
— علشان تسدد ديون أخويا.
رفعت عيني.
— أخوك؟
— أيوه.
— إنت ماعندكش أخ.
ابتلع ريقه.
— كان عندي.
تجمدت.
— كان؟
هز رأسه.
— أخويا مات من سبع سنين.
صمت طويل ملأ الغرفة.
ثم قال:
— مات وهو مديون بمبلغ كبير.
— وأمي كانت بتسدد ديونه؟
— أيوه.
— بس إزاي؟
قال:
— سامح استغل الموضوع. قال لها إنه يقدر يحافظ على سمعة العيلة ويقفل ملفات الديون… مقابل إنها تساعده في الوصول لبعض حسابات الشركة.
حسيت إن كل حاجة بتتجمع.
— يعني حماتي كانت بتسرق معاه؟
محمود قال بسرعة:
— مش بالضبط.
— أمال إيه؟
— في البداية كانت فاكرة إنها بتساعدني.
— وبعدين؟
سكت.
— لما اكتشفت الحقيقة، كانت خلاص دخلت في الموضوع.
بصيت له.
— وعشان كده كنت بتكلمها قبل ما الإسعاف يوصل؟
هز رأسه.
— أيوه.
— قلت لها إيه؟
محمود بدأ يبكي.
— قلت لها إن كل حاجة اتكشفت.
سألته:
— وهي عملت إيه؟
قال:
— قالتلي إنها هتصلح كل حاجة.
— وإنت وافقت؟
هز رأسه.
— لأ.
ثم نظر لي مباشرة.
— بعدها شربت العصير اللي داليا قدمتهولي.
تجمدت.
— العصير؟
— أيوه.
— وبعدها؟
— بدأت أحس بدوخة.
سألته:
— يعني المهدئات كانت في العصير؟
— مش عارف.
— طب مين حطها؟
محمود سكت.
وفجأة دخل الدكتور.
— لازم نوقف الكلام. المريض محتاج يرتاح.
قبل ما أخرج، محمود مسك إيدي.
— مريم…
بصيت له.
— سامح مش أخطر شخص.
— أمال مين؟
بص ناحية الباب.
وكانت حماتي واقفة هناك.
قال:
— الشخص اللي لازم تخافي منه هو اللي كان عنده مفتاح شقتنا.
رجعت أبص له.
— مين؟
لكنه ما لحقش يرد.
صدره ارتفع فجأة، وصوت جهاز المراقبة اتغير.
الممرضة جريت عليه.
خرجت وأنا مذهولة.
حماتي كانت واقفة في الممر.
قربت مني.
وقالت بصوت هادي:
— محمود قال لك إيه؟
بصيت لها.
— قال لي كل حاجة.
ارتبكت.
— كل حاجة؟
— تقريبًا.
وقبل ما أمشي، قلت لها:
— بس لسه في حاجة واحدة مش فاهمها.
— إيه؟
— مين كان عنده مفتاح شقتنا غيري وغير محمود؟
وشها اتغير.
ولأول مرة…
ما حاولتش تنكر.
قالت بصوت مرتعش:
— سامح.
لكن قبل ما أستوعب، وصلتني رسالة على موبايلي.
فتحتها.
كانت صورة من كاميرا مراقبة.
الصورة كانت لشخص داخل شقتي قبل محمود بساعتين من فقدانه الوعي.
كبرت الصورة.
وبصيت للوجه.
ماكانش سامح.
وماكانش داليا.
كان شخصًا أعرفه جيدًا.
حماتي نفسها.
وتحت الصورة كان مكتوب:
“دي مش كل الحقيقة… شوفِي التسجيل الكامل قبل ما تثقي في أي حد.”
الجزء الأخير
فضلت باصة للصورة كأن عقلي مش قادر يستوعب اللي شايفه.
حماتي…
كانت هي اللي دخلت شقتي قبل محمود بساعتين.
رفعت عيني عليها.
— إنتِ دخلتي بيتي إمتى؟
وشها اتغير.
— مريم، اسمعيني…
— جاوبيني!
سكتت.
— أيوه… دخلت.
— ليه؟
بدأت دموعها تنزل.
— علشان آخد حاجة تخص محمود.
— إيه؟
ما ردتش.
في اللحظة دي وصلت رسالة جديدة.
“افتحي التسجيل الكامل.”
ضغطت عليه.
ظهر فيديو من كاميرا العمارة.
واضح إن الشخص اللي بعت الفيديو كان مخترق نظام الكاميرات أو عنده نسخة منها.
ظهر محمود وهو داخل العمارة الساعة 12:43 بعد منتصف الليل.
وبعده بحوالي عشر دقائق…
ظهرت داليا.
ثم بعد حوالي نصف ساعة…
ظهرت حماتي.
دخلت العمارة بمفتاح.
وبعدها بربع ساعة تقريبًا، ظهر رجل آخر.
كبرت الصورة.
كان سامح المحامي.
بصيت لحماتي.
— إنتِ وسامح كنتوا مع محمود في نفس الليلة؟
بكت.
— أنا ماكنتش عايزة أذي ابني.
— أمال كنتِ بتعملي إيه؟
قالت بصوت مكسور:
— كنت بحاول آخد منه المستندات.
— علشان تبيعيها؟
هزت رأسها.
— علشان أحمي نفسي.
ضحكت بمرارة.
— وتحمي نفسك من ابنك؟
قالت:
— أنا كنت مديونة يا مريم. سامح كان ماسك عليا مستندات، وكان بيهددني.
— وإيه علاقة محمود؟
— محمود اكتشف كل حاجة.
سكتت.
— ولما عرف إني كنت متورطة، قال إنه هيسلّم كل المستندات للشرطة.
سألتها:
— وإنتِ؟
— حاولت أقنعه يسكت.
— ولما رفض؟
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
— سامح قال إن فيه طريقة نخليه يسكت من غير ما نموت حد.
اتجمدت.
— طريقة إيه؟
— يحطوا له مهدئ بكمية صغيرة، ويصوروه وهو في حالة سُكر، وبعدها يهددوه بالفيديو.
بصيت لها بصدمة.
— يعني اللي حصل كان مدبر؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— لكن ليه في شقة داليا؟
قالت:
— لأنهم كانوا عايزين يخلقوا قصة خيانة.
سكتت لحظة.
— لو محمود ظهر وهو فاقد الوعي في شقة داليا، وفي دمه مهدئات وكحول، كل الناس هتصدق إنه كان بيخونك.
حسيت بغصة.
كل التفاصيل بدأت تركب مكانها.
لكن كان فيه سؤال واحد:
— مين حط المهدئات؟
حماتي أغمضت عينيها.
— سامح.
— وإنتِ؟
— أنا دخلت بعده.
— وشوفتي محمود؟
— أيوه.
— وكان واعي؟
— كان شبه فاقد الوعي.
— وليه ما اتصلتيش بالإسعاف؟
بدأت تبكي.
— خفت.
صرخت:
— خفتي على نفسك، مش عليه!
نزلت دموعها.
— أيوه.
سكت المكان.
بعد دقائق، خرج الطبيب من العناية.
— حالته مستقرة حاليًا.
تنفست براحة.
ثم قال:
— لكن لازم تعرفوا إن التحاليل النهائية أظهرت إن كمية المهدئ اللي وصلت لجسمه كانت أعلى من مجرد تناول عادي.
بصيت لحماتي.
لكنها كانت بتبص للأرض.
بعدها بساعات، حضرت الشرطة.
المستندات والتسجيلات وتحويلات الحسابات كلها أصبحت أمامهم.
داليا قدمت نسخة من الملفات اللي كانت مخبياها.
واتضح إن محمود كان فعلًا بيحقق في تحويلات مالية غير قانونية داخل الشركة.
والـ113 ألف جنيه اللي حولها لها لم تكن أموالًا شخصية لها، بل كانت جزءًا من مبلغ تم نقله مؤقتًا لحساب آمن حتى لا يتم سحبه من الحسابات التي كان يتم التلاعب بها.
أما الـ380 ألف جنيه، فكانت مرتبطة بمستندات الشركة والتحقيق الداخلي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في حساب سامح.
الشرطة اكتشفت تحويلات كثيرة بينه وبين أشخاص داخل الشركة.
وبعد التحقيق، ظهرت مستندات تثبت تورطه في إخفاء جزء من الأموال وتزوير بعض الأوراق.
أما حماتي…
فلم تكن هي العقل المدبر.
لكنها كانت تعرف بما يحدث، وسكتت، ووافقت على الخطة خوفًا من انكشاف ديونها وتورطها.
وبعد أيام، خرج محمود من المستشفى.
كان ضعيفًا جدًا.
وقف أمامي وقال:
— أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية.
ما رديتش.
— وعارف إنك شوفتي تحويلات، وزيارات، ورسائل خلتك تفتكري أسوأ حاجة.
قلت:
— كان ممكن تقول لي الحقيقة من الأول.
خفض رأسه.
— كنت خايف أحطك في خطر.
— لكنك حطيتني في خطر لما خبيت عني كل حاجة.
سكت.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا.
— ده ليكي.
فتحته.
كان فيه مستندات الحسابات كاملة، وإثباتات تحويلات، ونسخة من التسجيلات.
وفي آخر ورقة كان فيه مبلغ العملية الخاصة بأمي.
كاملًا.
بصيت له.
— إنت رجعت الفلوس؟
قال:
— من فلوس كانت متجمّدة في حساب الشركة، وبعد ما اتثبت إنها مش جزء من أي مخالفة، رجعتها كلها.
سكت لحظة.
ثم قلت:
— العملية هتتعمل.
ابتسم لأول مرة.
— الحمد لله.
أما داليا، فثبتت التحقيقات إنها كانت فعلًا تساعد محمود في جمع الأدلة.
ورغم إن وجودها في شقتها مع محمود في ذلك الوقت جعل الصورة تبدو مختلفة تمامًا، إلا أن التسجيلات أثبتت أنها كانت تحاول مساعدته بعد ما بدأ يشعر بتأثير الدواء.
لكن الحقيقة الأهم بالنسبة لي…
كانت إني أخيرًا عرفت ليه كل الناس كانوا مرعوبين من إني أراجع حسابات محمود.
لأنهم كانوا فاكرين إنهم دفنوا الحقيقة وسط أرقام وتحويلات وأسماء مستعارة.
لكنهم نسوا حاجة واحدة.
الأرقام ما بتكدبش.
بعد شهرين، اتعملت عملية أمي.
وفي اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى، مسكت إيدي وقالت:
— ربنا كشفلك الحقيقة في الوقت المناسب.
ابتسمت.
وبصيت لمحمود.
كان واقف بعيد.
ما رجعتش أثق فيه زي الأول.
الثقة ما بترجعش بكلمة “آسف”.
لكننا بدأنا من جديد…
بشروط جديدة.
حسابات واضحة.
مفيش أسرار.
ومفيش شخص ثالث يدخل بينا.
أما حماتي، فالعلاقة بيني وبينها انتهت تقريبًا.
مش بسبب إنها أم محمود.
لكن لأنها اختارت الخوف بدل الحقيقة.
وقبل ما أقفل ملف القضية نهائيًا، وصلتني رسالة أخيرة من الرقم المجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
“كنتِ فاكرة إنك بتدوري على خيانة جوزك… لكنك في الحقيقة كنتِ بتدوري على الحقيقة.”
قفلت الموبايل.
وبصيت لبنتي نور وهي بتضحك مع جدتها.
وقتها فهمت إن أكبر خسارة مش إنك تكتشف إن حد كذب عليك.
أكبر خسارة…
إنك تفضل مصدق الكذبة رغم إن الحقيقة واقفة قدامك.
ومن يومها، بقيت أؤمن بحاجة واحدة:
السر مهما اتدفن… بييجي يوم، والأرقام والورق والدليل يطلعوه للنور.




