قصص وروايات

الطائرة الخاصة بقلم محمد عبده

تردد.

— شركات مرتبطة بأشخاص قريبين من الإدارة.

فتحت الملف.

بدأت أقلب الصفحات واحدة واحدة.

وفي أول الأمر، كل شيء كان يبدو قانونيًا.

عقود.

فواتير.

مستندات.

لكن كل ما تعمقت أكتر…

بدأت الصورة تظهر.

الشركات اللي كانت بتاخد الأموال دي كانت جديدة تقريبًا.

بعضها اتأسس قبل التحويلات بأسابيع فقط.

والأغرب…

إن عنوان ثلاث شركات كان نفس العنوان.

رفعت عيني إلى رامي.

— مين صاحب الشركات دي؟

قال:

— هنا المشكلة.

قلبت الصفحة.

وتوقفت.

اسم ظهر أمامي.

مريم فؤاد.

نفس مريم اللي كانت قاعدة جنب جوزي في الطائرة.

حسيت للحظة إن الدنيا سكتت.

لكن بدل ما أتعصب، قفلت الملف بهدوء.

— رامي.

— نعم؟

— هل عمر يعرف إن اسمها موجود هنا؟

— مش عارف.

قلت:

— لأ.

وسكتُّ.

— هو يعرف.

رامي بص لي باستغراب.

— متأكدة؟

— لو ما كانش يعرف، ما كانتش هتبقى قاعدة في مكاني على الطائرة.

سكت رامي.

ثم قال:

— في حاجة تانية.

بصيت له.

— إيه؟

طلع ورقة منفصلة من الملف.

— التحويلات دي مش أخطر حاجة.

أخذت الورقة.

قرأت السطر الأول.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

وشعرت ببرودة في أطرافي.

لأن المستند لم يكن متعلقًا بمريم وحدها.

كان متعلقًا بملكية الشركة نفسها.

قلت:

— إمتى اتعمل التعديل ده؟

قال رامي:

— من حوالي شهرين.

— ومين وقّع؟

سكت.

ثم قال:

— عمر.

رفعت رأسي.

— لوحده؟

— كان فيه توقيع تاني.

— مين؟

رامي ما ردش.

اكتفى إنه بص للورقة.

فهمت إن الاسم موجود أمامي.

نظرت إلى أسفل الصفحة.

وهناك كان التوقيع الثاني.

توقيع أعرفه جيدًا.

توقيع حماتي.

نوال السيوفي.

ابتسمت بسخرية.

— يعني الموضوع عائلي.

رامي قال بسرعة:

— سارة، في حاجة لازم أقولها لك قبل ما تاخدي أي قرار.

— قول.

— التعديل ده حاولوا يمرروه من غير ما حد من مجلس الأمناء يعرف.

— ليه؟

— لأن فيه بند جديد…

سكت.

قلت:

— رامي، كمّل.

قال:

— البند بيدي عمر حق التصرف في جزء كبير من أصول الشركة من غير الرجوع للجهة المالكة.

ضحكت.

لكن ضحكتي كانت باردة.

— الجهة المالكة؟

رامي بص لي.

— أيوه.

قلت:

— تقصد مجموعة عيلتي.

هز رأسه.

— أيوه.

سكتنا.

وفي اللحظة دي، سمعت صوت خطوات جاية من آخر الممر.

رامي بص ناحية الباب.

وشه اتغير.

عمر كان واقف هناك.

لوحده.

لكن الغريب إنه ما كانش غاضب.

كان مبتسم.

مبتسم بطريقة خلتني أفهم إن الموضوع أكبر مما توقعت.

مشى ناحيتي ببطء.

وقال:

— كنت عارف إنك هتيجي هنا.

ما رديتش.

بص للملف اللي في إيدي.

ثم قال:

— رامي، تقدر تسيبنا لوحدنا.

رامي ما اتحركش.

عمر كرر:

— قلت لك تقدر تسيبنا.

رامي بص لي.

أنا هزيت رأسي.

خرج.

وأصبحنا لوحدنا.

عمر قرب مني وقال:

— إنتِ زعلانة بسبب الطائرة؟

قلت:

— لأ.

ابتسم.

— كويس.

قلت:

— أنا زعلانة بسبب حاجة أهم.

سأل:

— إيه؟

رفعت الملف أمامه.

— الـ180 مليون جنيه دول راحوا فين؟

ابتسامته اختفت.

لأول مرة منذ سنوات…

شفت الخوف في عينيه.

لكنه حاول يخفيه بسرعة.

— إنتِ بتدوري في حسابات الشركة ليه؟

قلت:

— لأن الشركة اللي بتتكلم عنها طول الوقت… جزء كبير منها لسه مملوك لعيلتي.

رد بعصبية:

— سارة، إنتِ خرجتي من الإدارة من أربع سنين!

— خرجت بإرادتي.

— يعني ما بقيش ليكي حق تتدخلي.

ابتسمت.

— أنت متأكد؟

سكت.

فتحت الملف.

وحطيت قدامه آخر ورقة.

— لأنك نسيت حاجة مهمة يا عمر.

بص للورقة.

ثم رفع عينيه لي.

قلت:

— أنا ما بعتش حصتي.

وجهه شحب.

وكملت:

— أنت كنت فاكر إني لما انسحبت من الإدارة، يبقى خرجت من الشركة.

وقفت قدامه.

— لكني كنت سايبة لك الإدارة بس.

قربت منه خطوة.

— الملكية؟

ابتسمت.

— لسه عندي.

عمر ما عرفش يرد.

وفي نفس اللحظة، رن تليفونه.

بص للشاشة.

واللون اختفى من وشه تمامًا.

لأن المتصل كان…

مريم.

لكن عمر ما ردش.

التليفون رن مرة.

وبعدين مرة تانية.

ثم وصلته رسالة.

فتحها.

قرأها.

وفجأة قال:

— لا…

سألته:

— إيه اللي حصل؟

رفع عينيه لي.

وكان واضح جدًا إنه لأول مرة مش عارف يعمل إيه.

قال بصوت منخفض:

— مريم عرفت إنك رجعتي.

قلت:

— وده يخوفها؟

هز رأسه.

— مش مريم اللي خايفة.

سألته:

— أمال مين؟

بص لي للحظات.

ثم قال:

— أنا.

وقبل ما ألحق أسأله ليه…

دخلت السكرتيرة مسرعة إلى المكتب.

وقالت:

— أستاذ عمر… في مشكلة كبيرة.

رد بعصبية:

— إيه؟

قالت:

— البنك جمّد الحساب الرئيسي للشركة.

اتجمد عمر في مكانه.

ثم أضافت:

— وفي وفد من مجلس الأمناء وصل للمبنى.

بص لي عمر.

وأنا فهمت إن اللي بدأ بإهانة على متن طائرة…

كان على وشك يتحول إلى أكبر مواجهة في تاريخ الشركة.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه ما ظهرتش.

لأن مجلس الأمناء ما جاش بسبب التحويلات المالية…

كان جاي بسبب وثيقة قديمة ظهرت فجأة بعد سبع سنين.

وثيقة لو خرجت للنور…

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى