم قبل دقائق من حساب أحمد.

والمبلغ…

كان أكبر من كل المبالغ اللي اكتشفناها.

اتصلت بسارة فورًا.

— سارة… في مشكلة.

— إيه؟

قلت وأنا ببص للشاشة:

— أحمد حوّل مبلغ كبير من حسابه لشخص اسمه حسام.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

— مريم… ما تتحركيش.

— ليه؟

قالت:

— لأن حسام مش مجرد شريك أحمد.

— أمال مين؟

جاء ردها بصوت منخفض:

— هو الشخص اللي كتب العقد اللي حاول أحمد يخفيه عنك.

— عقد إيه؟

سكتت ثانيتين.

ثم قالت:

— عقد بيع الشقة.

تجمد الدم في عروقي.

لأنني كنت فاكرة إن الشقة لسه بأمان.

لكن فجأة…

بدأت أخاف إن أحمد يكون سبقنا بخطوة.

يتبع…
قفلت المكالمة مع سارة وأنا حاسة إن إيدي بتترعش.

بصيت على الشقة من بعيد.

الشقة اللي ورثتها عن جدتي.

المكان الوحيد اللي كان دايمًا محسسني بالأمان.

وفجأة خفت تكون حتى دي اتعرضت للخطر.

اتصلت بسارة تاني.

— قولي لي إن الشقة لسه باسمي.

ردت بسرعة:

— لسه، وده أهم شيء.

— طب إيه موضوع عقد البيع؟

— فيه عقد ابتدائي حاولوا يستخدموه كضمان للتمويل، لكن نقل الملكية ما تمش.

أغمضت عيني براحة.

— يعني الشقة لسه بتاعتي؟

— قانونيًا، أيوه. لكن لازم نتحرك بسرعة.

في اللحظة دي وصلتني رسالة من أحمد.

“مريم، أرجوكي اسمعيني قبل ما تحكمي عليّ.”

بصيت للرسالة طويلًا.

وبعدين كتبت:

“اتكلم.”

جاء الرد بعد ثوانٍ:

“أنا ما كنتش ناوي أخسر كل حاجة.”

ثم رسالة ثانية:

“المشروع خسر، وحاولت أعوض الخسارة من غير ما تعرفي.”

ثم رسالة ثالثة:

“وأمي ضغطت عليّ.”

قفلت الموبايل.

بعد دقائق اتصل أحمد.

رديت.

قال بصوت مكسور:

— أنا عارف إني غلطت.

قلت:

— الغلط إنك تنسى ميعاد. إنك تتأخر. إنك تزعّل حد من غير قصد.

سكت.

— اللي عملته كان قرارات كاملة، ورا بعض، وكل قرار كان محتاج كذبة جديدة عشان تخبيه.

قال:

— أنا كنت خايف.

— وأنا كنت مراتك. كان ممكن تواجهني بالحقيقة.

صمت طويل.

ثم قال:

— أنا مستعد أصلح كل حاجة.

قلت:

— الإصلاح مش كلام.

— هبيع العربية، ونصيبي في الشركة، وهسدد كل اللي عليّ.

— وهتوقف أي إجراء يخص الشقة.

— حاضر.

— وهتسلمني كل المستندات اللي عندك.

— حاضر.

ثم قلت:

— وبعدها، كل واحد فينا هياخد وقته يقرر هيعمل إيه.

قال بصوت منخفض:

— يعني لسه في أمل؟

سكتُّ.

— مش عارفة.

قفلت المكالمة.

في اليوم التالي، أنا وسارة بدأنا الإجراءات القانونية.

اتراجع كل مستند.

كل تحويل.

كل توقيع.

والمفاجأة إننا اكتشفنا إن جزءًا من الأموال بالفعل تم استخدامه في مشروع خسر، لكن جزءًا آخر كان أحمد قد حوّله إلى حساب منفصل حتى يبعده عن المشاكل المالية.

وبعد أيام، بدأ يرجع الأموال واحدة وراء الثانية.

أما نوال…

فقد اتضح إن الشركة التي أسستها باسميهما كانت في الأساس محاولة لإنقاذ مشروع عائلي متعثر، لكن استخدامها لأموالي من غير موافقتي كان أمرًا لا يمكن تبريره.

ولأول مرة، نوال اتصلت بي من غير ما تأمرني أو تنتقدني.

قالت:

— مريم…

— نعم؟

سكتت قليلًا.

ثم قالت:

— أنا آسفة.

ما رديتش فورًا.

— أنا غلطت في حقك.

قلت بهدوء:

— مشكلتي مش إنك ما حبتينيش.

سكتت.

— مشكلتي إنك حاولتي تتحكمي في حياتي، وأحمد سمح لك.

قالت:

— عارفة.

— وأنا مش هسمح بده تاني.

قالت:

— فهمت.

كانت أول مرة أسمع منها الكلمة دي.

بعد عدة أشهر، كنت في نفس الحديقة اللي كنت شغالة على تطويرها قبل عيد ميلادي.

وقفت وسط الأشجار اللي زرعتها، وبصيت للمكان بابتسامة.

المشروع نجح.

واسمي اتكتب على لوحة صغيرة عند المدخل باعتباري المهندسة المشرفة على التصميم.

وقتها فهمت حاجة مهمة.

أنا طول الوقت كنت فاكرة إن خسارة الزواج هي أسوأ شيء ممكن يحصل لي.

لكن الحقيقة كانت العكس.

أحيانًا الإنسان ما بيكتشفش قوته غير لما يضطر يدافع عن نفسه.

أما أحمد…

فلم ننفصل في اليوم التالي.

أخذنا فترة طويلة بعيدًا عن بعض.

وخلال الفترة دي، بدأ يسدد الأموال ويصلح كل ما يمكن إصلاحه.

وبعد شهور من الجلسات والنقاشات والاعتذارات، رجعنا نتكلم من جديد.

لكن العلاقة ما رجعتش زي الأول.

لأن الثقة لما بتتكسر…

ما بترجعش بكلمة “آسف”.

بتحتاج وقت، وأفعال، وصبر.

وفي النهاية، قررت أكمل حياتي بشروطي أنا.

سواء مع أحمد أو من غيره.

أما الطوق اللي قدمته لي نوال في عيد ميلادي…

فاحتفظت به.

مش عشان أفتكر الإهانة.

لكن عشان أفتكر اليوم اللي قررت فيه لأول مرة…

إني مش هسمح لأي حد يحدد لي قيمتي.

وفي عيد ميلادي التالي، عملت حفلة صغيرة.

من غير نوال.

ومن غير أقارب أحمد.

ومن غير أي شخص يقرر أنا ألبس إيه، أو أقعد فين، أو أقول إيه.

كان معايا أهلي وأصحابي الحقيقيين.

وفي آخر الحفلة، سارة رفعت كوب العصير وقالت:

— لمريم… اللي اكتشفت إن أغلى هدية مش فلوس، ولا دهب، ولا بيت.

ضحكت وسألتها:

— أمال إيه؟

قالت:

— إنك تعرفي قيمة نفسك… وما تسمحيش لحد يقلل منها.

رفعت كوباية العصير وقلت:

— وإلى سنة جديدة… من غير أطواق.

ضحكنا جميعًا.

ولأول مرة منذ سنوات…

كنت بضحك من قلبي.

أما الطوق؟

فعلقته على باب مكتبي.

كل ما أشوفه، أفتكر إن اليوم اللي حاولوا فيه يقللوا مني…

كان هو نفسه اليوم اللي بدأت فيه أستعيد حياتي.

النهاية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى