
“ممكن أعرف مين قدم الطلب؟”
قال:
“الاسم الموجود على الطلب هو اسم حضرتك.”
قلت:
“بس أنا ما قدمتوش.”
قال:
“علشان كده الموضوع اتحول للمراجعة.”
بعد ما مشي، قفلت الباب.
ملك كانت واقفة ورايا.
قالت:
“ماما…”
بصيت لها.
قالت:
“خالتك عملت كده؟”
ما جاوبتش.
لكن لأول مرة، بدأت أشك إن رانيا كانت بتحاول تعمل حاجة أكبر بكتير من مجرد استخدام بيانات تبرعات.
وفي نفس الليلة، وأنا براجع الأوراق القديمة، لقيت صورة كنت محتفظة بيها من يوم ما بعتلها بياناتي.
فتحت تفاصيل الصورة.
وكان فيه تاريخ إرسال.
والتاريخ ده كشف حاجة ما كنتش واخدة بالي منها.
الصورة اتبعتت من موبايلي…
إلى رقم رانيا…
لكن بعدها بدقائق، ظهر إشعار إن الصورة اتفتحت من جهاز آخر.
جهاز ما أعرفوش.
هنا بدأت أقلق فعلًا.
لأن معنى كده إن رانيا ممكن ما تكونش لوحدها.
مسكت موبايلي وبدأت أراجع كل الحسابات.
وفجأة…
لقيت جهاز غريب متصل بأحد حساباتي.
واسم الجهاز كان:
“Rania-Office.”
فضلت باصة للشاشة.
وفي اللحظة دي، وصلتني رسالة جديدة.
لكن المرة دي…
ما كانتش من رانيا.
كانت من رقم مجهول.
وكان مكتوب فيها:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن أختك، متروحيش المدرسة بكرة.”
وتحتها مباشرة وصلت رسالة ثانية:
“روحي بدل كده للمكان اللي اتسلّم فيه أول مبلغ باسمك.”
يتبع…
فضلت باصة للرسالتين ومش عارفة أعمل إيه.
مين الشخص اللي بعتهم؟
وإزاي يعرف عن أول مبلغ اتسجل باسمي؟
وليه بيطلب مني ما أروحش المدرسة؟
قعدت طول الليل وأنا بفكر.
وفي الآخر قررت أروح للمكان.
مش علشان أثق في الشخص المجهول…
لكن علشان كنت محتاجة أعرف الحقيقة قبل ما رانيا تقدر تقلب الموضوع ضدي.
الصبح، سبت ملك عند أمي، وخدت الأوراق اللي معايا، وروحت للعنوان المكتوب في آخر مستند.
المكان كان مكتب صغير في شارع جانبي في الإسكندرية.
على الباب كان مكتوب:
“جمعية مساعدة الأسر المحتاجة.”
دخلت.
كان فيه رجل في الخمسينات قاعد خلف مكتب.
أول ما شافني، وقف.
وقال:
“أنتِ سمر؟”
قلت:
“أيوه.”
بص حواليه، وبعدين قفل الباب.
وقال:
“أنا اللي بعتلك الرسالة.”
سألته:
“إنت مين؟”
قال:
“اسمي محمود. وأنا كنت مسؤول عن مراجعة التبرعات اللي كانت بتوصل للمدرسة.”
حط قدامي ملف.
“قبل ما رانيا تشتغل في المدرسة، كانت بتتواصل مع الجمعية دي.”
فتحت الملف.
لقيت مجموعة إيصالات.
كلها بتتكلم عن مساعدات لأسر محتاجة.
لكن المفاجأة إن بعض الأسماء كانت لأشخاص حقيقيين…
وبعضها ما كانش موجود أصلًا.
سألته:
“يعني إيه؟”
قال:
“يعني الفلوس كانت بتدخل باسم أسر محتاجة، لكن جزء منها ما وصلش لأي أسرة.”
قلت:
“ورانيا كانت بتاخدها؟”
هز رأسه.
“أنا مش هتهمها بحاجة من غير دليل.”
ثم أضاف:
“لكن فيه حاجة أنا متأكد منها.”
طلع ورقة.
“أول طلب اتسجل باسمك أنتِ.”
بصيت للورقة.
كان التاريخ قبل ما أعرف أي حاجة عن الموضوع.
والتوقيع…
كان نفس التوقيع الموجود في الأوراق اللي أمي ادتهالي.
قلت:
“إنت كنت عارف إن ده مش توقيعي؟”
قال:
“عرفت بعد فترة.”
“طب ليه ما قلتليش؟”
تنهد.
“لأن الشخص اللي كان بيقدم الأوراق كان معاه صورة بطاقتك، وكنت فاكر إنك على علم بالموضوع.”
حسيت بغصة.
قلت:
“مين كان بيقدم الأوراق؟”
سكت.
وبعدين قال:
“رانيا.”
قفلت عيني للحظة.
كنت عارفة…
لكن سماع الاسم منه كان مختلف.
سألته:
“طب ليه بعتلي دلوقتي؟”
قال:
“لأنها عرفت إني اكتشفت التلاعب.”
ثم فتح درج مكتبه وأخرج فلاشة صغيرة.
“دي نسخة من الملفات اللي كانت موجودة على الكمبيوتر.”
بصيت للفلاشة.
قال:
“وفيها حاجة أهم.”
“إيه؟”
“تسجيلات من كاميرات المكتب.”
قلبي دق بسرعة.
“تسجيلات لإيه؟”
قال:
“لليوم اللي اتسجل فيه أول مبلغ باسمك.”
وصلنا الفلاشة بالكمبيوتر.
ظهر الفيديو.
المكتب كان واضح.
وفي الساعة المسجلة على الشاشة…
دخلت رانيا.
كانت معاها واحدة تانية.
فضلت الست واقفة عند الباب، بينما رانيا قعدت قدام المكتب وطلعت مجموعة أوراق.
وبعد دقائق…
مدت يدها بورقة.
قربت من الشاشة.
قلت:
“وقف الفيديو.”
محمود وقف التسجيل.
كنت محتاجة أشوف الورقة بوضوح.
كبرنا الصورة.
وشفت اسم المستفيد.
اسمي.
لكن المفاجأة إن الست اللي كانت مع رانيا…
أنا كنت أعرفها.
كانت موظفة في مكان قريب من المدرسة.
وافتكرت إني شفتها قبل كده مع أمي.
قلت:
“دي كانت بتزور أمي.”
محمود بصلي باستغراب.
“متأكدة؟”
هزيت رأسي.
“أيوه.”
وفجأة فهمت إن الموضوع ممكن يكون أكبر من رانيا.
لكن قبل ما نكمل الفيديو، موبايله رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
قال:
“لازم تمشي دلوقتي.”
قلت:
“ليه؟”
قال:
“رانيا عرفت إنك هنا.”
اتجمدت.
“إزاي؟”
قال:
“لأن حد اتصل بيا من دقيقتين وسألني إذا كنت قابلتك.”
خرجت من المكتب بسرعة.
وأول ما ركبت العربية، لقيت مكالمة من أمي.
رديت.
قالت بصوت مرتعش:
“سمر… ملك مش موجودة.”
حسيت إن الدنيا وقفت.
“يعني إيه مش موجودة؟!”
قالت:
“كانت في البيت من عشر دقايق… وبعدها خرجت.”
قلت بسرعة:
“خرجت مع مين؟!”
سكتت أمي.
ثم قالت:
“رانيا.”
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أستوعب.
اتصلت برانيا.
ما ردتش.
اتصلت تاني.
ولا رد.
ثم وصلتني رسالة منها.
رسالة قصيرة جدًا:
“عايزة بنتك ترجع؟ تعالي لوحدك.”
وتحتها عنوان.
نفس العنوان اللي كنت رايحة له…
لكن المرة دي كان عنوان مكان مهجور خارج المدينة.
فضلت أبص للشاشة.
ثم وصلت رسالة ثانية:
“وخدي معاكي الفلاشة.”
هنا فهمت إن رانيا ما كانتش بتحاول تخبي سرها بس…
كانت مستعدة تعمل أي حاجة علشان تمنعني من كشفه.
لكنها ما كانتش تعرف…
إني قبل ما أروح لها، كنت بالفعل بعت نسخة من كل الملفات لجهة مختصة.
ولو حصل لي أي شيء…
الحقيقة كلها هتظهر.
مسكت الفلاشة.
وشغلت العربية.
ولأول مرة، ما كنتش رايحة علشان أواجه أختي.
كنت رايحة علشان أرجع بنتي…
وأكشف الحقيقة كاملة.
لكن لما وصلت للمكان…
لقيت رانيا واقفة لوحدها.
وما كانش معاها ملك.
بصيت حواليها وقلت بصوت عالٍ:
“ملك فين؟!”
ابتسمت رانيا ابتسامة باردة.
وقالت:
“قبل ما تعرفي هي فين…”
ورفعت ظرفًا في إيدها.
“لازم تشوفي ده.”
فتحت الظرف قدامي.
وكان جواه مستند واحد.
أول ما شفته…
اتجمدت.
لأن التوقيع الموجود أسفله…
كان توقيعي الحقيقي.
مش مزور.
وتحته جملة واحدة:
“أقرّ بأن جميع الأموال المستلمة كانت بعلمي ومسؤوليتي.”
رفعت عيني لها.
“أنا ما وقعتش الورقة دي.”
ابتسمت وقالت:
“عارفة.”
ثم أضافت:
“علشان كده لازم أقولك مين اللي وقّعها.”
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت ملك من داخل المبنى.
صرخت:
“ماما!”
جريت ناحية الباب.
لكن رانيا وقفت قدامي وقالت:
“لو دخلتي خطوة واحدة، مش هتشوفيها.”
وهنا…
ظهر شخص آخر من خلفها.
الشخص اللي ما كنتش أتوقع أبدًا أشوفه.
يتبع…
وقفت مكاني أول ما شفت الشخص اللي خرج من ورا رانيا.
كان خالي محمود…
أخو أمي.
الشخص اللي طول عمرنا كنا بنعتبره أهدى وأعقل واحد في العيلة.
بصيت له وأنا مش مستوعبة.
“إنت؟!”
ما ردش.
رانيا ابتسمت وقالت:
“أهو الشخص اللي كان بيوقّع مكانك.”
حسيت الدنيا بتلف بيا.
بصيت لخالي.
“إزاي؟”
قال بصوت منخفض:
“رانيا طلبت مني أساعدها.”
قلت:
“تساعدها في إيه؟ تستخدم اسمي وتزوّر توقيعي؟!”
طأطأ راسه.
“في البداية كنت فاكر إن الموضوع مجرد أوراق مساعدة… وإنك عارفة.”
قلت:
“وبعدين؟”
قال:
“لما عرفت الحقيقة، كنت دخلت في الموضوع خلاص.”
رانيا قاطعته:
“كفاية.”
وبصتلي.
“الفلاشة.”
طلعتها من جيبي.
“فين ملك؟”
قالت:
“جوا.”
قلت:
“هاتها الأول.”
قالت:
“الفلاشة الأول.”
رفعت الفلاشة قدامها.
“لو حصل لبنتي أي حاجة، كل الملفات هتوصل للجهة المختصة.”
ضحكت.
“إنتِ فاكرة إني غبية؟”
قلت:
“لأ.”
وسكت لحظة.
“بس إنتِ نسيتي حاجة.”
وشها اتغير.
“إيه؟”
قلت:
“أنا ما جيتش هنا بالفلاشة الأصلية.”
سكتت.
خالي بص لها.
رانيا قربت مني.
“بتكدبي.”
قلت:
“ممكن.”
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت سيارات برا.
رانيا بصت ناحية الباب.
وبدأت تتوتر.
قلت لها:
“أنا بعت كل حاجة قبل ما أوصل.”
صوت ملك جه من الداخل:
“ماما!”
جريت ناحية الباب.
المرة دي رانيا ما حاولتش تمنعني.
لأن صوت طرق قوي دوّى في المكان.
“جهة مختصة! افتحوا الباب!”
رانيا رجعت خطوة.
خالي حط إيده على رأسه.
وبعد ثواني، الباب اتفتح ودخل المسؤولون المختصون.
ملك خرجت تجري عليا.
حضنتها بكل قوتي.
كانت بتعيط.
“ماما، أنا كنت خايفة.”
قلت لها:
“خلاص يا حبيبتي… أنا معاكي.”
الجهات المختصة فصلت بينا وبين رانيا.
وخالي بدأ يحكي كل اللي يعرفه.
أما رانيا…
ففي البداية حاولت تنكر كل حاجة.
قالت إن الأوراق غير صحيحة.
وإنها ما كانتش تعرف حاجة.
لكن كان فيه مشكلة.
الفيديوهات.
الرسائل.
الإيصالات.
بيانات الدخول.
والأهم…
إن كل المستندات اللي استخدمت اسمي كانت مرتبطة بجهاز رانيا.
بعد أيام من المراجعة، بدأت الصورة الكاملة تظهر.
رانيا كانت بتستخدم بياناتي اللي حصلت عليها زمان، وكانت بتقدم طلبات مساعدة بأسماء أسر مختلفة.
بعض المساعدات وصلت فعلًا لأصحابها.
لكن جزء من الأموال لم يصل إلى المستفيدين المسجلين.
وكان خالي يساعدها في بعض الأوراق لأنه كان فاكر في البداية إن الموضوع مجرد إجراءات عائلية، ثم استمر بعدما أدرك إن الأمور خرجت عن السيطرة.
أما المرأة اللي ظهرت معها في الفيديو…
فكانت موظفة سابقة تساعد في تجهيز بعض المستندات، ولم تكن تعرف الصورة الكاملة في البداية.
لكن أكبر مفاجأة ظهرت بعد مراجعة الحسابات.
المبلغ اللي كنت أنا حولته لرانيا علشان تساعد طالبة محتاجة…
ما اتصرفش على الطالبة.
رانيا استخدمته في تسديد جزء من التزامات شخصية.
وده كان الدليل اللي أكد لي إن إحساسي وقتها كان في محله.
بعدها، إدارة المدرسة فتحت تحقيقًا رسميًا، وتم إيقاف رانيا عن العمل لحين انتهاء الإجراءات.
أما أنا…
فما كنتش مهتمة بأي انتقام.
كل اللي كنت عايزاه إن بنتي تتعلم درس واحد:
إن غلط شخص تاني مش لازم يخليها تشك في قيمتها.
قبل حفلتها بيوم، علقت لها الفستان في أوضتها.
دخلت ملك وبصت له.
قالت:
“ماما، أنا خلاص مش زعلانة على الفستان.”
ابتسمت.
“عارفة.”
قالت:
“أنا زعلانة بس إن خالتي كانت ممكن تعمل كل ده.”
قلت:
“فيه ناس بتغلط يا ملك.”
قالت:
“بس مش كل الناس بتصلح غلطها.”
مسكت إيدها.
“عشان كده أهم حاجة إنك تختاري تكوني من النوع اللي لما يغلط، يعترف ويصلح.”
في يوم الحفلة، لبست ملك الفستان الأخضر.
وقفت قدام المراية.
كانت بتضحك.
ولأول مرة من أسابيع، شفت الفرحة رجعت لعينيها.
قبل ما تخرج، قالت:
“ماما.”
“نعم؟”
“الفستان حلو…”
ثم حضنتني.
“…بس اللي عملتيه عشاني أهم.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت لها:
“أنا كنت هرجعلك فستانك حتى لو كان تمنه عشرة أضعاف.”
ضحكت.
“وأنا هفضل فاكرة ده طول عمري.”
خرجت ملك للحفلة.
وقعدت أنا في البيت أفكر في كل اللي حصل.
في أختي.
وفي أمي اللي في البداية قالت إن الفستان “مجرد فستان”.
وفي خالي.
وفي نفسي…
وافتكرت إن الحكاية كلها بدأت من حاجة ناس كتير ممكن يشوفوها بسيطة.
فستان.
لكن بالنسبة لبنت عندها 17 سنة، الفستان ما كانش مجرد قطعة قماش.
كان حلم.
وتعب.
وإحساس إنها تستحق تفرح زي أي بنت تانية.
أما رانيا…
فبعد فترة طويلة، بعتتلي رسالة واحدة.
“أنا آسفة.”
بصيت للرسالة.
ما رديتش فورًا.
وبعد دقائق، كتبت لها:
“الاعتذار مش هيرجع الوقت اللي ضاع، ولا الثقة اللي اتكسرت. لكن أتمنى فعلًا تتعلمي من اللي حصل.”
قفلت المحادثة.
وبصيت لصورة ملك وهي في حفلتها.
وقتها فهمت إن أحيانًا…
أكبر انتصار مش إنك تنتقم من الشخص اللي ظلمك.
أكبر انتصار إنك تمنع اللي حصل من إنه يكسر الشخص اللي بتحبه.
وملك؟
رجعت من الحفلة آخر الليل وهي بتضحك وتحكيلي عن كل تفاصيل الليلة.
وأول حاجة قالتها وهي داخلة:
“ماما… كل البنات سألوني عن الفستان!”
ضحكت وقلت:
“قوليلهم إن خالتك دفعتهولي مرتين.”
ضحكنا إحنا الاتنين.
ولأول مرة…
كانت ضحكتها أعلى من كل الحزن اللي سمعته قبل كده من ورا باب أوضتها.
النهاية.




