روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

— “بس أنا ماوقعتش على حاجة.”

— “وده بالضبط اللي أثبتناه.”

فتح الملف، وطلع تقرير فني.

— “التوقيع الموجود على المستند مزور. وكمان التاريخ الموجود على الورقة يسبق التاريخ اللي اتعمل فيه الرقم القومي الخاص بالنسخة اللي استخدموها.”

شهقت.

آدم اتحرك من مكانه.

— “الكلام ده غير صحيح!”

الراجل بص له بهدوء.

— “إحنا ماجيناوش نتناقش يا أستاذ آدم. إحنا جايين نسلّم المستندات للجهة المختصة.”

في اللحظة دي، باب القاعة اتفتح.

ودخلت رنا.

لكنها ماكانتّش داخلة بنفس الثقة اللي كانت بتتكلم بيها في التليفون.

كانت شاحبة، وإيديها بتترعش.

بصت لآدم وقالت:

— “أنا قلت لك إن الموضوع خلص.”

آدم بص لها بغضب:

— “اسكتي!”

اتجمدت مكاني.

لأن الجملة دي وحدها كانت اعترافًا أكبر من أي ورقة.

قربت منها وقلت:

— “إنتِ كنتِ عارفة؟”

رنا نزلت عينيها.

— “أنا ماكنتش عايزة الأمور توصل لكده.”

ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.

— “ماكانش قصدك؟”

رفعت صوتي:

— “إنتِ زورتي توقيعي!”

ردت بسرعة:

— “آدم هو اللي طلب!”

القاعة انفجرت بالكلام.

آدم صرخ:

— “كدابة!”

لكن رنا طلعت موبايلها.

وقالت:

— “لو أنا كدابة… اسمع التسجيل.”

ضغطت تشغيل.

وصوت آدم ظهر واضح:

“لو ليلى مضت على التنازل، الصفقة هتمشي. ولو ما مضتش… هنخليها تفتكر إنها مضت.”

اتسمرت في مكاني.

كنت سامعة صوته…

صوته اللي كنت أعتبره أكتر صوت آمن في حياتي.

الصوت نفسه كان بيخطط إزاي ياخد الحاجة الوحيدة اللي سابها لي أبويا.

قفل التسجيل.

رنا قالت:

— “أنا غلطت… بس هو اللي بدأ.”

بصيت لها وقلت:

— “الغلط إنك خبيتي الحقيقة. اللي حصل كان خطة.”

وفي اللحظة دي، آدم قرب مني.

— “ليلى، اسمعيني.”

رجعت خطوة لورا.

— “ماتقربش.”

— “أنا عملت كل ده عشان أحافظ على الشركة.”

— “لا.”

هزيت راسي.

— “إنت عملت كل ده عشان تحافظ على نفسك.”

سكت.

كملت:

— “ولو كنت قلت لي الحقيقة من البداية، كنت هقدر أختار بنفسي. لكنك أخدت حقي في الاختيار.”

الرجل صاحب الحقيبة السوداء حط آخر ورقة قدامي.

وقال:

— “دي وصية والد حضرتك.”

فتحتها بإيدي المرتعشة.

كان مكتوب فيها:

“يا ليلى، لو الورقة دي وصلت لك، فمعناه إن المشروع اللي اشتغلت عليه طول عمري حاول حد ياخده منك.

ما تثقيش في اللي يقول لك إنه بيحميك من الحقيقة.

الحقيقة مهما كانت مؤلمة، أهون من حياة مبنية على كذبة.”

وقفت ثواني طويلة.

وبعدين قرأت آخر سطر.

“والحقوق التي تخص المشروع محفوظة باسمك أنتِ، ولن تنتقل لأي شخص إلا بموافقتك الصريحة.”

دموعي نزلت.

مش عشان خسرت آدم.

لكن عشان افتكرت أبويا.

افتكرت آخر مرة شوفته فيها وهو بيقول لي:

“خلي بالك من نفسك يا ليلى… مش كل حد بيضحك لك بيحبك.”

كنت فاكرة وقتها إنه بيتكلم عن الدنيا.

ماعرفتش إنه كان بيتكلم عن الشخص اللي هتجوزه.

بعد أسبوع واحد فقط، الصفقة اللي كان آدم بيحتفل بيها قبل ما تكتمل، توقفت رسميًا بسبب النزاع على ملكية حقوق المشروع.

شركة “هاليكون” انسحبت.

ومجلس إدارة “المنشاوي للحلول التقنية” فتح تحقيق داخلي.

أما آدم…

فقدّم استقالته قبل ما يتم عزله.

رنا دخلت في تحقيق قانوني بسبب المستندات المزورة، والموضوع خرج من إيدها وإيده تمامًا.

أما أنا؟

ماحاولتش أستولي على شركة آدم.

وماحاولتش أنتقم منه.

أنا بس رجعت حقي.

أسست شركة جديدة باسمي، واستعنت بفريق مستقل لإكمال المشروع اللي بدأه والدي من سنين.

وأول قرار أخدته كان إن ملكية المشروع تكون واضحة ومسجلة، وأي قرار كبير مايتاخدش في غرفة مقفولة بين شخصين.

بعد شهور، كنت واقفة في نفس المكتب اللي بدأت منه كل الحكاية.

قدامي لوحة صغيرة مكتوب عليها:

“مشروع والد ليلى منصور.”

ابتسمت.

دخلت السكرتيرة وقالت:

— “فيه رسالة وصلت لحضرتك.”

فتحتها.

كانت من آدم.

قرأتها مرة واحدة.

كان بيقول إنه ندم، وإنه عايز فرصة أخيرة عشان يشرح.

قفلت الورقة.

وما رديتش.

لأني أخيرًا فهمت حاجة كنت محتاجة سنين عشان أفهمها:

مش كل اعتذار لازم نرد عليه.

ومش كل شخص خسرناه يبقى خسارة.

بعدها بيوم، رحت قبر أبويا.

وقفت قدام قبره وقلت:

— “أنا رجعت حقك يا بابا.”

سكت شوية، وبعدين ابتسمت وأنا بامسح دموعي.

— “بس المرة دي… أنا اللي اخترت.”

ومشيت.

كان آدم فاكر إنه لما يخدعني، هيكسب صفقة بـ1.4 مليار دولار.

لكنه ماكانش يعرف إن الصفقة كانت مبنية على توقيع مزور…

وإن التوقيع الوحيد اللي كان يقدر يغيّر كل حاجة…

كان توقيعي أنا.

وعشان كده، يوم الإثنين، الصفقة ما ماتتش لأنني ألغيتها…

الصفقة ماتت لأن الحقيقة وصلت قبل ما يتم دفنها.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى