روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

الجملة كانت واضحة:

لو عملوا كده تاني، هستنى بره لحد ما حد يشوفني.

ملك لم تكن تحاول الهروب.

كانت تحاول أن تجعل شخصًا ما يلاحظها.

كانت تعرف أنها لو اختفت داخل البيت، محدش هيعرف إيه اللي حصل.

لكنها كانت تعرف إن وجودها أمام الباب قد يجبر شخصًا على رؤيتها.

بنتي كانت تحاول تنقذ نفسها.

وأنا لم أكن أعرف.

دخلت ملك علينا.

كانت واقفة عند الباب.

قالت:

«ماما… أنا عرفت مكان الملف.»

التفتُّ لها.

«أي ملف؟»

قالت:

«الملف اللي بابا كان بيخبيه.»

سألتها:

«فين؟»

قالت:

«في البيت.»

طارق انتفض.

«ملك، اسكتي!»

لكن هذه المرة لم أتراجع.

وقفت أمامه.

«إنت هتسكت.»

نظر لي.

ثم خفض عينيه.

ملك قالت:

«كان فيه صندوق صغير في الدولاب القديم.»

«وفيه أوراق كتير.»

«أنا ما قدرتش آخده كله.»

«بس أخدت حاجة واحدة.»

سألتها:

«إيه؟»

أخرجت من جيب سترتها فلاشة صغيرة.

قالت:

«دي.»

طارق أصبح شاحبًا.

فؤاد بص للفلاشة وكأنه رأى شيئًا يخشاه.

قلت:

«إيه اللي عليها؟»

ملك قالت:

«أنا سجلت صوت بابا والراجل اللي كان معاه.»

ساد الصمت.

طارق حاول يتحرك ناحية ملك.

لكنني وقفت أمامه.

«ما تقربش منها.»

في اللحظة نفسها، دخل المحامي ومعه ضابطان.

كنت قد اتصلت بهم قبل دقائق.

أعطيت المحامي الفلاشة.

قال:

«هنحفظها رسميًا، وهنفحص محتواها.»

لكن طارق انفجر:

«إنتِ مش فاهمة! لو الفلاشة دي خرجت، محمود هيأذيني!»

توقفت.

فؤاد قال:

«اسكت يا طارق.»

لكن طارق لم يعد قادرًا على السيطرة على نفسه.

«محمود مش هيسيب حد يتكلم!»

نظرت إليه.

«هو فين؟»

طارق سكت.

«فين محمود؟»

لم يرد.

فؤاد قال:

«هرب.»

«إمتى؟»

«من امبارح.»

قلت:

«إلى فين؟»

قال:

«مش عارف.»

في اللحظة دي، رن هاتف طارق.

نظر إلى الشاشة.

وجهه تحول إلى رعب.

قلت:

«رد.»

قال:

«مش قادر.»

«رد يا طارق.»

فتح المكالمة ووضعها على مكبر الصوت.

جاء صوت محمود.

هادئًا جدًا.

قال:

«طارق… كنت متأكد إنك هتتكلم في الآخر.»

طارق لم يرد.

محمود أكمل:

«ومها… لو إنتِ سامعاني، اسمعيني كويس.»

أمسكت الهاتف.

«أنا سامعاك.»

ضحك ضحكة خفيفة.

«كان ممكن كل ده ينتهي من زمان.»

قلت:

«إنت استخدمت اسمي.»

«وزورت توقيعي.»

«وخليت بنتي تعيش في خوف.»

سكت لحظة.

ثم قال:

«أنا ما كنتش عايز أؤذي ملك.»

صرخت:

«إنت أذيتها بالفعل!»

قال:

«أنا كنت محتاج الورق.»

«والبنت شافته.»

ثم أضاف:

«لكن عندك مشكلة أكبر.»

قلت:

«إيه؟»

قال:

«الفلوس اللي بتدوري عليها… مش موجودة في أي حساب.»

«لأنها تحولت من سنين.»

«ولمين؟»

صمت.

ثم قال:

«لشخص واحد.»

«مين؟»

ضحك.

«الشخص اللي إنتِ طول الوقت كنتِ فاكرة إنه بيساعدك.»

توقفت أنفاسي.

بصيت للمحامي.

ثم لفؤاد.

لكن محمود أغلق المكالمة.

في نفس اللحظة، وصلت رسالة على هاتف ملك.

فتحتها.

وكانت من رقم مجهول.

صورة واحدة.

صورة للملف الأخير.

وفي أسفل الصورة ظهر اسم المستفيد الحقيقي من الأموال.

قرأته مرة.

ثم مرة ثانية.

ولم أصدق عيني.

لأن الاسم لم يكن محمود.

ولم يكن طارق.

ولم يكن فؤاد.

كان اسم شخص آخر…

شخص كان موجودًا في حياتي منذ سنوات.

وشخص كنت قد سلمته بنفسي مفاتيح بيتي وثقتي وأسراري.

نظرت إلى ملك.

وقلت:

«الحكاية لسه ما خلصتش.»

لكن هذه المرة…

كنت أنا اللي هواجه الحقيقة بنفسي.

وفي صباح اليوم التالي، اتخذت قرارًا واحدًا:

لن أواجههم بصفتي أمًا فقط.

سأواجههم بكل ما أملك من قانون وخبرة وقوة.

لكن قبل أن أتحرك…

وصلني ملف كامل مجهول المصدر.

وفي أول صفحة منه كانت جملة واحدة:

«سيادة اللواء مها منصور… قبل ما تبحثي عن أموالك، ابحثي أولًا عن سبب رحيل والدك.»

تجمدت في مكاني.

لأنني طوال السنوات الماضية كنت أعتقد أن والدي مات وفاة طبيعية.

لكن الملف كان يحمل شيئًا لم أره من قبل…

تقريرًا طبيًا قديمًا يشير إلى أن رحيله ربما لم يكن طبيعيًا كما أخبرونا.

ولأول مرة، بدأت أشك أن كل ما حدث لملك…

وكل الأموال…

وكل التزوير…

ربما بدأ قبل سنوات طويلة من ولادتها.

يتبع…

فضلت واقفة قدام الملف وأنا مش قادرة أفتح الصفحة اللي بعدها.

جملة واحدة كانت كفاية تقلب حياتي كلها:

«ابحثي أولًا عن سبب رحيل والدك.»

أنا عشت سنين وأنا مقتنعة إن أبويا مات بجلطة مفاجئة.

الدكاترة قالوا وقتها إن قلبه كان ضعيف.

وأخويا محمود أكد لي نفس الكلام.

لكن التقرير اللي قدامي كان بيقول حاجة مختلفة.

فتحت الصفحة التالية.

كان فيه تقرير طبي قديم، وملاحظات بخط الطبيب.

وفي آخر الصفحة جملة:

«وجود آثار لمادة دوائية غير معتادة في التحاليل، مع ضرورة إعادة الفحص.»

إيدي بدأت ترتعش.

اتصلت بالطبيب الذي كان اسمه موجودًا في التقرير.

بعد محاولات، قدرت أوصل له.

قلت:

«دكتور سامي، أنا بنت المريض عبد الرحمن منصور.»

سكت طويلًا.

ثم قال:

«كنت عارف إن اليوم ده هييجي.»

قلبي انقبض.

«إنت كنت تعرف إن رحيل أبويا مش طبيعي؟»

قال:

«كان عندي شك.»

«وليه ما قلتليش؟»

«لأن أخوكي محمود حضر بعد الرحيل مباشرة، وقال إن العائلة لا تريد فتح الموضوع.»

قلت:

«أنا كنت بنته!»

قال:

«عارف.»

«طب ليه سكت؟»

رد بصوت متردد:

«لأني كنت خايف.»

في اللحظة دي فهمت إن الحكاية أكبر من مجرد تزوير أموال.

سألته:

«مين كان موجود عند أبويا قبل رحيله؟»

سكت.

ثم قال:

«أخوكي.»

تجمدت.

«محمود؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى